تنظيم إجراءات الإثبات أمام القضاء الإداري

كم اعتاب قضية طلاق

إن إجراءات التقاضي الإدارية في فرنسا مستقلة عن إجراءات التقاضي المدنية، وإن كانت نصوص الإجراءات القضائية الإدارية في حد ذاتها تحيل أحيانا إلى أحكام قانون الإجراءات المدنية، كما أن القضاة ومن تلقاء أنفسهم قد يلجؤون إلى أحكام الإجراءات المدنية باعتبارها مبادئ عامة للإجراءات.

وإذا كان المشرع المصري لحد الساعة لم يصدر قانونا لإجراءات التقاضي الإدارية، ومازال يعتمد على بعض أحكام قانون مجلس الدولة، وقانون الإثبات فإن المشرع الجزائري وإن كان لم يصدر قانونا مستقلا لإجراءات التقاضي الإدارية إلا أنه أفرد لها الكتاب الرابع من قانون الإجراءات المدنية والإدارية.

لقد ساهم قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم 08/09 المؤرخ في 25 فيفري 2008 بشكل كبير في التخفيف من عبء الإثبات الملقى على عاتق المدعي في دعوى الإلغاء والعمل على إعادة التوازن بين أطراف الدعوى الإدارية عموما، ودعوى الإلغاء خصوصا، وذلك من خلال تنظيمه لعملية تحضير الدعوى (الفرع الأول) وتنظيمه لوسائل تحقيق الدعوي (الفرع الثاني)

الفرع الأول: دور المشرع من خلال تنظيمه لإجراءات تحضير الدعوى.

نظم قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم 08/09 المؤرخ في 25 فيفري 2008 أحكام مرحلة تحضير الدعوى للفصل فيها، ومن خلال هذه الأحكام ساهم في التخفيف من صعوبات الإثبات على المدعي وتتمثل مظاهر ذلك في:

  • إلزامية تحضير الدعوى.

  • تنظيم كيفية تبادل المذكرات وآجال إيداعها.

  • تفادي التشديد في بعض الشروط الشكلية للعريضة.

  • إلزام الخصوم بتقديم المستندات والوثائق المقيدة في فض النزاع.

  • تكريس مبدأ المواجهة في إجراءات تحضير الدعوى الإدارية

أولا: إلزامية تحضير الدعوى.

تشمل مرحلة التحضير كل الإجراءات التي تستهدف توفير المستندات والأدلة اللازمة والمقبولة للحكم في النزاع، ويلتزم القاضي كقاعدة عامة بالتحضير الكامل للدعوى للفصل، ولا يمكنه إصدار حكم في قضية دون التحقيق فيها، بل يلتزم بتحضير كأصل عام كنتيجة مرئية عن التزامه بالفصل في الدعوى عن دراية كاملة، واستثناء قد يجيز المشرع عدم التحضير لوضوح الحل؛ مثلما نصت عليه المادة 847 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية بقولها : يجوز لرئيس المحكمة الإدارية أن يقرر بألا وجه للتحقيق في القضية عندما يتبين له من العريضة أن حلها مؤكد…”، كما هو الشأن لو كان من الواضح أن الحكم هو عدم الاختصاص أو أن العريضة من الواضح أنها غير مقبولة.

وتستشف هذه إلزامية التحضير من خلال صياغة المواد المنظمة له، ومن خلال صيغة الإعفاء من التحقيق في الحالات التي نصت عليها المادة 847، والتي تعني من جهة أنه بمفهوم المخالفة في غير هذه الحالات لا يجوز الاستغناء عن التحقيق، ومن جهة ثانية تستشف من العنوان الفرعي الذي جاءت تحته المادة 847 وهو الإعفاء من التحقيق؛ والإعفاء لا يكون إلا من واجب.

وعندما تكون القضية مهيأة للفصل فيها يحدد رئيس تشكيلة الحكم تاريخ اختتام التحقيق بموجب أمر غير قابل لأي طعن (المادة852)، ويبلغ الأمر إلى جميع الخصوم برسالة مضمنة مع إشعار بالاستلام أو بأي وسيلة أخرى في أجل لا يقل عن خمسة عشر يوما قبل تاريخ الاختتام المحدد في الأمر (المادة852).

ويحيل القاضي المقرر وجوبا ملف القضية مرفقا بالتقرير والوثائق الملحقة به إلى محافظ الدولة، لتقديم تقريره المكتوب في أجل شهر واحد من تاريخ استلامه الملف، ويجب على محافظ الدولة إعادة الملف والوثائق المرفقة به إلى القاضي المقرر بمجرد انقضاء الأجل المذكور (المادة 897).

ثانيا: تنظيم تبادل المذكرات وآجال إيداعها.

نظم قانون الإجراءات المدنية والإدارية عملية تبادل المذكرات، فأوكل مهمة الإشراف عليها إلى المستشار المقرر إذ نصت المادة 844 منه على أن رئيس المحكمة الإدارية هو من يعين التشكيلة التي يؤول إليها الفصل في الدعوى بمجرد قيد عريضة افتتاح الدعوى بأمانة الضبط، ويعين رئيس تشكيلة الحكم القاضي المقرر الذي يحدد -بناء على ظروف القضية- الأجل الممنوح للخصوم من أجل تقديم المذكرات الإضافية والملاحظات وأوجه الدفاع والردود، ويجوز له أن يطلب من الخصوم أي مستند أو أية وثيقة تفيد في فض النزاع.

ولقد حرص قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أن يكون أجل إيداع المذكرات في مدة محددة يجب أن لا تطول حتى لا تعطل سير إجراءات الدعوى، ومنعا للخصوم من المماطلة وحثا لهم على الإسراع في تنفيذ الإجراءات ومن أجل الوصول إلى حل النزاعات في أقصر وقت ممكن تجنبا لتراكم القضايا، وإلى هذا كانت ترمي المادة 03 منه والتي نصت على وجوب الفصل في النزاعات في مدة معقولة.

كما نصت المادة 840 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أن يشار في تبليغ العرائض والمذكرات إلى أنه في حالة عدم مراعاة الأجل المحدد من طرف القاضي لتقديم مذكرات الرد يمكن اختتام التحقيق دون إشعار مسبق.

والقاضي المقرر حين يبلغ العريضة للمدعى عليه ويمنحه أجلا لإيداع مذكّرته يكون أمام أمرين: إما أن يتلقى مذكرة جوابية فيدرسها ويبلغها للمدعي ويقرر إن كان الرد كافيا؛ وبالتالي يعكف على استخلاص النتائج ووضع تصور للحلول وإعداد تقريره، وإما أن يقرر عدم كفاية الرد فيواصل اتصالاته بالأطراف من أجل المزيد من الاستقراء والبحث، وإما أن لا يتلقى هذه المذكرة الجوابية على الإطلاق؛ فهل يحكم لصالح المدعي؟ مع العلم أنه في حالة عدم مراعاة الأجل المحدّد من طرف القاضي لتقديم مذكرات الرد يمكن اختتام التحقيق دون إشعار مسبق (المادة 840 ق. إ.م.إ.)

لقد نصت المادة 849 قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه يجوز لرئيس تشكيلة الحكم أن يوجه إعذارا برسالة مضمنة مع الإشعار بالاستلام إلى الخصم الذي لم يحترم الأجل الممنوح له لتقديم مذكرة أو ملاحظات، كما يجوز منح أجل جديد وأخير في حالة القوة القاهرة أو الحادث الفجائي، كما نصت المادة 851 من نفس القانون على أنه إذا لم يقدم المدعى عليه -رغم إعذاره- أية مذكرة يعتبر قابلا بالوقائع الواردة في العريضة (المادة 851 ق. إ.م.إ.).

إن هذا النص يمثل حدا لتماطل الإدارة والذي يواجه بكثرة التأجيلات التي تؤثر سلبا على حقوق المدعي من جهة، وتتيح لها من جهة أخرى ترتيب المحيط الإداري على نحو يوحي بسلامة القرار المطعون فيه، والذي صدر في ظروف مغايرة.

غير أنه يجب الانتباه إلى أن الجزاء الذي رتبته المادة 851 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية هو اعتبار المدعى عليه – وهو الإدارة في دعوى الإلغاء- قابلا بالوقائع الواردة في العريضة؛ وبالتالي يفقد حقه في المنازعة في صحتها، وهذا لا يعني الحكم في جميع الحالات لصالح المدعي كما قد يتبادر للذهن، فعلى القاضي إذا اعتبار الوقائع المدعى بها ثابتة، ثم الفصل في الدعوى على أساس هذه الوقائع والتي قد لا تؤدّي قانونا إلى إجابة المدعي إلى طلباته .

ثالثا: تفادي التشديد في بعض الشروط الشكلية للعريضة.

ويتعلق الأمر بالشروط الشكلية التي لا تتعلق بالنظام العام والتي قد يؤدي عدم استيفائها إلى رفض الدعوى من قبل القاضي الإداري وبالتالي يحول دون بسط رقابته على عمل غير مشروع بسبب إهمال شكليات غير جوهرية.

وفي هذا الصدد نصت المادة 848 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على أنه: “عندما تكون العريضة مشوية بعيب يرتب عدم القبول، وتكون قابلة للتصحيح بعد فوات الأجل المنصوص عليه في المادة 829 أعلاه، لا يجوز للمحكمة الإدارية أن ترفض هذه الطلبات واثارة عدم القبول التلقائي، إلا بعد دعوة المعنيين إلى تصحيحها”.

وهو ما جاء في المادة (R.612-1 C.J.A.) من تقنين القضاء الإداري الفرنسي والتي جاء فيها:

« Lorsque des conclusions sont entachées d’une irrecevabilité susceptible d’être couvert après l’expiration du délai de recours, la juridiction ne peut les rejeter en relevant d’office cette irrecevabilité qu’auprès avoir invité leur auteur à les régulariser»

error: