الاثبات الإداري

مرحلة الإثبات هي أهم وأصعب مرحلة من مراحل الخصومة القضائية، بل هي محورها حيث يقدم كل خصم فيها الأدلة المؤيدة لطلباته، وعلى أساس نتائج هذه المرحلة يتم الفصل في طلبات الخصوم التي تمثل الهدف النهائي لرفع الدعوى.

والإثبات من الموضوعات التي تناولها فقهاء القانون بالبحث والتحري سواء في المجال المدني أو التجاري أو الجنائي أو الإداري نظراً لأهميته ومكانته في القانون والواقع.

وتصاغ نظرية الإثبات في كل فرع من فروع القانون بالمراعاة لخصوصيات هذا القانون، وطبيعة العلاقات التي ينظمها، ونظرا للخصوصية التي يتميز بها القانون الإداري، واستثنائية العلاقة التي تربط الإدارة بالأفراد، فإن النزاعات التي تنشأ عن هذه العلاقة، تتم معالجتها في ظل القواعد الاستثنائية التي يعرفها القانون الإداري.

وفي ظل الامتيازات التي تتمتع بها الإدارة فإن دعوى الإلغاء يكون المدعي فيها في جميع الأحوال هو الفرد، ويكون بذلك هو المكلف بعبء الإثبات؛ وفي ظل عدد من الاعتبارات القانونية والواقعية التي تجعله من إثباته لما يدعيه ضد الإدارة من الصعوبة بمكان؛ نظرا لافتقاره لأدلة الإثبات الموجودة في حوزة الإدارة، أو الصعوبة إثبات خروج الإدارة عن القانون إذا مارست سلطاتها استنادا إلى اختصاص تقديري، وهكذا يتضح أن الإثبات في دعوى الإلغاء يتسم بطابع استثنائي؛ شأنه شأن باقي مواضيع القانون الإداري.

نحاول في هذا الباب التعرف على خصوصية الإثبات الإداري في الفصل الأول، وإلى مساهمة المشرع في التخفيف من صعوبته في الفصل الثاني.

تمرّ الخصومة القضائية بعدّة مراحل تبدأ برفع الدعوى وتنتهي بالفصل فيها، ولا يتأتّى ذلك إلاّ بعد المرور بأصعب مرحلة وهي مرحلة الإثبات، وإن كان متفقا على صعوبة هذه المرحلة في جميع أنواع الدعاوى، إلاّ أنّها أكثر ما تكون في دعوى الإلغاء لخصوصيتها.

لقد كانت خصوصية النزاع الإداري التي تتجلى في عدم تساوي مراكز أطرافه وسعي أحدهما للمصلحة العامة بينما يسعى الطرف الآخر لمصلحته الخاصة مبررا لازدواجية القانون، كما كانت مبررا لازدواجية القضاء وخصوصية قواعد الاجراءات القضائية المتبعة أمام القضاء الإداري ومن ضمنها قواعد الإثبات.

ولقد ترتب عن خصوصية عدم توازن العلاقة بين أطراف النزاع الإداري أهم خصوصية للاثبات الإداري وهي صعوبته، ونظرا لخصوصية دعوى الإلغاء بين الدعاوى الإدارية فإن خصوصية الإثبات تكون فيها تكون أشد.

نتطرق في هذا الفصل إلى خصوصية قواعد الإثبات الإداري في المبحث الأول، وإلى عناصر الموقف الصعب للمدعي بالإلغاء في المبحث الثاني.

يقف المدعي في الدعوى الإدارية عموما ودعوى الإلغاء خصوصا موقفا استثنائيا من حيث الإثبات مقارنة بموقفه في مختلف الدعاوى القضائية الأخرى، وهو ما يجعل إخضاع هذا الموقف الاستثنائي في الإثبات إلى القواعد العادية في هذا الموضوع متسمة باللاعدالة. ويستوجب خصوصية في قواعد الإثبات الإداري مراعاة لخصوصية الدعوى الإدارية.

إن خصوصية قواعد الإثبات الإداري تمثل مظهرا من مظاهر خصوصية الإجراءات التي ينتمي إليها، كما أنها في نفس الوقت نتيجة من نتائجها، ولهذا ارتأينا التذكير بأهم خصائص الإجراءات القضائية الإدارية في مطلب أول.

error: