مبدأ التسبيب الوجوبي للقرارات الإدارية

لقد فطن الفقه الفرنسي إلى أهمية التسبيب الوجوبي في وقت مبكر فوجه نقده إلى تمسك الإدارة بمبدأ “لا تسبيب إلا بنص”، كما اقتنع الإداريون بذلك فجاء على لسان وزير الداخلية الفرنسي سنة 1970 ما يلي: “لمنع حدوث أي لبس أو تحوير سوف أقرر أن تؤدى جميع الخدمات التي تدخل في نطاق اختصاص وزارة الداخلية بقرارات مسببة تسبيبا كافيا”. ولقد أذعن المشرع لهذه الإرادة بالفعل من خلال سلسلة من التشريعات التي كانت تهدف إلى إرساء سياسة الوضوح الإداري.

أما في الجزائر قبل صدور قانون الوقاية من الفساد ومكافحته سنة 2006 لم يصدر أي نص قانوني يشير إلى إلزام الإدارة بتسبيب قراراتها، ورغم أن المشرع الجزائري حذا حذو المشرع الفرنسي في وضعه لضوابط العلاقة بين المواطن والإدارة وذلك عن طريق المرسوم 88/131، المؤرخ في 04 جويلية 1988 المتعلق بتنظيم العلاقة بين الإدارة والمواطن، إلا أنه لم يحذ حذوه في تقرير مبدأ وجوبية التسبيب. بل اكتفي بإخضاع الكثير من القرارات التي تمس بحقوق الأفراد وحرياتهم لوجوبية التسبيب، ومن القرارات التي ألزم المشرع بتسبيبها نذكر على سبيل المثال:

القرارات الإدارية في مجال الوظيفة العامة وذلك في مجال التأديب وبعض الأوضاع الوظيفية.

القرارات الإدارية في مجال الحريات الشخصية والعامة مثل قرارات الضبط الإداري، وقرارات نزع الملكية للمنفعة العامة.

قرارات التنظيمات المهنية، كالمنظمة الوطنية للمحامين والغرفة الوطنية للموثقين، والغرفة الوطنية للمحضرين، ومنظمات الأطباء والمهندسين… الخ.

قرارات رفض منح الرخص أو طلب الاطلاع على الوثائق

أما على المستوى القضائي فقد استقر قضاء الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا ومن بعده قضاء مجلس الدولة على عدم القضاء بإلغاء القرار الإداري لتخلف التسبيب ما لم يرد نص بوجوب تسبيبه، وفي المقابل ألغي القرارات الإدارية الصادرة دون تسبيب إذا كان القرار الإداري من القرارات التي ألزم المشرع الإدارة بتسبيبها.

ولكن هذا الاجتهاد بدأ بالانحسار فمجلس الدولة في قراره المؤرخ في 09 فيفري 1999 قرر أنه:” حيث أن قرار رفض الاعتماد غير مسبب، وهذا مخالف للمبادئ العامة للقانون التي تفرض تسبيب القرارات الصادرة ضد الأفراد …، وبهذه الخطوة الجريئة فإن القاضي الإداري حتى وإن لم يتبن مبدأ التسبيب الوجوبي فإنه قرر مبدأ على الإدارة احترامه؛ مقتضاه إلزامها بتسبيب جميع القرارات الصادرة ضد الأفراد.

وبصدور القانون رقم 06/01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته ألزم المشرع الجزائري الإدارة من خلال المادة الحادية عشرة من هذا القانون بتسبيب قراراتها الصادرة في غير صالح المواطن والتي نصت على أنه:” لإضفاء الشفافية على كيفية تسيير الشؤون العمومية، يتعين على المؤسسات والإدارات والهيئات العمومية أن تلتزم أساسا:

– باعتماد إجراءات وقواعد تمكن الجمهور من الحصول على معلومات تتعلق بتنظيمها وسيرها، وكيفية اتخاذ القرارات فيها.

– بتبسيط الإجراءات الإدارية.

– بنشر معلومات تحسيسية عن مخاطر الفساد في الإدارة العمومية.

– بالرد على عرائض وشكاوى المواطنين.

– بتسبيب قراراتها عندما تصدر في غير صالح المواطن، وبتبيين طرق الطعن المعمول بها.”

ونصت المادة 06/1 من الميثاق الإفريقي لقيم ومبادئ الخدمة العامة والإدارة والذي صادقت عليه الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي 12/415 المؤرخ في 11 ديسمبر 2012. على أنه:” تقوم الإدارة العامة بتوفير المعلومات الضرورية للمستخدمين حول التدابير والإجراءات الشكلية المتصلة بتقديم الخدمة العامة، تقوم الإدارة العامة بإبلاغ المستخدمين بكل القرارات المتخذة بخصوصهم وبيان أسبابها وكذلك آليات الطعن القانونية المتاحة لهم.

وهكذا تكون الجزائر بسنها لقانون الوقاية من الفساد ومكافحته، وبمصادقتها على الميثاق الإفريقي لقيم ومبادئ الخدمة العامة والإدارة، قد انضمت إلى نادي الدول المتبنية لمبدأ وجوبية تسبيب جميع القرارات الضارة بالمواطن.