استيثاق الدين بالرهن في الفقه الإسلامي

كم اعتاب قضية طلاق

المؤلف : أماني عبد القادر عبد الفتاح

استيثاق الدين بالرهن في الفقه الإسلامي

تأليف
دكتور/ أماني عبد القادر عبد الفتاح
مدرس الفقه
كلية الدراسات الإسلامية والعربية
جامعة الأزهر ـ فرع البنات بالقاهرة

المقــدمــة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
فلقد أتم الله علينا نعمه بإكمال هذا الدين حيث أرسل رسوله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
وأنزل سبحانه هذه الشريعة فجعلها واضحة كاملة لا يلحقها قصور ولا يشوبها نقص، فمن تمسك بها هدي إلى صراط مستقيم.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾( ).
أما بعد..
فالتشريع الإسلامي لا يفترض أن يكون الناس على وتيرة واحدة من حيث الإقدام عن القرض ومن حيث الوفاء لما عليهم من حقوق. فبعض الناس يتساهل في الحقوق عامة وفي شأن الدين خاصة، وهذه خصلة ذميمة جعلت كثير من الناس يحجمون عن بذل القروض والتوسعة على المحتاجين مما قد يلجأ المحتاج إلى الذهاب إلى البنوك الربوية والتعامل بما حرم الله؛ لأنه لا يجد من يقرضه قرضا حسنا( ).
وأيضًا قد لا يجد المقرض من يسدد له قرضه تسديدا حسنا حتى ضاع المعروف بين الناس.
فإذا كان بعض الناس يخاف الضياع على أمواله أو يخشى جحودها ويحجم عن مد يد العون للمحتاج ربما لو أعطى من الضمانات ما يحفظ عليه أمواله ويطمئنه إلى يسر استردادها لكان إقباله على فعل الخيرات شديدًا، وإسهامه في ميادين الإصلاح فعالا، ومن هنا لم يغفل الإسلام هذه الحقيقة الفطرية بل عمل على توفيتها حقها. فجعل للمحافظة على حقوق الدائنين ثلاث وسائل هي: الكتابة، والشهادة، والرهن.
وقد نص القرآن الكريم على هذه الوسائل، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلاَ تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ألاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾( ).
فيبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة من يقوم بإملاء الدين كما بين الشهادة ونصابها وواجب الشهود حينما يدعون لأداء الشهادة والحث على كتابة الدين مهما كان صغيرا.
وعن السفر وما يحتاجه الإنسان فيه من توثيق للدين بالرهن وغير ذلك من الإرشادات القرآنية التي لو اتبعها المسلمون ونفذوها بصدق وأمانة لما ضاع حق.
ومن هنا.. شرع الرهن حفظا للأموال وصيانتها من الضياع، فهو من أهم هذه الوسائل وأوقاها بغرض الاستيثاق والوفاء.
إن من واجب المسلم الامتثال للأمر والنهي؛ لأن هذا هو حق الله، والدنيا إذا كانت تساس بالدين فإن في ذلك صلاح الفرد والمجتمع.
سبب اختيار الموضوع:
ما ظهر في الآونة الأخيرة من الاعتداء على الأموال بشكل ملحوظ من قبل الذين يتعاطون القروض سواء من الأفراد أو الشركات أو البنوك، فإما أن يماطل المدين، وإما أن يجحد الدين، وإما إن يهرب به إلى بلد أخرى ( ) مما أدى إلى ضياع الحقوق على أربابها.
ومن هنا كان لابد من وقفة لأبين فيها حكم الله تعالى في كيفية استيثاق هذا الدين وحفظه لصاحبه من الجحود أو الضياع أو المماطلة.
يقول د. محمد جمال الدين عوض: الضمانات التي يقبلها البنك قد تكون ضمانا نقديا يقدمه العميل إلى البنك، وقد يكون رهنا من الدرجة الأولى على مال يملكه ولا يمكنه أن يقدمه إلى دائنة الذي يشترط كفالة مصرفية أو رهنا حيازيا على مستندات تكون في حيازة البنك أو ضمانا شخصيا.
ويلاحظ أن هذا الضمان الأخير يعتمد على شخصية المدير. ومعنى هذا أن التعامل مبنيا على الثقة المتبادلة بينهما فلا يحتاج البنك إلى ضمانات يقدمها العميل، وقد يكون معروفا ولكنه لا يثق به.
وبهذا يختلف حال البنك في طلب الضمان، فقد لا يطلب شيئًا أصلاً، وقد يطلب نقدًا، وقد يطلب رهنًا من الدرجة الأولى، أو رهنا حيازيًّا، أو ضمانا شخصيًّا.
ولا يخفى ما يترتب على هذا من الآثار السلبية من جحد الأموال وضياعها على أربابها.
فإذا ما التزمنا بقواعد الشريعة في حفظ الأموال وفي كيفية توثيقها لما أهدرت الأموال ولما تفشى هذا الوباء بالمجتمع.
ومن هنا قسمت هذا البحث إلى: مقدمة، وتمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة.
أما المقدمة: فتشتمل على أهمية الموضوع وسبب اختياره.
وأما التمهيد: ففي الاستيثاق وما يتعلق به من أحكام.
المبحث الأول: تعريف الرهن وحكمه.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الرهن وأدلة مشروعيته.
المطلب الثاني: حكم الرهن حضرًا وسفرًا.
المبحث الثاني: حكم قبض المرهون.
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: القبض في العقار والمنقول.
المطلب الثاني: التكييف الفقهي للقبض.
المبحث الثالث: الاستيثاق باستمرار القبض وضمان استيفاء الرهن.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اشتراط استدامة القبض.
المطلب الثاني: ضمان الرهن بعد القبض.
المطلب الثالث: استيفاء المرتهن حقه من الرهن.
وأما الخاتمة: فتشتمل على أهم النتائج والتوصيات.
أسأل الله العلي القدير أن يعينني على إتمام هذا البحث، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾.
دكتورة
أماني عبد القادر عبد الفتاح

التمهيد
الاستيثاق وما يتعلق به من أحكام
الاستيثاق: مصدر وثق، وهو إحكام الشيء وتثبيته.
يقال: وثق الشيء وثاقه، أي: قوي وثبت وصار محكما.
والوثيقة: ما يحكم به الأمر، وهي: الصك بالدين والمستند.
ومن طرق التوثيق: الكتابة، والإشهاد، والرهن، والضمان، والكفالة، وحق الحبس، والاحتباس. والموثق: هو من يوثق العقود.
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى( ).
وبهذا يتبين أن: الاستيثاق بالرهن من وسائل التوثيق، بل هو من أهمها، إذ هو المال الذي جعل وثيقة بالدين؛ ليستوفي الدائن من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾( ).
قال الإمام الجصاص: يعني والله أعلم: إذا عدمتم التوثق بالكتاب والأشهاد فالوثيقة برهان مقبوضة.
فأقام الرهن في باب التوثق في الحال التي لا يصل (الدائن) فيها إلى التوثيق بالكتاب والإشهاد مقامها ( ).
ذلك إن الرهن شرع للحاجة إلى استيثاق الدين عن الهلاك أو جحود الحق ونكرانه، فكان من حق المرتهن حبس العين التي ورد العقد عليها رهنا. إذ التوثيق إنما يحصل إذا كان يملك حبس العين فيحمل ذلك المدين على قضاء الدين.
حكم التوثيق:
توثيق التصرفات أمر مشروع لاحتياج الناس إليه في معاملاتهم خشية جحد الحقوق أو ضياعها.
والتوثيق قد يكون واجبا بالاتفاق كتوثيق النكاح فإن الإشهاد فيه واجب( ).
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي  قال: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل»( ).
وقد يكون مكروها أو حراما وذلك كالإشهاد على العطية للأولاد إن حصل فيها تفاوت( ).
عن النعمان بن بشير  أنه قال: تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي غمرة بنت رواحه: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ، فانطلق أبي إلى النبي  ليشهده على صدقتي، فقال : «أفعلت هذا بولدك كلهم؟» قال: لا، قال (): «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم»، فرجع أبي فرد تلك الصدقة.
وفي لفظ: قال (): «فلا تشهدني إذًا فإني لا أشهد على جور».
وفي لفظ: فأشهد على هذا غيري( ).
ومعنى هذا: أنه إذا كان التصرف صحيحا ومستوفيا لشروطه يكون توثيقه صحيح؛ لأن التوثيق يؤكد الحقوق لأصحابها، ويسهل لهم الوصول إليها عند التنازع والتجاحد.
وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾( ).
وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾( ).
قال الجصاص: يعني -والله أعلم- ما بينه من أحكام العقود الصحيحة والمداينات الثابتة الجائزة لكي يحصل لكل واحد من المتداينين ما قصد من تصحيح عقد المداينة ( ).
أما التصرفات الباطلة: فالأصل فيها أن الإقدام عليها حرام، ويأثم فاعلها؛ لارتكابه المعصية بمخالفته المشرع. وبالتالي يكون توثيق هذه التصرفات حراما، إذ وسيلة الشيء تأخذ حكمه، ثم إنه لا فائدة من توثيق التصرفات الباطلة؛ لأنها مفسوخة شرعا، ولا يترتب عليها آثارها كما تترتب على التصرفات الصحيحة ( ).
وعلى هذا “البيع الفاسد والقرض الفاسد إذا شرط فيه رهن فدفعه المشتري أو المقترض فإن الرهن يكون فاسدا، ويجب على المرتهن أن يرده للراهن؛ لأن مبني على البيع الفاسد، والمبني على الفاسد فاسد”( ).
ولهذا يبطل التوثيق في الحالات الآتية:
1- إذا كان التوثيق مخالفًا لأمر الشرع.
2- إذا كان التوثيق ضمن تصرف فاسد.
3- إذا ضاعت وثيقة الحق فصالح صاحبها ثم وجد الوثيقة بعد الصلح فلا مطالبة له.
4- إذا فقدت شروط الوثائق المعروفة عند الفقهاء، ففي الرهن مثلا يشترط أن يكون المرهون محلا قابلا للبيع وهو: أن يكون موجودا وقت العقد، وأن يكون مالاً مطلقًا مقومًا معلومًا مقدور التسليم، فلا يجوز رهن ما ليس بموجود، ولا يحتمل الوجود، ولا رهن المعيشة والدم، ولا رهن صيد الحرم والإحرام( ).
انتهاء التوثيق:
1- ينتهي التوثيق بانتهاء ما كان سببا له، فعل سبيل المثال: احتباس المبيع لأجل قبض الثمن ينتهي بأداء الثمن ويجب على البائع تسليم المبيع. احتباس المرهون ينقضي بأداء الدين ويجب فكاك الرهن وتسليمه للراهن… وهكذا كل من كان له حق الاحتباس لأجله( ).
2- وينتهي التوثيق بإبراء الدائن للمدين، وبالفسخ أو العزل في العقود الجائزة، أو ببيع الوثيقة كالمرهون يباع في الدين( ).
وأثر التوثيق في الرهن: هو صيانة الحقوق لأربابها، ولهذا منع تصرف الراهن في المرهون ببيع أو إجارة أو هبة، ويعتبر تصرفا باطلا؛ لأنه تصرف يبطل حق المرتهن من الوثيقة غير مبني على التغليب والسراية، فلم يصح بغير إذن المرتهن( ).
***

المبحث الأول
تعريف الرهن وحكمه
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الرهن وأدلة مشروعيته.
المطلب الثاني: حكم الرهن حضرا وسفرا.

المطلب الأول
تعريف الرهن وأدلة مشروعيته
المسألة الأولى
تعريف الرهن
الرهن لغة: من رهن الشيء رهونا أي: ثبت ودام. تقول: رهنته المتاع بالدين حبسته، فهو مرهون. فهو بمعنى: الدوام والاستمرار والاحتباس. ويجمع على: (رهن) و(رهان).
والرهن: مصدر سمي به الشيء المدفوع( ).
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾( ).
أما تعريفه اصطلاحا:
فقد عرفه فقهاء الحنفية ( ) بقولهم: «هو جعل الشيء محبوسا بحق يمكن استيفاؤه من المرهون كالديون».
أو هو: «عقد وثيقة بمال» ومعنى وثيقة أي: متوثق بها، فقد توثق الدين وصار مضمونا محكما بالعين المرهونة.
قال الزيلعي: وقوله: «كالدين» إشارة إلى أن الرهن لا يجوز إلا بالدين؛ لأنه هو الحق الممكن استيفاؤه من الرهن ( ).
وعرفه المالكية ( ) بأنه: بذل من له البيع رهن ما يباع أو غررا ولو اشترط في العقد وثيقة بحق.
أو بأنه: شيء متمول يؤخذ من مالكه توثقا به في دين لازم.
أما عند الشافعية ( ) فهو: جعل عين متمولة وثيقة بدين ليستوفى منها عند تعذر وفائه.
أما الحنابلة عرفوه بقولهم: المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استفاؤه ممن هو عليه.
الموازنة بين التعريفات( ):
إذا نظرنا إلى تعريف الفقهاء للرهن تبين لنا ما يلي:
إن الحنفية يرون أن المرهون يجب أن يبقى محبوسا تحت يد المرتهن ولا يستطيع الراهن أن يسترده ولو للانتفاع به حتى لو أذن له المرتهن بذلك.
أما المالكية فيرون اتساع دائرة الرهن، فكما يصح أن يكون المرهون عينا – وهو محل اتفاق بين الفقهاء- يصح عندهم أيضًا أن يكون المرهون دينا.
أما الشافعية والحنابلة فهم يرون أن المرهون له لا يكون إلا دينا، كما يتضح من خلال تعريف الفقهاء للرهن أن تعبيراتهم مختلفة، فقد عبر المالكية والشافعية والحنابلة «بالاستيثاق»، أما الحنفية فعبروا عنه «بالحبس».
وبهذا يتضح أن تعريف المالكية أوفى بالغرض الذي شرع من أجله الرهن وهو: «الاستيثاق»؛ لأنه يتيح الفرصة للراهن أن يرهن ما لا يستطيع بيعه من أجل أن يحصل على ما يحتاج إليه من قرض أو غيره، كما أن فيه اتساع لدائرة الرهن؛ لأن عندهم يصح أن يكون المرهون عينا، كما يصح أن يكون المرهون دينا، لذلك فهو يتسم بالتوسعة والمرونة مع الاستيثاق. والله تعالى أعلى وأعلم.
المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:
وهي أن المعنى اللغوي في الثبات، والدوام، واللزوم، والحبس، وهذا موجود في المعنى الاصطلاحي وذلك أن المرهون محبوس عن التصرف فيه حتى يستوفي المرتهن حقه.
ولكن المعنى الشرعي قيد بقيود تجعله أحض من المعنى اللغوي كما سبق في التعريفات الشرعية.
****

المسألة الثانية
أدلة مشروعية الرهن
الرهن مشروع بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾( ).
وجه الدلالة:
أن الكتابة والشهادة والرهن جاءت بصيغة الأمر ثم خفف الله هذا الأمر بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾( ).
وهذا معناه: أنه إذا كان المدين ثقة واطمئن الدائن إلى أمانته فأقرضه دون استيثاق أو طلب رهن فواجب على هذا المدين أن يقابل المعروف بمثله فيسارع إلى أداء الدين ( ).
وأما السنة:
1- ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي  اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد.
وفي لفظ آخر عنها رضي الله عنها: أن النبي  توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير ( ).
وجه الدلالة:
دل الحديث على مشروعية جواز الرهن لفعله . كما أنه يدل على أن ثمن الطعام كان دينا إلى أجل والنبي  أعطاه درعه رهنا حتى يوفيه أو يستوفى دينه منه ( ).
2- ما روي عن أبي هريرة  عن النبي  أنه كان يقول: «الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة» ( ).
وجه الدلالة:
أن إباحة الركوب والحلب للمرهون يدل على جواز الرهن وانتفاع المرتهن به.

أما الإجماع:
فقد أجمع المسلمون على أنه جائز غير واجب؛ لأنه وثيقة بالدين، ولأن الأمة الإسلامية تعاملت به من لدن عهد النبي  إلى يومنا هذا ولم ينكره أحد.
وأما المعقول:
فالرهن عقد وثيقة لجانب الاستيفاء فيعتبر بالوثيقة في جانب الوجوب، فكأن الرهن كفل الدين وذلك جائز.
وتوضيح ذلك:
أن للدين طرفان: طرف الوجوب في الذمة، والآخر: طرف استيفاء المال.
والرهن: الوثيقة التي تضمن الدين الواجب في الذمة إلى أن يستوفى المال فإن لم يستوفى من غيرها استوفى منها ( ).
وبهذا يتبين أن حكم الرهن جائز وليس واجبا بالاتفاق.
قال ابن قدامه: لا نعلم خلافا في ذلك؛ لأنه وثيقة بالدين فلم يجب كالضمان والكفالة، والأمر الوارد في الآية أمر إرشاد لا أمر إيجاب ( ).
دل على ذلك الكتاب والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ( ). وقال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾( ).
وأما المعقول: لأنه أمر بعد تعذر الكتابة والكتابة غير واجبة فكذلك بدلها ( ).
***

المطلب الثاني
حكم الرهن حضرا وسفرا

بعد أن ذكر الله تعالى ما ينبغي اتباعه بشأن حفظ الأموال عند التعامل فيها وأن الطريق إلى ذلك هو: الكتابة والإشهاد، ثم أعقب ذلك ببيان ما ينبغي اتباعه في حالة العذر الذي لا يتيسر فيها الكتابة والسهو، فقال تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾( )، حيث نبه الله سبحانه وتعالى على ذلك بحالة يكون العذر فيها أكثر وضوحا من غيرها وهي: حالة السفر التي هي مظنة عدم تيسير الكاتب الذي يدون الدين، كما أنها مظنة تعذر آلات الكتابة خصوصا إذا كان السفر سفر غزو أو حج مثلا.
يقول الإمام القرطبي:
“ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر قرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات اشتغال الناس وبالليل..”
وأيضًا.. فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن ( ).
ومعنى هذا أن الرهن يكون بدلا عن الكتابة إنما هو للتنبيه على كل عذر يماثلها، وليس المراد قصر الجواز على السفر فقط.
ومن هنا اتفق الفقهاء( ) على جواز الرهن في السفر حيث لا يوجد كاتب، إلا أنهم اختلفوا في حكمه في الحضر وفي السفر إذا وجد كاتب إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول:
لجمهور الفقهاء ( ) من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة حيث قالوا بجواز الرهن في الحضر وفي السفر مطلقا أي: سواء أكان مشترطا في العقد أم كان تطوعا، وسواء وجد كاتب في السفر أم لم يوجد.
القول الثاني:
لداود وبعض أهل الظاهر ومجاهد ( ).
حيث يرون عدم جوازه في الحضر مطلقا، وقالوا أيضًا: إنه يجوز في السفر حيث لا يوجد كاتب.
القول الثالث:
وهو قول ابن حزم ( ).
حيث يفرق بين ما إذا كان الرهن مشترطا في العقد فيقول بالمنع، وبين ما إذا كان غير مشترط في العقد بأن كان تطوعا فيقول بالجواز.
سبب الاختلاف( ).
إن جمهور الفقهاء يرون أن ذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب في الماضي غير متوافر في السفر غالبا، ولا يشترط عدم وجود الكاتب لثبوت جوازه في السنة مطلقا.
أما أصحاب الأقوال الأخرى فقد تمسكوا بظاهر الآية وهو: جواز الرهن في السفر حيث لا يوجد كاتب أو عدم جوازه في الحضر؛ لأن الآية نصت على جوازه في السفر فقط.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول القائلون بأن الرهن جائز مطلقا أي: في السفر والحضر، بالكتاب والسنة والقياس.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾( ).
وجه الدلالة:
إن الله تعالى بعد أن أرشد عباده إلى وسيلة حفظ الأموال أثناء التعامل فيها وذلك بالكتابة والإشهاد عقب ذلك بما ينبغي اتباعه في حفظ هذه الأموال في حالة تعذر الكتابة أو الإشهاد فنبه على حالات العذر بما يغلب فيه وجوده ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر يتعذر فيه الكاتب في الحضر ( ).
ثم إن الرهن شرع توثقه على الدين بدليل قوله تعالى بعد ذلك:
﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾( ).
ومعنى هذا.. أن أساس مشروعية الرهن الاستيثاق فيجوز كلما كانت هناك حاجة لذلك.
والتقييد بالسفر خرج مخرج الغالب؛ لأنه مظنة فقد الكاتب( ) فيكون المعنى على ما تقدم -والله أعلم-.
وإن كنتم أيها المتداينون على حال لا تستطيعون فيها التوثق بالكتابة وذلك مثل: حال السفر وفقد الكاتب، فالذي يستوثق به رهان مقبوضة.
وأما السنة:
1- ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي  اشترى طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد.
وفي لفظ: «توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير»( ).
2- عن أنس  قال: «ولقد رهن رسول الله  درعه بشعير» ومشيت إلى النبي  بخبز شعير وإهالة سنخة.. ولقد سمعته يقول: «ما أصبح لآل محمد  إلا صاع ولا أمسى وإنهم لتسعة أبيات»( ).
وفي رواية أخرى لأنس: «رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله».
وجه الدلالة من الحديثين:
أن الحديثين مع تعدد رواياتهما يدلان صراحة على أن النبي  قد رهن وأن الرهن كان بالمدينة (أي: حضرًا) كما هو معلوم( ).
وأما القياس:
فقالوا: إن الرهن كالضمان يجامع أن كلا منهما قد شرع للاستيثاق فكما أن الضمان يجوز حضرا فإن الرهن يكون مثله( ).
أدلة أصحاب القول الثاني:
القائلون بعدم جواز الرهن في الحضر، استدلوا بالكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾( ).
وجه الدلالة:
أن مشروعية الرهن قد علقت على السفر حيث لم يوجد كاتب فحيث يوجد الشرط يوجد المشروط، وحيث ينعدم الشرط ينعدم المشروط، وإلا لم يكن للتعليق عليه فائدة( ).
أدلة أصحاب القول الثالث:
الذين فرقوا بين اشتراط الرهن في العقد وبين عدم اشتراطه حيث استدلوا بالكتاب قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾( ).
وجه الدلالة:
استدل ابن حزم( ) بهذه الآية على أن:
أولا: إن الله سبحانه وتعالى قد شرع الرهن مشروطا بأربعة شروط وهي:
1- أن يكون في عقد مداينة التي هي: البيع، أو السلم، أو القرض، إذ المداينة لا تكون إلا في هذه العقود الثلاثة “إذا تداينتم”.
2- أن يكون الدين مؤجلا إلى أجل مسمى “إلى أجل مسمى”.
3- أن يكون العاقدان على سفر “وإن كنتم على سفر”.
4- أن لا يوجد كاتب “ولم تجدوا كاتبا”.
فهذه الشروط الأربعة قد نص القرآن الكريم عليها فوجب اعتبارها والعمل بمقتضاها، واشتراط الرهن في عقد لمداينة في الحضر مخالفة لما جاء في الكتاب الكريم فيكون مردودا لقوله  : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو شرط باطل وإن كان مائة شرط، من اشترط شرطا ليس في كتاب الله تعالى فليس له».
ثانيا: إنه إذ وقع الرهن تطوعا في الحضر فلا بأس به؛ لأنه في هذه الحالة يكون من التعاون على البر وحسن المعاملة التي يدخل تحت مدلول قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ( ).
ولأنه… فعل لم ينه الشارع بل هو داخل تحت ما أمر به كما علمت ( ).
المناقشة:
أولا: ناقش جمهور الفقهاء ( ) القائلون بجواز الرهن مطلقا (حضرا أم سفرا).
أدلة أصحاب القول الثاني القائلون بعدم جوازه إلا في السفر فقالوا: إن التقييد بالسفر لا مفهوم له إذ العمل بالمفهوم عند من يقول به مشروط بأن لا توجد للتقييد به فائدة أخرى سوى تخصيص المذكور بالحكم. وهنا ليس الأمر كذلك.
فإن فائدة التقييد هنا بيان الواقع أو ذكر الحالة الغالبة على حد ما هو معلوم في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾( ).
إذ أن الربيبة حرام سواء تربت في حجر زوج أمها أم تربت بعيدا عنه، ولكن التقييد خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.
ثانيا: ناقش الجمهور أيضًا استدلال ابن حزم فقالوا:
1- إن النص القرآني الكريم دل فيما دل عليه على جواز الرهن في حالات العذر، والعذر كما يكون في السفر يكون في الحضر -كما قال الإمام القرطبي-.
2- يؤيد هذا أن الشروط التي ورد ذكرها في عقد المداينة إنما جاء التعبير بما لفوائد أخرى غير نفي الحكم عما سوى المذكور.
ويتبين ذلك فيما يلي:
أ‌- أن القول بالشرط الأول وهو شرط المداينة قد ورد فيه حصر المداينة وأسبابها في البيع والسلم والقرض.. هذا الحصر ممنوع كما يوجد بسبب هذه الأمور فإنه يوجد بأسباب أخرى مثل – النكاح والخلع مثلا – ولهذا يقول الإمام القرطبي نقلا عن ابن عباس رضي الله عنهما:
“وقال ابن عباس هذه الآية (أي: آية المداينة) نزلت على السلم خاصة، ثم يعقب على قول ابن عباس بقوله: معناه أن سلم أهل المدينة كان سبب الآية ثم تتناول جميع المداينات إجماعا” ( ).
وما قاله الإمام القرطبي واضح غاية الوضوح إذ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعلى هذا يكون المعنى – والله أعلم- “إذا تداينتم” أي: إذا ثبت دين، أعم من أن يكون سبب ثبوته بيعا أو قرضا أو نكاحا أو خلعا.
ب‌- وأما الشرط الثاني: وهو أن يكون الدين مؤجلا فإنه لا ينفي أن يكون مشروعا في الدين في الحال؛ لأن الرهن قد شرع للتوثق، والحاجة إليه في الدين المؤجل أظهر منها في الدين الحال، وهذا لا يعني أن الدين الحال لا يحتاج فيه إلى التوثق ففيه أيضًا يحتاج إلى ذلك. فمع احتمال هلاك المدين أو فراره قبل أداء هذا الدين أو هلاك ماله أو إخفاقه وكل ذلك يمكن تجنبه بالرهن.
ومن هنا فالحاجة في الدين المؤجل أشد إلى الرهن منها في الدين الحال إذ أنه في الدين المؤجل لا يستطيع مطالبة المدين قبل حلول الأجل، فأما في الدين الحال فإن له ذلك.
ج – أما الشرط الثالث وهو: (السفر).
د- والشرط الرابع وهو: (عدم وجود الكاتب).
فقد خرجا مخرج الغالب؛ لأن السفر مظنة عدم وجود الكاتب خاصة إذا لاحظنا أن الكاتب لم يكن متيسرا في عهد التنزيل في حالتي: الحضر والسفر، وإن كان في حالة السفر أكثر ندرة.
الرأي الراجح:
يتبين من خلال آراء الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها أن رأي جمهور الفقهاء هو الأولى والأرجح لما يلي:
1- قوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة أو الاعتراض عليها.
2- أن الأخذ برأيهم فيه تيسير بالتعامل بالرهن.
3- أنه يحقق الاستيثاق في كل حالة من حالات العذر التي تتطلب ذلك.
4- أنه يساير روح التشريع الإسلامي ومبادئه السمحة السهلة.
والله تعالى أعلى وأعلم.
***

المبحث الثاني
حكم القبض المرهون
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: القبض في العقار والمنقول.
المطلب الثاني: التكييف الفقهي للقبض.

المطلب الأول
القبض( ) في العقار والمنقول
اتفق الفقهاء( ) على أن القبض في العقار هو عبارة عن التخلية بين المرهون والمرتهن وتمييزه عما عداه مع تمكين المرتهن من وضع اليد عليه؛ لأن القبض فيه لا يتصور إلا بذلك، أما القبض في المنقول فقد اختلف الفقهاء في كيفية القبض فيه إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: (للشافعية والحنابلة وبعض الظاهرية)( ).
حيث قالوا: إن قبض المنقول الذي رهن مكيلا أو موزونا أو معدودا لابد فيه من التقدير والنقل، فيكال المكيل، ويوزن الموزون، ويعد المعدود.
القول الثاني: (لأبي يوسف وابن حزم)( ).
حيث قالوا: إن قبض المنقول يكتفى فيه بالنقل، ولا تكفي التخلية وحدها، ويستوي في ذلك ما يحتاج إلى تقدير وما لا يحتاج إلى ذلك.
القول الثالث: وهو قول الحنفية( ) في ظاهر الرواية.
حيث قالوا: إن قبض المنقول يكتفى فيه بالتخلية مثل: العقار.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول القائلون بوجوب التقدير والنقل بالسنة:
1- ما روي عن جابر  قال: “نهى رسول الله  عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشترى” ( ).
2- قوله : «من اشترى طعاما فلا يبيعه حتى يكتاله»( ).
3- ما روي أن حكيم بن حزام وعثمان النهدي كانا يبتاعان التمر ويخلطانه في غرائرهم ويبيعانه بذلك الكيل فنهاهما النبي  أن يبيعا حتى يكيلاه لمن ابتاعه منهما ( ).
وجه الدلالة من الأحاديث:
إن هذه الأحاديث متضافرة وظاهرة الدلالة على عدم جواز البيع ما لم يتم القبض في المكيل حتى يكال مرة أخرى، وليس المراد خصوص المكيل بل يعم كل ما يحتاج إلى تقدير من وزن أو غيره وهذا ما فهمه ابن عباس رضي الله عنهما من قول الرسول .
واستدل أصحاب القول الثاني القائلون بأنه يكتفى بالنقل ولا تكفي التخلية وحدها بالسنة:
1- ما روي عن زيد بن ثابت  أن النبي  نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم ( ).
2- ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانوا يبتاعون جزافا بأعلى السوق، فنهاهم رسول الله  أن يبيعوه حتى ينقلوه ( ).
وجه الدلالة:
إن الحديثان يدلان على أنه لا يجوز للمشترى أن يبيع السلعة التي اشتراها قبل قبضًا بنقلها وحيازتها في رحله.
واستدل أصحاب القول الثالث القائلون بأن قبض المنقول يكتفى فيه بالتخلية مثل: العقار بالمعقول( ) وهو: أن التخلية وحدها من غير نقل أو تحويل للمنقول تعتبر قبضا في الشرع وفي العرف.
فأما اعتبارها في الشرع: فلأنها تعتبر قبضا في باب البيع بالإجماع فوجب اعتبارها كذلك في الرهن.
وأما اعتبارها قبضا في العرف: فلأنها تطلق على ما لا يحتمل النقل والتحويل من العقارات وغيرها.
فإذا قيل مثلا أن هذه القرية، وهذه الدار في يد فلان فلا يفهم من هذا سوى التمكن من التصرف وهو يكتفي بالتخلية.
وإذا اكتفى بإطلاق القبض على التخلية في العقار لزم إطلاقه على التخلية في المنقول حذرا من الاشتراك لو قصر القبض على المنقول بغير ذلك؛ لأن الاشتراك خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا لضرورة ولا ضرورة هنا.
المناقشة ( ):
ناقش أصحاب القول الأول أدلة أصحاب القول الثاني الذين قالوا: إن قبض المنقول يكتفى فيه بالنقل بأن استدلالهم محل نظر؛ لأن رسول الله  قد نهى عن بيع الطعام قبل أن يقبضه بكيل المكيل، ووزن الموزون، وتقدير ما يحتاج إلى تقدير، كما يشير إلى ذلك قوله  : «من اشترى طعاما فلا يبيعه حتى يكتاله».
وهذا ليس مخصصا بالطعام فحسب وإنما هو بمثابة البيان لما يتحقق به القبض وأنه في كل شيء بحسبه وأنه لا يكتفى فيه بمجرد النقل جزافا، إذ لو اكتفى فيه بذلك لما امتنع بيعه.
كما ناقشوا أدلة أصحاب القول الثالث الذين قالوا: إنه يكتفى بالتخلية بما يلي:
أولا: استدلالهم بأن الشرع قد اعتبر التخلية قبضا في باب البيع فيجب اعتبارها هنا.
إن هذا الاحتجاج يمكن أن يحتج به لـ”أبي يوسف” إذ أنه أحد أئمة الفقه الحنفي وله أن يسلم لأقرانه من أئمة مذهبه أو يعارضهم، إلا أنه لا يلزم أصحاب المذاهب الأخرى الذين يقولون: إن القبض في البيع لا يكتفى فيه بالتخلية، بل لابد فيه من النقل، فلا يحتج عليهم بما يمكن أن يلزم أبا يوسف.
وإما أن التخلية قبض في العرف فإنه لا يقبل؛ لأنه في غير محل النزاع إذ أنه لا نزاع بين الفقهاء في أن التخلية في العقار تعتبر قبضا عرفا وليست كذلك في المنقول.
ثانيا: قولهم: بأنه يلزم جعل التخلية قبضا في المنقول فرار من الاشتراك الذي هو خلاف الأصل.
إن هذا القول لا يقبل أيضًا؛ لأن هذا المحذور يوجد لو لم يقم الدليل على اعتبار النقل والتحويل بل والتقدير فيما يحتاج إلى تقدير، أما وقد وجد الدليل على اعتبار ذلك فلا محذور وهذا الدليل هو ما سبق أن ذكره أصحاب المذاهب الأخرى.
هذا وقد ناقش أصحاب القول الثاني أدلة أصحاب القول الثالث بما يلي:
إن القبض الحقيقي لا يتحقق إلا بالنقل، أما التخلية فالذي يتحقق بها القبض الحكمي، فلا يكتفى فيه. ثم إن قبض المرهون يترتب عليه إنشاء ضمان على المرتهن لم يكن ثابتا قبل العقد فلابد فيه من تمام النقل بالقبض ليحدث الضمان.
وبعد، فقد تبين من المناقشات السابقة أن الشافعية والحنابلة متفقون مع أبي يوسف في المراد بالقبض وهو القبض المعهود في البيع، فقبض الرهن كقبض البيع.
فإن كان عقارا أو مما لا ينقل كالأرض والدار يكون قبضه بالتخلية.
وإن كان منقولا فيكون قبضه بنقله أي: أخذه من راهنه فعلا.
الرأي الراجح:
بالنظر في أدلة أصحاب الأقوال المختلفة والمناقشات التي وردت عليها أمكن القول بأن الرأي الأول القائل بأن قبض المنقول الذي رهن مكيلا أو موزونا لابد فيه من التقدير والنقل هو الأولى والأرجح لما يلي:
1- أن فيه إعمالا للأدلة كلها؛ لأن قولهم يتفق مع أصحاب القول بالتخلية ويحقق في الوقت نفسه قول الذين قالوا بالنقل والتحويل في الجملة كما يحقق قولهم بالتقدير، وهذا واضح لا خفاء فيه.
ولا شك أن إعمال الأدلة كلها أولى من إهمالها أو إهمال بعضها كما جاء في القاعدة الفقهية:
“إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما”.
والله تعالى أعلى وأعلم.
***

المطلب الثاني
التكييف الفقهي للقبض

اتفق الفقهاء( ) على أن القبض شرط في الرهن واستندوا في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾.
إلا أنهم اختلفوا في التكييف الفقهي للقبض أي: تحديد نوع الشرط. هل هو شرط لصحته أم للزومه أم لكماله؟
إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: وهو قول (بعض الحنفية والشافعية والرواية الراجحة للحنابلة) ( ) حيث قالوا: إن القبض شرط للزوم عقد الرهن من قبل الراهن، أما قبله فإن العقد يكون صحيحا ولكنه غير لازم بمعنى: أنه يجوز الرجوع فيه.
القول الثاني: (لجمهور الحنفية وابن حزم)( ).
حيث قالوا: إن القبض شرط لصحة الرهن، فما لم يقبض لا يكون العقد صحيحا ولا تترتب عليه آثاره.
القول الثالث: (للمالكية ورواية للحنابلة)( ).
حيث قالوا: إن الرهن صحيح بمجرد العقد، وأما القبض فهو شرط لكماله. ويجبر الراهن على التسليم عند المالكية وبناء على هذا فإنه لو أفلس الراهن قبل القبض كان المرتهن وباقي الغرماء سواء، وليس له حق التقدم عليهم.
سبب الاختلاف( ):
اختلافهم في تحديد نوع الشرط هل هو شرط لزوم أو شرط تمام؟ وفائدة الفرق أن من قال: شرط لزوم قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الراهن بالرهن وله أن يرجع عن العقد.
ومن قال: شرط تمام، قال: يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على الإقباض إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة حتى يفلس الراهن أو يمرض أو يموت.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول القائلين بأن القبض شرط للزوم من قبل الراهن بالكتاب والمعقول.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾( ).
وجه الدلالة:
أن الله تعالى قد وصف الرهان بكونها مقبوضة وهذا يدل على صحة العقد قبل القبض وعلى أنه لا يلزم إلا بالقبض.
فأما دلالته على صحة العقد قبل القبض فلأن الله سبحانه وتعالى سمى الأعيان المطلقة رهانا. وهذه التسمية الشرعية تدل على صحة العقد قبل القبض؛ لأنه لو لم يكن صحيحا ما أطلق عليه هذا الاسم.
وأما دلالته على عدم لزومه قبل القبض وعلى لزومه بعده أنه لو كان لازما قبل القبض لما كان للتقييد فائدة( ).
وأما المعقول( ).
فقالوا: إن الرهن عقد تبرع يحتاج إلى القبول فيصح قبل القبض ولا يلزم إلا به قياسا على الهبة والقرض.
واستدل أصحاب القول الثاني القائلون بأن القبض شرط لصحة الرهن وجوازه بالكتاب والمعقول.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾( ).
وجه الدلالة:
أولا: أن قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ معطوف على ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾( ).
فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة المشروطة للشهود واجبا، وجب أن يكون حكم المعطوف كذلك فيما شرط له من الصفة فلا يصح إلا بها.
وعلى ذلك فإنه… كما لا تصح الشهادة إلا بما ذكر لها من عدد وشهود فإنه لا يصح الرهن إلا بالقبض؛ لأن الخطاب قد توجه ابتداء لهذه الأمور بصيغة الأمر المقتضي للإيجاب ( ).
ثانيا: أن الله سبحانه وتعالى وصف الرهن بصفة القبض، ومقتضى هذا أن أي رهن لا يكون مشروعا إلا بهذه الصفة فيكون القبض شرط صحته فيه.
ثالثا: أن وقوع الحصر مقرونا بالفاء في موقع الجزاء يراد به الأمر كما في قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي: فليصم.
وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ أي: فليحرر.
فيكون تقديره – والله أعلم -: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فارهنوا وارتهنوا( ).
رابعا: أنه لما كان الأمر حقيقة في الوجوب إلا أنه مصروف عن معناه الحقيقي الذي هو الوجوب – إي: الإباحة – للإجماع على عدم وجوبه على الرهن وعدم وجوب قبوله من المرتهن وجب أن ينصرف الوجوب إلى شرطه – وهو: القبض- كما في قوله : “الحنطة بالحنطة مثلا بمثل” أي: بيعوا الحنطة… إلخ الحديث.
إلا أن البيع ليس واجبا فانصرف الوجوب إلى شرطه وهو المماثلة في الأموال الربوية فكذا يكون هنا( ).
وأما المعقول: فقالوا:
1- إن عقد الرهن عقد تبرع؛ لأن الإنسان لا يجبر عليه، فلا يتعلق به الاستحقاق إلا لمعنى آخر ينضم إليه وهو: القبض كما في الوصية، فلا يصح الرهن غير مقبوض( ).
ألا ترى أنه لو مات الراهن قبل القبض فإن الورثة لا يجبرون على القبض، ولو كان الاستحقاق متعلقا بالعقد نفسه مجردا عن انضمام شيء آخر له للزوم الورثة الإقباض كالبيع( ).
2- إنه من ناحية المعنى الذي شرع لأجله الرهن وهو الاستيثاق فإن هذا المعنى لا يتحقق إلا بالقبض ولو صح غير مقبوض لفات غرض الاستيثاق ولكان المرتهن هو وسائر الغرماء سواء. وقد جعل الرهن وثيقة؛ ليكون حبوسا في يده بدينه فيكون ند الموت أو الإفلاس أو الاستحقاق أحق به من سائر الدائنين، فأما إذا لم يكن مقبوضا فإن هذه الغاية من تشريع الرهن لا تتحقق إذ يكون المرتهن وسائر الغرماء سواء.
ونظير ذلك.. المبيع فإنه يكون محبوسا بالثمن ما دام في يد البائع وهو أحق به، فإن سلمه إلى المشترى سقط حقه في التقدم وأصبح هو وسائر الغرماء سواء( ).
وأرى – والله أعلم – أن هذا القول هو الأولى بالقبول والترجيح إذ أنه يحقق الغاية التي شرع من أجلها الرهن وهو الاستيثاق.
واستدل أصحاب القول الثالث الذين قالوا بأن القبض شرط كمال ويجبر الراهن على التسليم بالكتاب والمعقول:
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾( ).
وجه الدلالة:
استدلوا بالآية من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى أثبت رهان قبل القبض وقد جعل القبض وصفا للرهن، والأصل: أن الوصف قيد لموصوف خارج عن حقيقته الشرعية، وعلى هذا يكون اسم الرهن ثابتا شرعا للأعيان التي ورد عليها العقد بدون القبض فيكون مجرد العقد قبل القبض شرعا لا يجابه التسمية الشرعية.
وإذا تحقق الرهن قبل القبض فإن وجوب القبض واجب لتمام العقد بدليل آخر وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾( ).
وقوله  : «المسلمون عند شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما»( ).
والثاني: أن قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ ليس خبرا؛ لأنه لو كان خبرا لوجب صدقه؛ لأنه خبر الله تعالى، والواقع ليس كذلك، فوجب صرفه إلى الأمر صيانة لكلام الله تعالى فيكون المعنى: فارهنوا، واقبضوا، إلا أن الإجماع قد صرف الأمر عن الوجوب إلى الجواز بالنسبة للرهن. أما الأمر بالإقباض فبقي على حقيقته وهي: الوجوب.
فكان الإقباض واجبا على كل راهن وجوبا تكليفيا بمعنى: إن الراهن يكون آثما بترك الإقباض. ولذا قلنا بأنه يجبر على التسليم أي: يجبره الحاكم عليه( ).
وأما المعقول: فمن وجهين:
فقالوا:
أولا: أن الرهن وثيقة بالدين فيلزم بالقبول مثل الكفالة والحوالة ولأنه كالبيع والإجارة ومن ثم فلا يتوقف لزومه على القبض مثلهما.
ثانيا: أن عقد الرهن لو لم يكن صحيحا قبل القبض لبطل بزوال الأهلية بين العقد والقبض، لكنه لا يبطل بذلك بدليل أنه لو جن الراهن أو أغمي عليه ثم أفاق فسلم المرهون صح تسليمه إياه( ).
***

المبحث الثالث
الاستيثاق باستمرار القبض
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: اشتراط استدامة القبض.
المطلب الثاني: ضمان الرهن بعد القبض.
المطلب الثالث: استيفاء المرتهن حقه من الرهن.

المطلب الأول
اشتراط استدامة القبض
بينت فيما سبق أن القبض شرط في الرهن ولكن هل يجب استمرار المرهون تحت يد المرتهن أم أن ذلك غير واجب بل يكتفى فيه الابتداء ولا يشترط فيه الدوام؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: (للحنفية والمالكية وجمهور الحنابلة وابن حزم)( ).
حيث قالوا: إن الاستيثاق في الرهن يقتضي أن يظل المرهون دائم الحبس تحت يد المرتهن أو من يقوم مقامه إلى أن يستوفى دينه، فلا يملك الراهن استرداده لينتفع به( ).
القول الثاني: (للشافعية ورواية عن الإمام أحمد والظاهرية)( ).
حيث قالوا: إن استدامة القبض ليست بشرط في صحة الرهن ولا لزومه.
ومعنى هذا أنه بعد القبض فللراهن أن يسترد العين المرهونة للانتفاع بها على وجه لا يخرجها عن ملكه سواء أذن المرتهن في ذلك أم لم يأذن، وهذا مشروط بتعذر الانتفاع بدون استرداد فإذا أمكن الانتفاع بدون استرداد فليس له ذلك.
قال الربيع بن سليمان نقلا عن الشافعي: “إذا قبض الرهن مرة واحدة فقد تم وصار المرتهن أولى به من غرماء الراهن ولم يكن للراهن إخراجه من الرهن حتى يبرأ مما في الرهن من الحق… ومضى إلى أن قال: وسواء إذا قبض المرتهن الرهن مرة ورده”( ).
سبب الخلاف:
وهو هل يتحقق الغرض من الرهن الذي هو الاستيثاق بتعلق الدين المرهون بالعين المرهونة بحيث يستطيع أن يستوفى منها عند تعذر الاستيفاء أم أنه لابد من أجل ذلك من احتباس الرهن وإثبات اليد عليه؟
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول الذين قالوا: باستمرار القبض بالكتاب والمعقول.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾.
وجه الدلالة:
يستدل بهذه الآية من وجهين( ):
أحدهما: أنه إذا خرج عن يد القابضة لم يصدق عليه ذلك اللفظ لغة فلا يصدق عليه حكما.
والثاني: أنها إحدى حالتي الرهن فكان القبض فيها شرطا كالابتداء؛ لأن الله سبحانه قد شرط فيه القبض إذ الوصف يجري مجرى الشرط، ومعلوم أنه يلزم من انعدام الشرط انعدام المشروط، فلا يبقى رهنا ولا يستحق بيعه عند الأجل.
وأما المعقول( ):
فلأن الرهن شرع ليكون وثيقة بالدين وكونه كذلك لا يتأتى إلا بحبس العين المرهونة تحت يد المرتهن حبسا لا يتمكن الراهن بمقتضاه من استرداد العين المرهونة بغير إذن المرتهن، وهذا ليكون عاجزا عن الانتفاع به فيسارع إلى قضاء الدين لحاجته إلى العين المرهونة أو لضجره من عدم قدرته على الانتفاع بها، واللغة والشرع يؤيدان ذلك:
أما اللغة: فقد قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾( )، أي: محبوسة بوبال ما اكتسبت من المعاصي.
وأما الشرع: فإن الأحكام الشرعية تنعطف على وفق المعاني اللغوية فيكون المعنى اللغوي للرهن ملاحظا في معناه الشرعي وهو: دوام الحبس.
واستدل أصحاب القول الثاني (الذين قالوا بأن استدامة القبض ليست بشرط) بالكتاب والسنة والقياس والمعقول:
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾.
وجه الدلال:
أن الرهن إذا وجد مرة فقد صح ولزم فلا يحل ذلك إعارته وغير ذلك من التصرف فيه.
وأما السنة:
1- ما روي من أنه  قال: «لبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا، والظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة»( ).
وجه الدلالة:
أنه  جعل ركوب الظهر وشرب اللبن في مقابل النفقة، ولما كانت النفقة واجبة على الراهن بالإجماع كان المنتفع بالركوب هو: الراهن، إذ أنه المنفق، ومن استيفاء هذا الحق كان له استرداد حقه كما سبق، والقول باستمرار قبض المرتهن يعطل استيفاء هذا الحق فلا يكون واجبا.
2- ما روي عن أبي هريرة  قال: “لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه”( ).
وجه الدلالة:
أنه إذا ثبت أن للراهن غنم الرهن – بنص الحديث – كانت له منافعه؛ لأنها من الغنم، فيكون له أن يستوفيها وهذا يقتضي استرداده له عند تعذر استيفاء هذه المنافع بدون ذلك.
ومعنى ذلك أن استمرار القبض ليس بواجب؛ لأنه يتعارض مع هذا الحق( ).
وأما القياس:
فقياسه على البيع والهبة حكما يكون البيع مضمونا من البائع، فإذا قبضه المشتري مرة صار في ضمانه، فإن رده إلى البائع بإجارة أو وديعة فهو من مال المبتاع ولا ينفسخ ضمانه بما ذكر فكذلك الرهن، وكما تكون الهبات وما في معناها غير تامة فإذا قبضها المرهون له مرة ثم أعارها إلى الواهب أو إكراها منه أو من غيره لم يخرجها عن الهبة.
وأما المعقول( ):
فقالوا: إن المرتهن لا يملك الانتفاع بالمرهون اتفاقا في الجملة. ولو قلنا أن الراهن هو الآخر لا يستطيع الانتفاع به كذلك لكان فيه تعطيلا لمنفعة العين المرهونة وإضاعة المال – وقد نهينا عن إضاعة المال – وخروجا من هذا فإنه يكون للراهن حق الانتفاع بماله ولا يملك المرتهن أن يمنعه من ذلك.
المناقشة( ):
ناقش أصحاب القول الثاني (القائلون بعدم اشتراط استدامة القبض) أدلة أصحاب القول الأول (القائلون باشتراط استدامته) بما يلي:
قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾.
قالوا: إن وجه الاستدلال من النص الكريم لا يفيد أكثر من وجوب القبض للمرهون في الابتداء.
وهو محل اتفاق بين الجميع في الجملة.
فأما استمرار القبض الذي هو محل النزاع فليس في النص الكريم ما يدل عليه.
الجواب عن ذلك( ):
يجاب عن هذا الاعتراض بأن القبض حيث كان شرطا في الابتداء فإنه يكون شرطا في الدوام والاستمرار؛ لأن الأصل إن كان شرطا في الابتداء يظل شرطا في الدوام وذلك مثل: الطهارة بالنسبة للصلاة، وزوال المحرمية بالنسبة لمحل النكاح، فيكون الأمر كذلك هنا.
وناقش أصحاب القول الأول أدلة أصحاب القول الثاني على ما يلي:
أولا: اعتراض على وجه الاستدلال من الحديث الأول بأنه ليس المراد من الحديث جواز الانتفاع بالرهن إذ لو كان المراد بيان ذلك لما جعله في مقابل النفقة؛ لأن انتفاع الراهن بالمرهون إنما هو بحق الملك لا بطريق المعارضة بين الانتفاع والنفقة.
إنما المراد: بيان حل انتفاع المرتهن بالركوب والشرب في مقابلة النفقة.
ويؤيد هذا ما جاء في بعض الروايات بلفظ: «إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته»( )، وعلى ذلك: فالحديث ليس فيه دلالة لكم.
ثانيا: اعترض على وجه الاستدلال من الحديث الثاني بما يلي:
أن الحديث جاء من أجل تحريم ما كان عليه العرب في الجاهلية من الاستيلاء الكلي على المرهون وتملكه إذا لم يف الراهن في الأجل المضروب، فأبطل الرسول  هذه العادة وأكد ذلك بما جاء في الحديث ويكون معناه: أن الرهن يبقى على ملك الراهن وأثر هذه الملكة أن له زوائده التي تنتج منه وعليه نقصانه.
وهذا لا يمنع من حبسه حبسا مؤقتا لأجل حمله على الوفاء بإسراعه به أو يكون معنى قوله : «له غنمه وعليه غرمه» أنه إذا بيع الرهن بالدين وزاد ثمنه فالزيادة له، وإن نقص عنه فالنقصان عليه.
ثالثا: أما قياسه على البيع فقياس مع الفارق فإن عقد البيع المستوفى للأمور المشروعة لتحقيقه وانتفاء موانعه ينفك فيه الملك من البائع إلى المشتري نقلا مطلقا، فتكون ذمة البائع مفرغة من تملك هذا البيع، وتكون ذمة المشتري مشغولة بتملكه، فإذا أعاده إلى البائع أو غيره بعارية أو إجارة ونحو ذلك فهذه الإعارة عقد جديد لا صلة له بالعقد الأول، وهذا بخلاف الرهن فإن ملكية الراهن لم تزل عنه، وإنما انتقل إلى المرتهن على جهة الرقابة؛ لأجل حفظ حقه. فإذا رجع إليه اختيارا من المرتهن فقد رجع إلى من يملكه.
وأما قياسه على الهبة: فهو قياس مع الفارق أيضًا وبيانه أن القبض في ابتدائها بتثبيت الملك، فإذا أثبت استغنى عن القبض ثانيا. والراهن يراد للوثيقة ليتمكن من بيعه واستيفاء دينه من ثمنه، فإذا لم يكن في يده لم يتمكن من بيعه ولم تحصل وثيقة.
وأما استدلالهم بالمعقول فإن دعوى إضاعة المال وتعطيل المنافع يمكن تلافيها.
الرأي الراجح:
يتبين بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشة ما ورد عليها أن القول الأول هو الأولى والأرجح لما يلي:
1- قوة أدلتهم.
2- رد ما ورد عليها من اعتراض.
3- أن المقصود من الرهن هو الاستحقاق، وهو لا يحصل إلا بشرط استمرار القبض واستدامته.
والله تعالى أعلى وأعلم.
***

المطلب الثاني
ضمان الرهن بعد القبض
اتفق الفقهاء( ) على أن كل مقبوض في يد قابضه إذا هلك أو نقص بتعد فإنه يكون مضمونا عليه.
ولكنهم اختلفوا فيما إذا هلك الرهن من غير تقصير ولا تعد من المرتهن إلى ثلاثة أقوال:
القول الأول: (للشافعية والحنابلة والظاهرية)( ).
حيث قالوا: إن يد المرتهن يد أمانة مطلقا فيما يغاب عليه وفيما لا يغاب عليه (أ ي: فيما يمكن إخفاؤه وكتمه أو لا).
ومعناه: أن الرهن إذا هلك بنفسه فلا يضمنه المرتهن.
القول الثاني: (للحنفية وعلي بن أبي طالب وعطاء وإسحاق)( ).
حيث قالوا: إن يد المرتهن يد ضمانة مطلقا.
القول الثالث: (للإمام مالك والأوزعي وعثمان البتي)( ).
حث قالوا: إن يد المرتهن يد ضمان إذا كان المرهون مما يغاب عليه، وأنه غير مضمون عليه إذا كان مما لا يغاب عليه، فلا يسقط شيء من الدين في مقابله وكان هلاك المرهون من صاحبه.
سبب الاختلاف( ):
هو مفهوم الرهن ومن الغاية التي يحققها.
فمن يرى أن الدين قد تعلق بالعين المرهونة من أجل الاستيفاء من هذه العين بالبيع عند تعذر الاستيفاء قال: إن يد المرتهن على العين المرهونة يد أمانة، فإذا تلفت بنفسها تلفت على الراهن ويبقى حق المرتهن بحاله.
ومن يرى أن الرهن محتبس بالدين وأن يد الاستيفاء عليه ثابتة قال: إن يد المرتهن على العين المرهونة يد ضمان، فإذا هلكت كانت مضمونة على المرتهن (وإن اختلفوا فيما بينهم في كيفية الضمان).
أما من يفرق بين ما يغاب عليه ويمكن إخفاءه كالثوب والقرط، وبين ما لا يغاب عليه ولا يمكن إخفاءه كالعقار والحيوان، فقال: إن يد المرتهن يد ضمان فيما يمكن إخفاؤه، ويد أمانة فيما لا يمكن إخفاؤه.
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول على أن الرهن أمانة مطلقا بالسنة والمعقول.
أما السنة:
ما رواه الإمام الشافعي  حيث قال: أخبرنا ابن أبي فديك عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله  قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه»( ).
وجه الدلالة:
أن رسول الله  جعل غرم الرهن على الراهن وإنما يكون غرمه عليه إذا هلك أمانة، أما إذا هلك مضمونا فإن غرمه على المرتهن، وقد أكد النبي  ذلك بقوله: «له غنمه وعليه غرمه» أي: فله زوائده، وعليه عطبه ونقصانه( ).
وأما المعقول: فمن وجهين:
أحدهما: أن الرهن إذا كان وثيقة بالدين فلا يسقط الدين أو شيء منه بهلاكه اعتبارا بهلاك الصك والشهود؛ لأن الوثيقة يراد بها معنى الصيانة، وسقوط الدين إذا هلك الرهن يتنافى مع هذه الصيانة؛ لأن الحق يصير عرضة للهلاك وهو ضد الصيانة فصار أمانة بالضرورة( ).
ومعنى هذا أن عقد الرهن شرع وثيقة بالدين، ولو سقط الدين بهلاك المرهون لكان ترهينا لا توثيقا.
وثانيهما: أن وجود الرهن في يد المرتهن حدث برضا الراهن فكان بسبب الرضا أمينا كالوديع بالنسبة للمودع.
واستدل أصحاب القول الثاني القائلون بالضمان مطلقا بالسنة والإجماع والقياس.
أما السنة:
1- ما روي أن رجلا رهن فرسا فنفق – مات – في يده فاختصما إلى النبي  فقال للمرتهن: “ذهب حقك”( ).
وجه الدلالة:
أن النبي  أخبر المرتهن بذهاب حقه ( ).
قال صاحب العناية ( ) مؤيدا أن المقصود من الحديث ذهاب حقه في الدين بقوله: “ولأنه ذكر الحق في أول الحديث -منكرا ثم أعاده معرفا- وعلى ذلك فإن الحق الثاني يكون عين حق الأول استنادا إلى القاعدة التي تقول: أن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، أما إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى”.
ومثال الأول:
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً﴾( ). ومن هنا قيل: (لن يغلب عسر يسرين).
وعلى هذا يكون الحق الأول – الذي هو الدين- هو عين الحق الثاني الذي أخبر عنه الرسول  بالذهاب وهو المطلوب.
2- قوله : «الرهن بما فيه»( ).
وفي رواية: «إذا عمي الرهن فهو بما فيه».
وجه الدلالة:
أنه  بين أنه إذا اشتبهت قيمة الرهن بعد هلاكه بأن قال الراهن أو المرتهن: لا أدرى كم كانت قيمته؟ فإن الرهن يضمن بما فيه من الدين( ).
وأما الإجماع:
فإن القول بالضمان قد روي عن الصحابة كأبي بكر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود وغيرهم من غير أن يكون لهم مخالف فيكون إجماعا ( ).
وأما القياس:
فلأن الدين كأرش جناية العبد بجامع أن كلا منهما حق تعلق بعين، فكما أن أرش جناية العبد يسقط بتلف العبد فكذلك الدين يسقط إذا تلف المرهون قياسًا عليه.
واستدل أصحاب القول الثالث الذين يفرقون بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه بما يلي:
قالوا( ):
أولا: إن ما يغاب عليه يكثر فيه ادعاء الضياع على وجه لا يعلم منه صدق مدعيه لسهولة إخفائه بخلاف من لا يغاب عليه؛ لأن هلاكه وتلفه من شأنه أن يكون معروفا ظاهرا للناس.
ومعنى هذا: أنهم استحسنوا تضمين المرتهن عند وجود التهمة وهي: عندما يكون الرهن مما يغاب عليه (أي: يمكن إخفاؤه وكتمه)( ).
ثانيا: إن عمل أهل المدينة يدل على أنهم توارثوا الضمان فيما يغاب عليه دون ما لا يغاب عليه.
المناقشة:
مناقشة أدلة أصحاب القول الأول بأن الرهن أمانة مطلقا ( ).
أولا: إن الحديث الذي استدلوا به قد اختلف في وصله وإرساله ووقفه ورفعه.
قال ابن عبد البر: هذه اللفظة: «له غنمه وعليه غرمه» اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فرفعها ابن أبي ذئيب ومعمر وغيرهما مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن ذئيب، ووقفها غيرهم.
وأجيب عن ذلك بأن هذا الحديث رواه ابن وهب فجرده، ورواه ابن حزام من طريق قاسم بن أصبع قال: حدثني… عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمه بن عبد الرحمن عن أبي هريرة  : «لا يغلق الرهن عن راهنه، له غنمه وعليه غرمه».
قال ابن حزم: هذا سند حسن.
ثانيا: قوله : «له غنمه وعليه غرمه»، ليس من كلام الرسول  وإنما هو من كلام سيعد بن المسيب نقله عنه الزهري، والحجة إنما هي في قوله  لا في قول أحد غيره.
الجواب عن ذلك بأنه على فرض التسليم بأن هذه الفقرة من كلام ابن المسيب وليست من صلب الحديث فإن المستدل لا يضره ذلك؛ لأنه يكفيه لإثبات دعواه -الفقرة الأولى وحدها- وهي: قوله : «لا يغلق الرهن من صاحبه» لأن معناها: أن الرهن من ضمانه؛ لأنه ملكه.. قيد المرتهن عليه يد أمانة.
ثالثا: قولكم: أن معنى قوله : «الرهن من صاحبه» أن المرهون من ضمانه ممنوع وغير مسلم، بل معناه أنه من ماله وليس من مال المرتهن؛ لأن الحديث قد أريد به إبطال حالة خاصة كانت سائدة في الجاهلية وهي: أن المرتهن كان إذا عجز الراهن عن الوفاء بالدين في الأجل المضروب يتملك العين المرهونة، فبين الرسول  «أن المرتهن لا يملك المرهون حتى ولو عجز الراهن عن الوفاء، بل هو باق على ملك صاحبه».
فالحديث على هذا في غير محل النزاع ( ).
الجواب عن ذلك بأن حمل قوله  على ذلك يجعل جملة: (الرهن من صاحبه) لا تفيد معنى جديدا، بل تكون تكرارا لما سبق أن استفيد من قوله : «لا يغلق الرهن» لأنه يقال: غلق الرهن إذا خرج عن ملك صاحبه واستولى عليه المرتهن بسبب عجز الراهن عن أداء الدين، فإذا استفيد هذا المعنى من الجملة الأولى كان استفادته من العبارة الثانية تكرارا يبعد بالكلام عن البلاغة، هذا في كلام عامة الفصحاء فما بالنا بأفصح الناس جميعا، وحتى لا توصف عبارته  بذلك ينبغي حملها على إفادة معنى جديد وهو: الضمان لا الملك.
رابعا: اعتراض أيضًا على المعقول بأنه:
لا يقبل، للفرق بين هلاك المرهون وهلاك الصك أو الشاهد؛ لأنه إذا هلك المرهون تحقق نوع استيفاء بخلاف هلاك الصك أو الشاهد فإنه لا يتحقق به أي نوع من أنواع الاستيفاء؛ لأن الاستيفاء مختص بالمال.
دفع الاعتراض:
أجيب بأنه اعتراض مبني على وجهة نظركم التي تقول أن موجب الرهن هو: ثبوت يد الاستيفاء، ونحن لا نسلم لكم بذلك؛ لأنه أساس النزاع بين وجهتي النظر المختلفين، فنحن نقول: إن موجب الرهن ثبوت الاستيثاق الذي هو طريق إلى الاستيفاء عندما يعجز الراهن عن الوفاء بدليل أن الراهن لو سلم الدين المرهون به قبل الأجل أو حتى عنده زال التوثق وأصبح من حق الراهن تسلم العين المرهونة.
مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني (القائلون بالضمان):
أولا: نوقش الحديث الأول الذي استدلوا به بما يلي:
1- من ناحية سنده: فقد ضعفه علماء الحديث، فقد قال عنه عبد الحق: أنه مرسل، وقال عنه ابن القطان: إن من رواته ثابت بن عبد الله بن الزبير وهو ضعيف؛ لكثرة غلطه وإن كان صدوقا.
2- من ناحية معناه: لأن أحد الحقين من كلام الرواي والآخر من النص، وهذا لا تنطبق عليه القاعدة المذكورة( ).
ثانيا: الحديث الثاني اعترض على الاستدلال بأن طرقه التي روي بها لم تسلم من نقد أبعدها عن صلاحية الاحتجاج بها( ).
ثالثا: أما استدلالهم بالإجماع فقد رد على هذه الدعوى ابن حزم بأن ما روي عن ابن عمر ليس مشهور عنه، والرواية عن ابن مسعود من الغريب، كما ذكر عن البيهقي، وقد صح الرهن عن علي – كرم الله وجهه – أن المرهون أمانة بيد المرتهن حيث قال في الرهن: “تترادان الفضل فإن أصابته جائحة برئ”.
ومعنى هذا: أن عليا – كرم الله وجهه – لم ير تراد الفضل إلا فيما تلف بجناية المرتهن.
أما إن هلك بجائحة فإنه يرى براءة المرتهن منه.
وهذا يدل بوضوح على أن المرتهن لا يضمن الرهن إذا تلف في يد المرتهن دون تقصير أو تعد منه وهو معنى الأمانة، كما أنه صح القول عن عطاء والزهري – وهما من التابعين- القول بأن المرهون أمانة في يد المرتهن، ومع مخالفة هؤلاء على هذا النحو تكون دعوى الإجماع غير صحيحة ( ).
رابعا: استدلالهم بالقياس:
اعترض عليه بأنه قياس مع الفارق بين المقيس والمقيس عليه، فإن سقوط أرش الجناية بتلف العبد حدث؛ لأنه تعلق بجهة واحدة وهي رقبة العبد.
فإذا ذهب العبد ذهب بناء عليه ما تعلق برقبته بخلاف الدين فإنه قد تعلق بذمة الراهن وعين المرهون، فإذا تلف المرهون فقد أحد المحلين وبقي تعلقه بالمحل الآخر كالدين المضمون فإنه إذا تلف الضامن فلا يسقط الدين؛ لبقاء المحل الآخر وهو المضمون عليه.
مناقشة أدلة أصحاب القول الثالث الذين يفرقون بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه.
أولا: إن التعليل الأول مبناه على ظن التهمة فيما يغاب عليه دون ما لا يغاب عليه.
ولكن كما يقول ابن حزم: التهمة موجودة في كل شيء متوجهة إلى كل إنسان( ).
ثانيا: إن عمل أهل المدينة يكون حجة إذا دل على سنة متبعة في زمن النبي  وذلك مثل نقلهم الصاع والمد والمزارعة والمساقاة.
أما العمل الذي طريقه الإجهاد والاستدلال كما هو الحال في ضمان المرهون فلا يكون حجة( ).
الرأي الراجح:
تبين من خلال عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها رجحان القول الأول الذي يقضي بأن المرهون أمانة في يد المرتهن إن تلف بدون تقصير أو تعد أو كان تلفه من صاحبه ويبقى الدين كما هو لما يلي:
أولا: لقوة أدلتهم في مقابلة أدلة أصحاب الأقوال الأخرى.
ثانيا: لردهم على مناقشات واعتراضات أصحاب الأقوال الأخرى التي لم تسلم أدلتهم من الاعتراض.
ثالثا: لأنه يتفق مع روح التشريع الإسلامي في حفظ الحقوق لأصحابها.
***

المطلب الثالث
استيفاء المرتهن حقه من الرهن
تبين مما سبق أن:
الرهن وثيقة لحق المرتهن بمقتضاه يطمئن المرتهن على رجوع حقه إليه.
وقد سبق بيان الخلاف في اشتراط استدامة القبض هو شرط في لزومه أو ليس بشرط، ولكن لم يتبين من هذا الخلاف أثر بالنسبة لكون المرتهن يبيع الرهن بعد تمام الأجل ويستوفي حقه وهل له حق الامتياز على سائر الغرماء؟
ومن هنا كان لابد من بيان أقوالهم في هذا، قال السمرقندي( ): فعندنا ملك عين في حق الحبس حتى يكون المرتهن أحق بإمساكه إلى وقت إيفاء الدين، وإذا مات الراهن فهو أحق به من سائر الغرماء فيستوفي منه دينه، فما فضل يكون لسائر الغرماء والورثة.
وقال ابن رشد ( ): أما حق المرتهن في الرهن فهو أن يمسكه حتى يؤدي الراهن ما عليه، فإن لم يأت به عند الأجل كان له أن يرفعه إلى السلطان يبيع عليه الرهن وينصفه منه إن لم يجبه الراهن إلى البيع، وكذلك إن كان غائبا.
وقال الشافعي ( ): المرتهن أحق ببيع المرهون وأخذ حقه من ثمنه والحبس ليس بلازم.
وقال النووي ( ): المرتهن يستحق بيع المرهون ند الحاجة ويتقدم بثمنه على سائر الغرماء.
وذكر أيضًا: أن الراهن إذا أصر على عدم البيع باعه الحاكم.
وقال الخرقي ( ): والمرتهن أحق بثمن الرهن من جميع الغرماء حتى يستوفي حقه حيا كان الراهن أو ميتا.
وبهذا يتبين اتفاق الفقهاء على أن المرتهن أحق ببيع الرهن واستيفاء دينه على سائر الغرماء، ويدل على ذلك الكتاب والسنة والمعقول.
أما الكتاب:
فقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾.
وجه الدلالة:
الاستدلال بالآية من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الله تعالى أخبر بكون الرهن مقبوضا وإخباره سبحانه وتعالى لا يحتمل الخلل، فاقتضي أن يكون المرهون مقبوضا ما دام مرهونا.
والثاني: أن الرهن في اللغة عبارة عن الحبس، قال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: حبيس.
فاقتضي أن يكون المرهون محبوسا ما دام مرهونا ولو لم يثبت ملك الحبس لم يكن محبوسا على الدوام فلم يكن مرهونا.
والثالث: أن الله تعالى لما سمى العين التي ورد عليها العقد رهنا دل على أن للأسماء الشرعية دلالات على أحكامها.
وأما السنة:
فقوله : «لا يغلق الرهن من صاحبه».
وجه الدلالة:
أن قوله  «لا يغلق»: لا يملك بالدين.
كذا قال أهل اللغة غلق الرهن أي: ملك بالدين، وهذا كان حكما جاهليا فرده الرسول .
وأما المعقول( ):
فإن الرهن شرع وثيقة بالدين فيلزم أن يكون حكمه ما يقع به التوثيق للدين، وإنما يحصل التوثيق إذا كان يملك صاحبه حبسه على الدوام؛ لأنه يمنعه عن الانتفاع فيحمله ذلك على قضاء الدين في أسرع الأوقات.
وبهذا يتبين أن للمرتهن حق امتياز الرهن.
وحق الامتياز معناه: أن يكون المرتهن أولى وأحق بثمن المرهون من سائر الغرماء حتى يستوفي حقه حيا كان أو ميتا.
وعلى هذا: إذا ضاق مال الراهن عن وفاء ديونه وطالبه الغرماء بديونهم وأريد قسمة ماله بين غرمائه فأول من يقدم هو المرتهن؛ لاستيفاء حقه من ثمن المرهون.
ولا يحق الاعتراض لباقي الغرماء ولهم أخذ ما فضل من الثمن؛ لأن حق المرتهن متعلق بعين الرهن وذمة الراهن معا، وأما سائر الغرماء فيتعلق حقهم بالذمة فقط، فكان حق المرتهن أقوى. والله تعالى أعلى وأعلم.
***

الخاتمة
الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والحمد لله الذي يسر وأعان على إتمام هذا البحث.
وبعد، فقد تبين مما سبق أن الرهن قد شرع رعاية لمصلحة الراهن والمرتهن على حد سواء.
ففي جانب الراهن: فلأجل تيسير سبل حصوله على ما تحتاج إليه من القروض والبيع والشراء فليس كل إنسان يجد من النقود ما يحقق به ضرورات الحياة ومطالبها.
وربما كان لديه مالا ولكنه يحتاج إلى بيعه جميعه فيستطيع أن يرهنه ثم يعد القدرة على السداد والقيام به يسترده.
أما في الجانب المرتهن: فإن الرهن يوفر له الاطمئنان على أموال فربما يكون إنسانا خيرا يبتغي فعل الخيرات ومد يد العون للمحتاجين، ولكنه يحجم عن ذلك لما يراه من المماطلة والاحتيال على أكل أموال الناس بغير حق فيدفعه ذلك إلى قبض يده.
والرهن في هذه الحالة يحل هذه المشكلة إذ يزيل خوف ضياع الأموال من نفس هذا الغني ويشجعه على طلب المثوبة ومضاعفة أمواله في الدنيا والآخرة مصداقا لقوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾( ).
ومن هنا:
فالمسلم إذا بسط الله له في الرزق وكان أخوه المسلم يمر بضائقة مالية فذهب ليقترض منه قرضا فإنه:
أولا: من واجبه ديانة أن يقرض أخاه وإلا كان مانعا للماعون( ) ومعطلاً للأحاديث الشريفة الكثيرة.
ثانيا: القرض في الإسلام قرض حسن أي: بلا ربا، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾( ).
ثالثا: إذ حل وقت السداد وكان المدين معسرا فعلى الدائن أن ينتظر حتى الميسرة، وإن تصدق فهو خير له، قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾( ).
رابعا: على المدين إذا أيسر أن يسارع إلى الأداء بغير مطل.
وبهذا يتبين أن الدنيا عند المسلم ليست هي أكبر الهم ولا غاية العلم، وأن الآخرة هي خير وأبقى (والدين المعاملة)، والدين هو الأساس ومنه المنطلق، وأن واجب المسلم هو الامتثال للأمر والنهي وهذا هو حق الله تعالى.

المصادر والمراجع
أولا: القرآن الكريم.
ثانيا: الفهرس الموضوعي لآيات القرآن الكريم. عني بجمعه وترتيبه/ محمد مصطفى محمد، الطبعة الثانية (1405هـ/ 1984م) مطبعة الخلود، بغداد.
ثالثا: مراجع التفسير:
1- أحكام القرآن: لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، المتوفى سنة 370هـ، دار الكتاب العربي – بيروت- لبنان.
2- أحكام القرآن: لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، المتوفى سنة 543هـ، تحقيق علي محمد البجاوي – دار الفكر.
3- الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي/ الطبعة الثانية (1353هـ/1935م) مطبعة دار الكتب المصرية.
رابعا: كتب الحديث وعلومه:
1- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان/ ترتيب الأمير علي بن يلبان المتوفى سنة 739هـ/ قدم له وضبطه/ كمال يوسف الحوت -الطبعة الأولى: (1707هـ/ 1987م) . دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.
2- سبل الإسلام شرح بلوغ المرام من جمع الأحكام: تأليف محمد بن إسماعيل الأمير اليمني الصنعاني المتوفى سنة 1182هـ – تحقيق إبراهيم عصر- دار الحديث -القاهرة.
3- سنن أبي داود: للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي المتوفى سنة 279هـ – تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف- الطبعة الثانية: (1403هـ/ 1983م) – دار الفكر – بيروت – لبنان.
4- سنن الدارقطني: تأليف الإمام علي بن عمر الدارقطني المولود سنة 306هـ و 385هـ – التعليق المغني على الدارقطني للإمام أبي الطيب محمد شمس الدين الحق العظيم آبادي – شركة الطباعة الفنية المتحدة – المملكة العربية السعودية- المدينة المنورة – الحجاز.
5- صحيح البخاري لابن عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى سنة 256هـ – طبعة دار الصفوة.
6- فتح الباري بشرح صحيح البخاري للإمام شهاب الدين بن أبي الفضل العسقلاني المعروف بابن حجر المتوفى سنة 852هـ – المطبعة العربية المصرية – طبعة دار الغد – المكتبة السلفية.
7- نصب الراية لأحاديث الهداية: للعلامة جمال الدين أبي بكر محمد بن عبد الله يوسف الحنفي الزيلعي المتوفى سنة 762هـ مع حاشيته النفيسة المهمة (بغية الألمعي في تخريج الزيلعي) الطبعة الأولى: (1357هـ/1983م) منشورات المجلس العلمي – الهند.
8- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار – تأليف الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني ثم الصنعاني المتوفى 1250هـ – الطبعة الأخيرة – مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر – طبعة دار الحديث- الطبعة الثانية.
خامسا: كتب أصول الفقه:
1- التبصرة
سادسا: كتب القواعد الفقهية:
1- الأشباه والنظائر في الفروع للإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
سابعا: مراجع الفقه الحنفي:
1- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: للإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، المقلب بملك العلماء، المتوفى سنة 587هـ – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان. والطبعة المحققة (تحقق الشيخ محمد علي معوض وغيره – طبعة دار الكتاب العربي) طبعة المكتبة العلمية – بيروت – لبنان.
2- تبيين الحقائق – شرح كنز الدقائق تأليف العلامة عثمان بن علي الزيلعي الحنفي بهامشه حاشية الشيخ الشلبي.
3- حاشية رد المحتار: للإمام محمد أمين الشهير بابن عابدين بن علي الدر المختار تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان.
4- فتح القدير تأليف الإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي ثم السكندري المعروف بابن الهمام الحنفي المتوفى سنة 689هـ على الهداية شرح بداية شرح بداية المبتدى للمرغيناني المتوفى سنة 593هـ ومعه حاشية سعدي أفندي المتوفى 945هـ وشرح فتح القدير – طبعة دار الكتب – بيروت – لبنان.
5- المبسوط تأليف شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي – الطبعة الثالثة – دار المعرفة للطباعة والنشر -بيروت- لبنان.
6- الهداية شرح بداية المبتدى – تأليف شيخ الإسلام برهان الدين أبي الحسن علي أبي بكر عبد الجليل الرشداني الميرغناني المتوفى سنة 593هـ – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان. الطبعة الأولى: (1410هـ/ 1990م).
7- مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر: عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن سليمان – دار إحياء التراث العربي.
8- حاشية رد المحتار على الدر المختار – شرح تنوير الأبصار، للإمام محمد أمين الشهير بابن عابدين ويليه تكملة ابن عابدين لنجل المؤلف – ط دار الفكر.
9- تحفة الفقهاء: علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي الحنفي المتوفى سنة 575هـ، – دار الفكر – 1964.
10- اللباب في شرح الكتاب: عبد الغني الغنيمي الدمشقي – المكتبة العلمية.
11- تكلمة فتح القدير (نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار): لشمس الدين أحمد بن قودر المعروف بقاضي زاده.
12- شرح العناية على الهداية هامش فتح القدير: للإمام أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي المتوفى سنة 786هـ – دار إحياء التراث العربي- الطبعة الأولى: (1316هـ) – بيروت – لبنان.
ثامنا: مراجع الفقه المالكي:
1- بداية المجتهد ونهاية المقتصد تأليف الإمام أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي – دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان- ط/10 (1408هـ/ 1988م).
2- حاشية الدسوقي للعالم العلامة الشيخ محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي المتوفى سنة 1230هـ على الشرح الكبير للشيخ أبي البركات سيدي أحمد بن محمد العدوي الشهير بالدردير المتوفى سنة 1201هـ – ط/1 (1417هـ/ 1996م) – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان.
3- الشرح الصغير للدرديري شرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل تأليف الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الملقب بعليش المتوفى 1299هـ، بدون طبعة.
4- الفواكه الدواني: شرح الشيخ أحمد بن غنيم بن سالم بن فهد النفراوي المالكي الأزهر المتوفى سنة 1120هـ على رسالة أبي محمد عبد الله بن أبي زيد بعد الرحمن القيرواني المالكي المتوفى سنة 386هـ – الطبعة الثالثة: (1374هـ/ 1955م) – شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
5- القوانين الفقهية: لأبي القاسم محمد بن أحمد جزي الكلبي المتوفى سنة 741هـ – طبعة المكتبة الثقافية – بيروت.
6- المنتقى شرح الموطأ: تأليف القاضي أبي الوليد سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث الباجي الأندلسي، المتوفى سنة 494هـ – الطبعة الأولى سنة 1231هـ – مطبعة السعادة – القاهرة.
تاسعا: مراجع الفقه الشافعي:
1- المجموع: شرح المهذب تأليف الإمام أبي زكريا محيي الدين بن شرف النووي المتوفى سنة 676هـ ومعه أجزاء منفردة التكملة الثانية للمجموع للسبكي، وأيضًا المحقق محمد نجيب المطيعي- الناشر: زكريا علي يوسف- مطبعة الإمام- القاهرة. وطبعة مكتبة الإرشاد – جدة.
2- مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج للشيخ شمس الدين محمد بن محمد الخطيب الشريف، دراسة وتحقيق وتعليق الشيخ/ علي محمد معوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجود. قدم له الأستاذ الدكتور/ محمد بكر إسماعيل -كلية الدراسات – جامعة الأزهر – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى: (1415هـ/1994م).
3- المهذب في فقه الإمام الشافعي: تأليف الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي المتوفى سنة 476هـ وبذيله: المستعذب في شرح غريب المهذب لمحمد بن أحمد بن بطال الركبي. شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
4- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج تأليف الإمام محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة بن شهاب الدين المصري الأنصاري الشهير بالشافعي الصغير المتوفى سنة 1004هـ، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
5- حاشية الشرقاوي على التحرير/ للشيخ زكريا الأنصاري – مطبعة تاج الدين بطنطا.
6- روضة الطالبين وعمدة المفتين: للإمام النووي – المكتب الإسلامي (1412هـ/ 1991م).
7- الأم للإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، مع مختصر المزني – ط دار الفكر – الطبعة الثانية: (1403هـ 1983م).
8- مختصر المزني على الأم: إسماعيل بن يحيي المزني – دار المعرفة – بيروت – لبنان.
عاشرا: مراجع الفقه الحنبلي:
1- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: تأليف شيخ الإسلام علاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي المتوفى سنة 885هـ تحقيق محمد حامد الفقي – الطبعة الثانية – إعادة طبعه دار إحياء التراث العربي (1406هـ/ 1986م).
2- المغني: لأبي محمد عبد الله أحمد بن محمد قدامة المتوفى سنة (451هـ/ 620م) تحقيق/ عبد الله بن عبد المحسن التركي، د. عبد الفتاح محمد الحلوط – هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان – القاهرة – الطبعة الأولى (1406هـ/ 1986م). وطبعة عالم الكتب وطبعة الرياض.
المغني والشرح الكبير، الأول: لابن قدامه المتوفى 620هـ، والثاني (الشرح الكبير): للإمام أبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن قدامه المقدسي المتوفى سنة 683هـ طبعة (1392هـ/ 1972م).
حادي عشر: مراجع الفقه الظاهري:
1- المحلى: تأليف أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم المتوفى سنة 456هـ، بتصحيح محمد خليل هراس – مطبعة الإمام- القاهرة.
2- شرح منتهى الإرادات: للعلامة منصور بن يوسف بن إدريس البهوتي – دار الفكر.
3- كشاف القناع: لمنصور بن إدريس البهوتي – دار الفكر (1402هـ/ 1982م).
4- مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى: للشيخ مصطفى السيوطي تجريد زوائد الغاية والشرح الشيخ حسن الشطي – المكتب الإسلامي.
***

error: