إثبات عيب الانحراف

ثالثا- إثبات عيب الانحراف بالسلطة:

إن القضاء الحديث لمجلس الدولة الفرنسي يبدو عليه طابع التساهل والرغبة في تخفيف عبء الإثبات على الأفراد، تشجيعا لهم في السهر على مبدأ سيادة القانون، وتقديرا لوضعهم كطرف ضعيف يلقى على عاتقه دائما عبء الإثبات، وأمامهم طرف قوي يتمتع دائما أو في معظم الأحوال بمركز المدعى عليه.

لقد خطا مجلس الدولة الفرنسي خطوات واسعة جدا نحو التضييق من نطاق السلطة التقديرية للإدارة إلى أقل حد ممكن في مجالات النشاط الإداري، ونحو تسليط سيف الانحراف بالسلطة على كل قرار يشتم منه رائحة الانحراف؛ حتى ليكاد يخيل إلينا على حد تعبير الدكتور أحمد حافظ نجم أن المجلس بدأ يتوجه نحو إلغاء فكرة السلطة التقديرية المطلقة.

إن مجلس الدولة الفرنسي وهو بصدد تحري بواعث الإدارة ودوافعها استقر على عدم اضطلاعه باستجواب رجل الإدارة، كما لا يستطيع أن يأمر بإجراء تحقيق في هذا الشأن ولهذا فهو مضطر إلى تلمس هذه الدوافع والبواعث في ملف القضية والظروف المحيطة بالقرار الإداري المطعون فيه، ولهذا فإن الدليل في غالب الأحيان متوقف على الإدارة المطعون في قرارها، أو بمعنى أدق على هفوة ترتكبها وتترك أثر نيتها في الأوراق.

ولكن المجلس وإن ضيق على نفسه من ناحية قصره مصدر إثبات عيب الانحراف بالسلطة على ملف القضية، إلا أنه توسع في مفهوم ملف القضية؛ إذ فستره تفسيرا في غاية الاتساع، حتى ليكاد يكون من غير الممكن عملا حصر وسائل الإثبات التي قرر المجلس أنها تندرج تحت تلك التسمية.

إن توسع قاضي الإلغاء في تفسير المقصود بملف القضية ذهب بالبعض إلى القول أنه لعب دورا فعالا فتجاوز ملف القضية إلى أدلة أخرى غير مباشرة تمثلت في استنباط القرائن الدالة على الانحراف، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فاعتد في إثبات الانحراف بظروف خارجة عن النزاع المطروح.

وعلى هذا الأساس فإن قاضي الإلغاء إما أن يعتمد في إثبات عيب الانحراف بالسلطة على أدلة مباشرة من ملف القضية تدل دلالة واضحة على الهدف الحقيقي من القرار المطعون فيه، وهذه الأدلة قليلة ونادرة، وإما أن يعتمد على الأدلة غير المباشرة ونقصد بها القرائن القضائية الدالة على الانحراف.

وقد يكون مصدر الأدلة المباشرة نص القرار المطعون فيه، أو المناقشات الشفهية، أو المراسلات، أو التفسيرات والإيضاحات التي يطلبها القاضي من الإدارة، إذ قد تشير هذه المصادر إلى الغرض الحقيقي صراحة، وحينها نكون بصدد الحصول على الدليل المباشر الذي يثبت الانحراف في حالة ما إذا أشارت هذه المصادر إلى غرض مجانب للمصلحة العامة أو الفكرة تخصيص الأهداف. وقد يثبت من هذه المصادر حصول وقائع ثابتة يمكن أن تعتمد في استنباط وقائع مجهولة وهي الغرض الحقيقي من القرار، وهو ما نسميه بالقرائن القضائية.

  • نص القرار المطعون فيه: فأحيانا يلزم المشرع الإدارة بتسبيب قراراتها، ونظرا للعلاقة الوثيقة بين السبب والغاية فإنه كثيرا ما تدل هذه الأسباب على الغاية الحقيقية لرجل الإدارة، كما قد يكتشف القاضي ذلك من عبارات القرار حتى وإن لم تكن الإدارة ملزمة بالتسبيب، فقد يرد في نص القرار اعتراف الإدارة بالهدف الحقيقي والذي تتصوره صحيحا، فإذا به غير الهدف الذي حدده القانون لها.

ولقد كان مجلس الدولة الفرنسي في البداية حريصا على أن يكون الانحراف بالسلطة واضحا وصريحا في نصوص القرار ذاته، وإلا رفض دعوى الانحراف دون أن يحاول البحث في أماكن أخرى، وكأنه يشترط أن يعلن مصدر القرار صراحة أنه لا يستهدف من قراره تحقيق المصلحة العامة، ومن غير المنطقي أن يضع رجل الإدارة نفسه في هذا المأزق، إلا أن مجلس الدولة عدل عن هذا الموقف، وبدأ يقلب الأوراق المحفوظة في ملف الدعوى، وظروف صدور القرار، والقرائن القوية التي يعضد بعضها بعضا والمستمدة من ظروف إصدار القرار ومن غيره من الظروف السابقة أو المعاصرة أو اللاحقة لصدور القرار سواء كانت متعلقة به أو خارجة عنه بحثا عن دليل يستخلص منه وجود ذلك العيب أو عدم وجوده.

  • المناقشات الشفهية: التي تدور داخل المجالس أو اللجان التي لها سلطة إصدار القرار، وفي هذا الشأن ذهبت محكمة القضاء الإداري المصرية بأن: “نقل أستاذ مساعد بإحدى الجامعات إلى وظيفة أخصائي بوزارة الصحة مشوب بعيب إساءة استعمال السلطة، حيث ثبت من مناقشات المجلس الأعلى للجامعات أن السبب الحقيقي للقرار ليس عدم حصوله على الدكتوراه، بل القول بفقدان الانسجام بينه وبين بعض زملائه بالكلية”، وهكذا عرفت المحكمة من خلال المناقشات الشفهية التي دارت في المجلس الأعلى للجامعات أن الهدف الحقيقي هو معاقبة المدعي محاباة لبعض زملائه في الكلية.

وفي الواقع لا يكون إثبات الانحراف بهذه الوسيلة ميسورا دائما، حيث أن مناقشات إصدار القرار تكون في حجرات مغلقة، وغالبا ما تكون محاطة بسرية يعجز المدعي عن اختراقها، فلا يستطيع معرفة ما دار فيها لإثبات الانحراف بواسطتها.

  • المراسلات: التي سبقت أو لحقت إصدار القرار المطعون فيه، فهي كثيرا ما تكشف عن نوايا الإدارة وأهدافها. ففي قضية Monbouyran قرر مجلس الدولة الفرنسي بأنه: “اتضح من الخطابات المتبادلة بين رئيس مجلس إدارة المكتب الإقليمي وبين نقابة موظفي المكاتب العامة لمساكن الإيجار المتوسطة، وكذا من مداولات مجلس إدارة المكتب في 05 نوفمبر 1968، أن فصل المدعي من منصبه لم يكن لدواعي اقتصادية، ولكنه استهدف التخلص من المدعي بسبب نشاطه النقابي.

كما اعتدت المحكمة الإدارية العليا المصرية بالمراسلات المتبادلة بين جهات الإدارة في إلغائها لقرار نقل مسؤول نقابي بسبب نشاطه النقابي المناوئ للإدارة، ودفاعه المتواصل عن حقوق العاملين بالمرفق. غير أن كون هذه المراسلات بحوزة الإدارة، وامتناعها عن تقديمها إلى القاضي بزعم عدم وجودها يحول دون تحقيق الفائدة المرجوة منها.

  • التوجيهات العامة والخاصة: حيث يفحص مجلس الدولة الفرنسي التوجيهات العامة (المنشورات) والخاصة التي يصدرها الرؤساء الإداريون إلى مرؤوسيهم والتي بمقتضاها اتخذ القرار المطعون فيه، فقد يسترشد مجلس الدولة الفرنسي بتلك التوجيهات في الكشف عن مدى وجود انحراف بالسلطة.

ومما يقلل من أهمية الاعتماد على هذه التوجيهات في الكشف عن الانحراف بالسلطة اتسامها بالسرية وبالتالي استبعاد اطلاع القاضي عليها.

  • التفسيرات والإيضاحات: التي يطلبها القاضي من الإدارة؛ إذ قد تؤدي إلى إقرار رجال الإدارة بالهدف الحقيقي للقرار، فإذا امتنعت الإدارة عن تقديم التفسيرات والإيضاحات التي يطلبها القاضي والتي لا يمكنه الحكم إلا في ضوئها، فإن بوسعه الحكم ضدها.

error: