االتزام قاضي الإلغاء بمبدأ الوجاهية

يعتبر مبدأ الوجاهية في الإجراءات Le caractère contradictoire من أهم ضمانات المحاكمة العادلة، ومبدأ من مبادئ العدالة التي نصت عليها اتفاقيات وعهود حقوق الإنسان والقوانين الإجرائية الداخلية لمختلف الدول. ولقد اعتبره مجلس الدولة الفرنسي من المبادئ العامة للقانون، بينما يعتبره البعض متعلقا بمظهر خاص لحقوق الأفاع. وهذا ما ذهب إليه المجلس الدستوري الفرنسي حين عده نتيجة طبيعية لهذا المبدأ الدستوري، في حين يصنفه بعض الفقه في عداد المقاييس العالمية المهيمنة والمسيطرة على الإجراءات.

وللأهمية التي يحظى بها هذا المبدأ وتعلقه بالنظام العام، فإنه فرض نفسه حتى في غياب النص عليه صراحة، ولكن تأكيدا عليه نص قانون الإجراءات المدنية والإدارية ضمن الأحكام التمهيدية، في مادته الثالثة على ما يلي: ” …يلتزم الخصوم والقاضي بمبدأ الوجاهية… “.

وتعني الوجاهية أن تسير كافة إجراءات الدعوى في مواجهة جميع الأطراف، كما أن القاضي لا يستطيع الفصل في الدعوى على أساس مستند لم يتيسر لأحد الطرفين الاطلاع عليها ومناقشته وتقديم الملاحظات بشأنه، فكل وثيقة أو دليل يقدمه أحد الأطراف يجب أن يتاح للطرف الآخر الاطلاع عليه ومناقشته (الفرع الأول).

ورغم أن هذا المبدأ مطبق بحزم أمام قاضي الإلغاء، غير أنه يمكن استثناءً الخروج عليه، أو التخفيف من الالتزام به؛ استنادا لاعتبارات تهدف إلى سرعة الفصل في الدعوى وتراعي الدور الإيجابي للقاضي الإداري في الدعوى، أو استنادا إلى اعتبارات تهدف إلى صيانة بعض الأسرار من الاطلاع عليها حماية المصلحة عامة أو خاصة (الفرع الثاني).

الفرع الأول: عناصر التزام قاضي الإلغاء باحترام مبدأ الوجاهية.

يعمل القاضي على توفير الوجاهية عن طريق ممارسة دوره الإيجابي في الإجراءات، ولقد نصت مواد قانون الإجراءات المدنية الجزائري على التزامات تقع على عاتق قاضي الإلغاء من أجل ضمان مبدأ المواجهة، وهي إخطار أصحاب الشأن بالإجراءات أولا، وتمكينهم من الاطلاع على جميع المستندات والوثائق ثانيا وتمكينهم من إبداء ملاحظاتهم الكتابية والشفوية بشأن المستندات والوثائق المودعة بالملف ثالثا.

أولا- إخطار ذوي الشأن بالإجراءات:

إن الإخطار حسب الفقيه DEBBASCH أهم ضمانة وحماية الأطراف الخصومة، فهو الذي يسمح لهم بتحضير دفاعهم، كما يوفر لهم بمقتضاه ضمانة حقوق الدفاع.

وعليه يلتزم المستشار المقرر بإخطار أصحاب الشأن بوجود الدعوى الفضائية سواء كانوا أطرافا أو مدخلين فيها، وينصرف التزام الإخطار الملقى على عاتق القاضي إلى جميع إجراءات الدعوى في جميع مراحلها، وكذلك إلى الأمر بوسائل الإثبات والنتائج التي توصلت إليها، كما يشمل الالتزام بالإخطار الوقائع الجديدة والعناصر المستجدة والمنتجة في الدعوى، ووسائل التحضير البسيطة. وإلى هذا أشارت المواد 842، 841، 840، 839، 838، 843، 875، 845 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري، والمواد R.611-1 C.J.A. و R.611-3 C.J.A. من قانون القضاء الإداري الفرنسي.

غير أن هذا الالتزام لا يشمل الوثائق غير المنتجة في الدعوى. ولا تلك الواردة بعد اختتام التحقيق؛ فلا إلزام بتبليغ المذكرات الواردة بعد اختتام التحقيق، ويصرف عنها النظر من طرف تشكيلة الحكم، وهذا ما نصت عليه المادة 854 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، وهو ما استقر عليه اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي أيضا.

ولا إلزام على القاضي بأن يتبع شكلا معينا أو طريقة معينة في الإخطار، بل يكون ذلك بأي طريق من طرق الإخطار إلا إذا وجد نص خاص، وفي هذا الصدد أوضحت المادة 838 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية أن التبليغ الرسمي لعريضة افتتاح الدعوى يكون عن طريق محضر قضائي، بينما تبلغ باقي المذكرات ومذكرات الرد مع الوثائق المرفقة بها إلى الخصوم عن طريق أمانة الضبط، وتحت إشراف القاضي المقرر الذي يعينه رئيس تشكيلة الحكم.

بينما نصت المادة 840 من نفس القانون أن كل الإجراءات المتخذة وتدابير التحقيق تبلغ إلى الخصوم برسالة مضمنة مع الإشعار بالاستلام أو عن طريق محضر قضائي عند الاقتضاء، وكذلك الأمر بالنسبة لطلبات التسوية والإعذارات وأوامر الاختتام، والإعلام بتاريخ الجلسة.

ويشار في تبليغ العرائض والمذكرات إلى أنه في حالة عدم مراعاة الأجل المحدد من طرف القاضي لتقديم مذكرات الرد يمكن اختتام التحقيق دون إشعار مسبق (المادة (840).

أما في فرنسا فإن التبليغ يكون بواسطة رسالة عادية إلا في حالة عريضة افتتاح الدعوى والمذكرة الجوابية وطلبات التصحيح والإنذارات وغيرها من الإجراءات التي نصت عليها المادة R.611-3 C.J.A. فإنها تكون عن طريق رسالة مضمونة مع الاشعار بالاستلام، كما يمكن أن يحصل التبليغ بالطريقة الإدارية مقابل إيصال أو ينظم محضر يشير إلى حصول التبليغ حسب نص المادة R.611-4 C.J.A.، ويتم التبليغ في هذه الطريقة بواسطة العمدة أو مفوض الشرطة أو الحارس البلدي، ونظرا لما تحمله هذه الطريقة من تعقيدات ، فإنه يتم اللجوء إليها في الحالة لاتي لا يفضي فيها التبليغ عن طريق البريد إلى أي نتيجة.

هذا وتفسح المادة 3-611.R المجال للتبليغ بطرق أخرى من بينها التبليغ الالكتروني.

وبالنظر إلى مكانة الإخطار كعنصر مهم من عناصر المواجهة المعترف لها بأنها من المبادئ العامة؛ فإنه يترتب على عدم إخطار أصحاب الشأن بما يلزم إخطارهم به إخطارا صحيحا بطلان الإجراءات.