التخفيف من عبء الإثبات على المدعي

لقاضي الإلغاء دوز بالغ الأهمية في تخفيف عبء الإثبات على المدعي؛ ذلك أنه وإن كانت السلطة التشريعية تضع القانون والسلطة التنفيذية تنقذه، فالسلطة القضائية هي التي تحدد الكيفية الصحيحة لتطبيقه، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الدور الإنشائي المعترف به للقاضي الإداري يحتم عليه أن يؤدي دورا إيجابيا في إعادة التوازن إلى الدعوى مستلهما في ذلك مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة، وهذا من صميم دوره وليس خروجا استثنائيا عليه.

يعبر Bernard PACTEAU عن هذا الدور القاضي الإداري في إدارة الإثبات بقوله: “القاضي يجب أن يكون في قلب (صميم) إدارة الإثبات، من خلال توزيعه عبء -و بتعبير أدق أعباء – الإثبات بين الأطراف، ووظيفته هذه وإن كانت لها حدود فهو ليس بمثابة قائد اللعبة، إلا أن له دور فاعل، فدوره الأول يتمثل في سلطاته في التحقيق، التي يساهم من خلالها مباشرة في إدارة الإثبات، وفي المقام الثاني من خلال المراقبة، وأخيرا من خلال تكوين اقتناعه”.

إن الصعوبات التي يعاني منها المدعي في دعوى الإلغاء وتنوعها، والتي يعجز المشرع عن القضاء عليها – نظرا لطبيعة وظيفته- تطلبت من قاضي الإلغاء وهو الملامس مباشرة لكل قضية على حدة أن يقوم بتفكيك هذه الصعوبات والحد منها، سواء على مستوى إجراءات الإثبات أو على مستوى موضوعه.

نحاول في هذا الباب التعرف على مساهمة قاضي الإلغاء في التخفيف من عبء الإثبات على مستوى إجراءات دعوى الإلغاء في الفصل الأول وعلى مستوى موضوع دعوى الإلغاء في الفصل الثاني.

الفصل الأول: مساهمة قاضي الإلغاء في التخفيف من عبء الإثبات

على مستوى إجراءات دعوى الإلغاء.

صدرت في فرنسا العديد من النصوص القانونية التي نظمت إجراءات التقاضي الإدارية، ونظرا لاستقلالية الإجراءات الإدارية في فرنسا عن الإجراءات المدنية فالقاضي الإداري في فرنسا لا يلجأ إلى تطبيق الإجراءات المدنية إلا بصفتها نصوصا عامة يلجأ إليها كشريعة عامة للإجراءات في حالة عدم وجود نص خاص في قانون الإجراءات الإدارية.

وفي مصر يطبق القاضي الإداري بعض النصوص الإجرائية التي جاء بها قانون مجلس الدولة، وما لم يرد فيه نص يطبق بشأنه قانون الإجراءات المدنية وقانون الإثبات بما لا يتعارض مع طبيعة الدعوى الإدارية.

أما في الجزائر فإن القاضي الإداري، ظل يطبق قانون الإجراءات المدنية الصادر بموجب الأمر رقم 66/154 المؤرخ في 8جوان 1966 والذي تعرض لعدة تعديلات إلى غاية سنة 2009؛ وحتى بعد اعتماد الازدواجية القضائية فإن القانون العضوي رقم 98/01 المؤرخ في 30 ماي 1998 المتعلق باختصاصات مجلس الدولة وتنظيمه وعمله نص على استمرار العمل بأحكام قانون الإجراءات المدنية في مادته الأربعين (40)، كما أن قانون الإجراءات المدنية والإدارية رقم 08/ 09 المؤرخ في 25 فيفري 2008 نص في مادته 1062 على أن أحكامه تبدأ في السريان بعد سنة من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية أي أنه يسري ابتداء من 25 أفريل 2009.

لقد نص المشرع الجزائري في المواد من 815 إلى 832 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية على إجراءات رفع الدعوى وآجالها وفي المواد من 838 إلى 876 على تحقيق الدعوى ووسائله، وفي المواد من 884 إلى 887 على سير الجلسة وفي المواد 897 إلى 900 على دور محافظ الدولة، ولكنه أحال في الكثير من المواد المتعلقة بالتحقيق وخاصة في وسائله إلى أحكام الكتاب الأول تحت عنوان الأحكام المشتركة لجميع الجهات القضائية، وهذا لا يعني أن سلطات القاضي الإداري في هذا الشأن ضيقة ومتطابقة مع سلطات القاضي العادي.

فمن جهة فإن الأحكام الواردة ضمن الكتاب الأول انطوت على دور كبير للقاضي سواء كان عاديا أو إداريا، وهذا التجديد من أهم ما يحسب للقانون الجديد، ومن جهة أخرى فإن المواد المتعلقة بجهات القضاء الإداري نصت على أحكام وسلطات لم تخول لجهات القضاء العادي، وذلك مراعاة لطبيعة الدعوى الإدارية، ويتعلق الأمر بالمادة 860 التي نصت على جواز سماع أعوان الإدارة، أو طلب حضورهم لتقديم إيضاحات، والمادة 864 التي خولت لتشكيلة الحكم أن تقرر إجراء تسجيل صوتي أو سمعي أو بصري لكل عمليات التحقيق أو جزء منها. وأخيرا فإن المادة 863 خولت القاضي الإداري الأمر بإجراء أي تحقيق وإتباع أي وسيلة من وسائل الإثبات التي يجود بها عليه إبداعه وفكره يراها مجدية؛ حتى ولو لم يكن منصوصا عليها ضمن هذا القانون، وذلك تأكيدا لطبيعة الإثبات الإداري الذي ينسب إلى النظام الحر في الإثبات.

وهذا لأن التحقيق في الدعوى الإدارية يقوم أساسا على تكوين اقتناع القاضي الإداري للحل الواجب اتخاذه عند الفصل في النزاع، ولذا فإن القاضي الإداري يتمتع بسلطة واسعة في التعامل مع إجراءات التحقيق.

ورغم أن المشرع الجزائري خطا خطوة جريئة من أجل تحقيق استقلال قواعد الإجراءات القضائية الإدارية عن قواعد الإجراءات القضائية المدنية من خلال إفراده كتاب كامل للإجراءات المتبعة أمام هيئات القضاء الإداري في القانون الجديد وهو الكتاب الرابع، رغم ذلك فإن هذه النصوص الخاصة تبقى غير كافية، ولذا فإنه يبقى مطلوبا من القاضي الإداري استخلاص المبادئ العامة للإجراءات القضائية الإدارية بما يتلاءم وطبيعة الدعوى الإدارية، مستهدفا في مباشرته لدوره الفعال في الدعوى الإدارية تحقيق أكبر قدر من الضمانات والرعاية للمتقاضين، ومراعيا الموقف المختلف والمراكز غير المتوازنة بين أطراف الدعوى الإدارية وعاملا على تحقيق التوازن العادل بينهما.

إن دور قاضي الإلغاء الذي يؤثر على إقامة الدليل وعلى تنظيم عبء الإثبات ويؤدي إلى تخفيفه يتمثل على مستوى الإجراءات في إشرافه على إجراءات الخصومة تارة (المبحث الأول) وتارة في إنتاج الأدلة (المبحث الثاني). وتارة أخرى في تقديرها (المبحث الثالث).