قاعدة التطهيرالعقاري وتطبيقاتها

مقدمة:

يعتبر قانون التحفيظ العقاري إحدى المؤسسات القانونية الأساسية التي تهدف إلى ترسيخ وتثبيت الملكية العقارية، ولذلك تسعى دول المعمور إلى تهيئ نظام عقاري متكامل في جوانبه، قصد العمل على خلق قاعدة عقارية صلبة، وتمكين الملاكين والمتعاملين في المجال من التصرف في عقاراتهم بشكل سليم وعلى أساس متين.[1]

والمغرب يعد بدوره من الدول التي تعمل جاهدة من أجل تطوير نظامها العقاري،[2] باعتبار أن هذا الأخير يعد الوسيلة الفعالة لصيانة الثروة العقارية وتثبيتها وفق نموذج يؤسس لملكية عقارية مستقرة ويحميها من كل تسلط.[3]

وبناء عليه، فالتحفيظ العقاري هو الوعاء القانوني والهندسي الذي يؤطر الحقوق العينية والارتفاقات العقارية الواقعة على العقار بالشكل الذي يحفظها ويمنعها من كل ادعاء أو منازعة.[4]

ولا شك أنه من أجل أن يحقق العقار دوره في التأسيس للمشاريع الاقتصادية والاجتماعية وجلب للاستثمارات الداخلية والخارجية، أن يكون على قدر كبير من الثبات والاستقرار، والخلو من الشوائب والنزاعات، إذ يجعل صاحبه في منأى من أي مطالبة أو منازعة، وهو ما يتحقق من خلال نظام العقارات المحفظة التي تتميز بنوع من الاستقرار في الملكية والثبات في المعاملات، الأمر الذي يشجع المؤسسات المالية وغيرها على التعامل مع هذا النوع من الأملاك بشتى أنواع المعاملات المالية نتيجة القوة القانونية والحجية الإثباتية التي يتميز بها العقار المحفظ من خلال الرسم العقاري النهائي والغير قابل للطعن والخالي من جميع الحقوق غير المضمنة فيه بفعل قاعدة التطهير. هذه الأخيرة باعتبارها الخاصية الأساس التي تترتب عن التحفيظ العقاري والمنظمة من خلال الفصلين 2 و62 من ظهير 12 غشت 1913،[5] هي التي ستكون محور دراستي في هذا البحث.

ويقصد بقاعدة التطهير: “تطهير العقار من جميع الحقوق التي كانت عالقة به قبل التحفيظ، ولم يطالب بها أثناء مسطرة التحفيظ…”[6] إذ أنه بمجرد صدور قرار التحفيظ وتأسيس الرسم العقاري ينطلق مفعولها إزاء هذه الحقوق.

وأشير في هذا المجال إلى أن قاعدة التطهير في سياقها التاريخي لم تكن محل أي تعديل أو إلغاء منذ أن تم وضعها ضمن مقتضيات قانون التحفيظ العقاري (12 غشت 1913).

ونظرا لكون هذه القاعدة أهم خاصية تترتب عن نظام التحفيظ العقاري ككل باعتبارها المركز الذي تدور في فلكه باقي الآثار الأخرى، ومن حيث كونها تطهر الوضعية المادية والقانونية للعقار من خلال تأسيسها لحياة جديدة للملك المحفظ تتنكر للماضي الملغى وتنطلق من الصفر إلى الأمام، وهو ما جعلها محط نقاشات من طرف المهتمين بالموضوع بين مؤيد لها ومعارض، مما دفعني إلى الغوص في الموضوع للبحث أكثر عن الحيثيات القانونية والواقعية التي كانت وراء سن هذه القاعدة، وكذا عن الدور الذي تؤديه في بناء أسس نظام التحفيظ العقاري.

وإذا كان الجانب النظري في جميع الدراسات القانونية مهما من حيث الخوض في الإشكاليات وإيجاد الحلول المناسبة لها وإبداء الآراء والمواقف… فإن الجانب العملي لا يقل عنه أهمية من حيث كونه يقرب الباحث والمختص من الموضوع ويضعه في منابعه وأصوله، ويعتبر كذلك المحك الحقيقي للوقوف على عين المشكل كيفما كان، ويتمثل في هذه الدراسة من خلال الإمكانية التي أتاحها لنا مسؤولوا ماستر العقود والعقار والمتمثلة في التدريب بمصلحة المحافظة العقارية والمسح العقاري  والخرائطية،[7] مما يزيد البحث في الموضوع رغبة وحيوية أكثر عن طريق التوفيق بين الجانب النظري والعملي[8].

وانطلاقا مما سبق، يمكنني أن أثير مجموعة من الإشكاليات التي تعترض الموضوع من قبيل مدى شرعية قاعدة التطهير من خلال القوة القانونية التي تتمتع بها، وكذا من حيث الضمانات القانونية المخولة للمتضررين منها، وذلك من خلال الموازنة بين هاتين المصلحتين؟ وإلى أي حد استطاعت هذه القاعدة تأسيس بنية عقارية ثابتة ومضبوطة بهدف خلق قاعدة عقارية صلبة تقوم عليها المشاريع التنموية على جميع المستويات؟ وما أهم المظاهر والتجليات التي تعرفها هذه القاعدة من خلال بعض العمليات الواردة على العقارات المحفظة؟. على أن أخلص في الأخير إلى الإجابة على الإشكال العام وهو مدى مصداقية وشرعية قاعدة التطهير المنصوص عليها في ظهير التحفيظ العقاري، وهل حان الوقت لتعديل الفصلين 2 و62 من نفس الظهير والمنظمين لهذه القاعدة؟.

الصعوبات:

إن أهم صعوبة اعترضتني في إعداد هذا البحث هي ندرة المراجع المتخصصة في الموضوع، بالإضافة إلى صعوبة التوفيق بين الجانب النظري والجانب العملي في هذه الدراسة القانونية.

 وقد ارتأيت أن أعالج موضوع هذا البحث من خلال التصميم التالي:

الفصل الأول: الإطار القانوني والتنظيمي لقاعدة التطهير الناتجة عن تحفيظ العقار.       الفصل الثاني: التطبيقات العملية لقاعدة التطهير من خلال العمل المحافظاتي.

الفصل الأول: الإطار القانوني والتنظيمي لقاعدة  التطهير الناتجة عن تحفيظ العقار

إن التحفيظ العقاري يهدف إلى تأسيس رسم عقاري يعتبر بمثابة حالة مدنية للوضعية القانونية والمادية للعقار، يمنحه حجية تامة وقوة إثبات وتطهير من جميع الحقوق غير المدلى بها أثناء جريان مسطرة التحفيظ بالمرة، فالمالك تثبت له ملكية عقاره مطهرة ونهائية وغير قابلة للطعن بمجرد صدور قرار التحفيظ من قبل المحافظ العقاري وفقا للفصلين 2 و62 من ظهير التحفيظ العقاري.

غير أن القاعدة التطهيرية والصفة النهائية للرسم العقاري، أثارت حفيظة الفقه والقضاء بين مؤيد ومعارض، كل يستند إلى حججه ومبرراته، وهو ما من شأنه أن يعطي فكرة واضحة حول الإشكالات التي يثيرها الموضوع، وكذا مساعدة المشرع  عند إعداده للقوانين، حتى تكون القاعدة القانونية في خدمة الصالح العام والعدالة الاجتماعية.

وللإحاطة بهذه النقط السابقة ارتأيت أن أفردها بمبحث أول، سأبحث من خلاله عن الحجية التي تكتسيها قاعدة التطهير الناتجة عن تحفيظ العقار، وموقف الفقه والقضاء من المسألة.

وبحكم القوة الثبوتية المطلقة للرسم العقاري وما دون فيه من حقوق، حيث أنه لا يمكن إلغائه أو تعديله، لأن الأمر يتعلق بقاعدة آمرة، واحتمالا لوقوع ضحايا قد تعدم حقوقهم نتيجة إهمال منهم أو تدليس من الغير، أجاز المشرع استثناء إمكانية لجوء المتضرر لرفع دعوى التعويض في حالات محدودة جدا، وفي حدود ما نص عليه الفصل 64 من ظهير التحفيظ العقاري وبعض نصوص قانون ل.ع، الأمر الذي سأتناوله بالتحليل من خلال المبحث الثاني الذي خصصته للطبيعة القانونية لقاعدة التطهير ومدى إمكانية التخفيف من حدتها.

المبحث الأول : حجية التطهير الناتج عن تحفيظ العقار وموقف الفقه والقضاء من المسألة :

تختتم مسطرة التحفيظ -في الأحوال العادية- سواء اقتصرت على المرحلة الإدارية أو تجاوزتها إلى المرحلة القضائية -حالة وجود تعرضات- بقرار إداري صادر عن السيد المحافظ العقاري يقضي بتحفيظ العقار، يتبلور على مستوى الواقع في شكل تأسيس رسم عقاري يعتبر بمثابة تأشيرة تسمح بدخول العقار غير المحفظ إلى نظام العقارات المحفظة، ليصبح ذا قوة إثباتية مطلقة إزاء الكافة، ومكتسبا لمناعة نهائية ضد أي تقادم مكسب أو مسقط، ومطهر من جميع الإدعاءات، وفي منأى من كل منازعة أو مطالبة، (المطلب الأول).

غير أن القوة المطلقة والنهائية للرسوم العقارية، وتظافر مجموعة من الظروف الموضوعية والذاتية التي تحكم المجتمع المغربي، أدت إلى طغيان الظاهرة الاقتصادية على القاعدة القانونية، سواء من خلال عدم مواكبة هذه الأخيرة لظروف المجتمع المغربي، أو من خلال استغلال البعض للقاعدة القانونية وامتطائها من أجل تحقيق مصالح غير مشروعة على حساب الغير، وهو ما أدى إلى تضارب مواقف الفقه والقضاء حول مدى مشروعية قاعدة التطهير. (المطلب الثاني).

المطلب الأول: القوة الإثباتية لقاعدة التطهير الناتجة عن تحفيظ العقار:

انطلاقا من الفصلين 2 و62[9] من ظهير 12 غشت 1913 نجد أن التحفيظ العقاري يهدف في غايته الكبرى إلى إعطاء العقار نقطة انطلاق جديدة، تبدأ من الصفر لتسير إلى الأمام وفق نظام مضبوط ودقيق، وذلك من خلال تطهير الملك من جميع الحقوق غير المدلى بها أثناء جريان مسطرة التحفيظ لتصبح في حكم العدم. (الفقرة الأولى).

كما أن التحفيظ يعطي للرسم العقاري الصفة النهائية والمنطلق الأوحد للتحملات والتكاليف العقارية الكائنة على العقار أثناء تحفيظه، حيث تصبح كل مطالبة أو محاولة للطعن في هذا الرسم غير مجدية، وذلك لمناعته المطلقة المكتسبة من قرار التحفيظ. (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الحجية القانونية من خلال القوة المطهرة:

يعتبر تطهير العقار من كل الحقوق غير المصرح بها أثناء الآجال المحددة لها الوجه السلبي لقاعدة التطهير، حيث أن هذه  الحقوق تتلاشى وتندثر بصفة نهائية لا رجعة فيها.[10]

فبالرجوع إلى المادة 2 من ظهير التحفيظ العقاري نجد أنه من بين خصائص التحفيظ العقاري، إنشاء رسم للملكية العقارية يبطل ما دونه من الرسوم، على أن أهم خاصية تترتب عليه هي تطهير الملك من جميع الحقوق غير المدلى بها أثناء مسطرة التحفيظ.

فبمجرد صدور قرار التحفيظ وتأسيس الرسم العقاري، يصبح العقار مطهرا من جميع الحقوق غير المتعرض عليها أثناء جريان مسطرة التحفيظ ولو كانت حقوقا مشروعة، مقابل إضفاء صفة المشروعية على الحقوق المدلى بها أثناء المسطرة ولو كانت غير مشروعة.[11] فإذا حدث وأن أغفل المالك أثناء جريان مسطرة التحفيظ الإدعاء بحقوقه على العقار، فإن هذا الأخير يصبح مطهرا منها، ولا يمكن بعثها بعد التحفيظ وتأسيس الرسم العقاري،[12] لأن قرار التحفيظ يطهر العقار وينسبه لمن حفظ باسمه، ليس باعتباره وارثا أو موهوبا له أو مالكا، وإنما وفقط نتيجة الأثر التطهيري الناتج عن تأسيس الرسم العقاري.[13]

غير أن الإشكال الذي يثار هنا يتعلق بأصحاب الحقوق العينية الذين لم يقوموا بما يلزم لتسجيلها، أو لم يتعرضوا على مطلب التحفيظ في الوقت الذي انتهت فيه جميع إجراءات التحفيظ، ولم يصدر قرار التحفيظ بعد، فهل لا زال الباب مفتوحا أمامهم للتعرض، أم لم يبق لهم سوى الحق في التعويض؟.

أعتقد في هذا الخصوص بأن العبرة بتأسيس الرسم العقاري وليس بانتهاء إجراءات مسطرة التحفيظ، وأن قرار التحفيظ يتبلور في الواقع من خلال الرسم العقاري، وأنه من الناحية العملية يتم مراسلة مجموعة من الجهات قصد إبداء ملاحظاتها حول تحفيظ ذلك العقار قبل تأسيس الرسم العقاري، وهو الأمر الذي أكده المجلس الأعلى إذ ذهب إلى أن العقار لا يصبح مطهرا إلا من تاريخ صدور قرار التحفيظ وتأسيس الرسم العقاري، وليس من تاريخ انتهاء إجراءات  مسطرة التحفيظ،[14] وأن مجرد الحصول على قرض من البنك قبل تأسيس الرسم العقاري لا يفيد تملك طالب التحفيظ للعقار،[15] وبالتالي يمكن لكل صاحب حق عيني على العقار إدعاءه ما دام أنه لم يصدر قرار التحفيظ وتأسيس الرسم العقاري بعد.

وعموما فالشخص الذي استطاع تسجيل العقار باسمه، يصبح حائزا على سند مطلق للملكية باعتباره الحجة الوحيدة التي تؤكد صحة جميع البيانات المدونة فيها.

لكن هل يشمل قرار التحفيظ جميع البناءات والأغراس المتواجدة بالعقار، حالة عدم بيانها في مطلب التحفيظ، ومن ثم في الرسم العقاري؟.

بخصوص هذه الإشكالية ورغم وجود جانب من الفقه يذهب إلى عدم شمول قرار التحفيظ للبناءات والأغراس غير المبينة في مطلب التحفيظ، إلا أن الاتجاه الغالب يرى بأن التحفيظ يطهر العقار من الحقوق العينية غير المندرجة في رسم التمليك، وأن عدم ذكر الأبنية والأغراس برسم التمليك لا يعني أبدا جعلها عرضة لأي مطالبة من قبل الغير، إذ تعتبر ملكا خالصا لصاحب العقار الذي حفظ باسمه، وأن فسح المجال للمطالبة بهذه الحقوق غير الواردة بالرسم العقاري من شأنه أن يسمح بالمطالبة بحقوق السطحية، ومن تم المخالفة الصريحة لمبدأ التطهير.[16]

أما القضاء فهو بدوره يتبنى هذا الموقف، ويعتبر أن مالك العقار يتملك الأغراس والأبنية التي يشيدها الغير ولو عن حسن نية على العقار، سواء عند جريان مسطرة التحفيظ أو بعدها دون أن يعمل هذا الغير على تقييدها أو التعرض بشأنها، وبذلك يحق للمالك استصدار أمر من قاضي الأمور المستعجلة في إطار المادة 149 من ق.م.م بطرد المحتل لعقار محفظ بدون سند.[17]

غير أنه بالرجوع إلى المادة 13 من ظهير 12 غشت 1913 نجدها تنص على أنه:” يقدم طالب التحفيظ تصريحا للمحافظ… ويتضمن هذا التصريح لزاما:…….

ثالثا : وصف العقار المطلوب تحفيظه، وكذا بيان البناءات والأشجار الموجودة به ومشمولاته ونوعه وموقعه…”.

ومنه فعبارة “لزاما” الواردة بالنص أعلاه تعني الوجوب، وكل مخالفة لهذا الوجوب تعني بطلان التصريح، وهنا أتفق مع إحدى الباحثات التي ذهبت إلى أن تخلف إحدى هذه البيانات التي جاء بها الفصل أعلاه يخلف البطلان، وأن عدم ذكر هذه البناءات والأغراس ضمن مندرجات مطلب التحفيظ يرتب حرمان طالب التحفيظ منها.[18]

كما أنه من الناحية العملية -وفق ما يجري به العمل من داخل وكالات المحافظة العقارية بالمغرب- أن طالب التحفيظ يبين في مطلب تحفيظه نوع العقار بدقة (أرض فلاحية، أرض بها أشجار+ بئر…)، وبناء على هذه التصريحات والبيانات يتم تقييم قيمة ذلك العقار من طرف المحافظ، وأن عدم ذكر هذه البيانات من شأنه أن يؤثر على قيمة العقار المادية، وبالتالي حرمان المحافظة من مداخيل مهمة، خصوصا إذا كانت تلك البناءات والأشجار ذات قيمة عالية، إذ أن عدم التصريح بها ينم عن سوء نية طالب التحفيظ من التهرب عن أداء مصاريف التحفيظ، وأرى هنا أنه يعامل بنقيض قصده بحرمانه من تلك المنشآت وذلك بإتاحة إمكانية التعرض عليها.

وإذا كان التحفيظ العقاري بفضل أهم خاصية فيه -قاعدة التطهير– يكرس بشكل مطلق حقوق المالك المضمنة بالرسم العقاري، ويؤسس الحالة المدنية للعقار المحفظ، حيث يسهل معرفة وضعه القانوني والمادي وأصوله وتاريخه بشكل دقيق ومضبوط،[19] فإنني أتساءل عن مدى شمول التطهير لكافة الحقوق العينية التي لم يصرح بها الغير في الوقت المناسب، أم أنه يستثني بعضا من هذه  الحقوق؟.

بالرجوع إلى كل من الفصل 110 و111 و115 من ظهير 2 يونيو 1915، نجد أن الارتفاقات العقارية الناشئة عن وضعية الأماكن وكذا الاتفاقات القانونية المقررة للمنفعة العامة أو الخاصة تعتبر موجودة ولو لم يتم تسجيلها بالرسم العقاري، ومن تم فقاعدة التطهير لا يسري مفعولها على هذه الارتفاقات والحقوق المقررة لمصلحة الغير، ولو تم تأسيس الرسم العقاري دون أن يطالب بها أصحابها، وهو ما أكده المجلس الأعلى[20] في غير ما مرة، حيث أكد على أن حق المرور العائد لأرض محاطة بأرض أخرى يعتبر من الالتزامات الملقاة على عاتق المالكين تجاه بعضهم، حيث أنه خلافا للقاعدة الواردة في المادة 65 وما بعدها من ظ.ت.ع تعفي هذه الالتزامات من الإشهار في السجل العقاري.

على أنه يمكن التخفيف من حدة قاعدة التطهير عن طريق إمكانية تسجيل حق ما مرتب لفائدة الغير بعد تحفيظ العقار عن طريق اعتراف المالك المسجل بهذا الحق للمالك غير المسجل، دون أن يعترض هذا مع مبدأ التطهير، مع اعتبار أن إقرار المالك لا يعد اعترافا بحق قديم، بل إنشاء لحق جديد ولاحق على التحفيظ، لأن مبدأ التطهير لا يؤثر إلا في الحقوق السابقة على التحفيظ[21].

وفي الأخير أشير إلى أن قرار التحفيظ يقطع كل صلة بماضي العقار، ويؤسس حالة مدنية جديدة منظفة ومطهرة للعقار من كل الشوائب،[22] ويؤسس على غراره -قرار التحفيظ- الرسم العقاري الذي يعتبر حجة نهائية تجاه الكافة دون إمكانية إثبات ما يخالفها.

أما بخصوص مشروع قانون مراجعة التحفيظ العقاري[23] الذي لم يكتب له الظهور لحد الآن فإنه جاء بمستجدات بخصوص مبدأ أو حجية التطهير من خلال المادة 77 منه وما يليها، تتجلى في إدخال مجموعة من الاستثناءات على هذا المبدأ وتعاملت معه بنوع من المرونة، حيث قررت بأن التطهير لا يسري على الحقوق غير المدلى بها حالة التدليس والزور، إذ يتم إرجاع العقار لمالكه الحقيقي مع فرض جزاءات على المخالف لصالح المالك وصندوق التأمينات، كما لا يسري المبدأ التطهيري على الحقوق التي تلقاها الغير مباشرة من طالب التحفيظ. ورغم أهمية هذه المستجدات التي جاء بها المشروع أعلاه فيؤخذ عليه مجموعة من النقائص التي سأوردها في حينها.

وإذا كان الوجه السلبي لقاعدة التطهير يتمثل في تطهير الملك من كافة الحقوق غير المندرجة في الرسم العقاري، فإن هناك أثرا إيجابيا لقرار التحفيظ، يتجلى في نهائية الرسم العقاري وعدم قابليته للطعن،[24] وهو ما سأتناوله في الفقرة الموالية.

الفقرة الثانية : الحجية القانونية من خلال نهائية الرسم العقاري وعدم قابليته للطعن:

إن التسجيل  بالرسم العقاري يكسب الحق المسجل مناعة مطلقة تجاه الكافة، إذ لا يمكن اكتسابه عن طريق التقادم سواء تعلق الأمر بالتقادم المكسب أو المسقط،[25] حيث يصبح في منأى عن أي طعن بفضل الصفة النهائية التي يكتسبها، إذ يكشف نقطة الانطلاق الوحيدة لجميع الحقوق العينية وكذا الارتفاقات العقارية المثقل بها العقار أثناء تحفيظه وفق ما نصت عليه المادة 62 من ظ.ت.ع.

كما أن حيازة العقار المحفظ مهما طالت مدتها، فإنها لا تكسب صاحبها التملك بسبب المناعة المطلقة التي يضفيها التحفيظ على العقار، (المادة 63 من ظ.ت.ع).[26]

فرسم الملكية إذن يصبح بمجرد التحفيظ نهائيا وغير قابل للطعن، وبعبارة أخرى فلا أحد يمكنه الاحتجاج على تحفيظ العقار تحت ذريعة تضرر حقوقه، حيث يبقى له فقط دعوى شخصية للتعويض عن الضرر حالة التدليس.[27]

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع التونسي ينص على نفس المقتضى المنصوص عليه في التشريع المغربي بخصوص التقادم، إذ لا يؤثر مرور الزمن على الحقوق المرسمة بالصك العقاري.[28]

أما بالنسبة للتشريع الألماني فإنه خالف هذا المقتضى بأن جعل إمكانية اكتساب العقار المحفظ بالتقادم واردة من خلال المادة 927 من القانون الألماني، مع تطلبه لشرط حيازة الغير لذلك العقار مدة 30 سنة، مقابل رفع دعوى لتقرير سقوط حق المالك السابق، وهذه الإمكانية مخولة في الحالة التي يكون فيها المالك الأصلي توفي أو كان غائبا ولم يجر أي تصرف بموافقته في السجل العقاري منذ 30 سنة.[29] وهدف المشرع الألماني من هذا المقتضى يتجلى في استغلال ذلك العقار وعدم تركه عرضة للجمود بسبب غياب أو وفاة المالك، في الوقت الذي يكون الناس في حاجة إليه.[30]

غير أنني أعتقد بأنه من شأن هذه الإمكانية المخولة للغير والمتمثلة في اكتساب الملك بالتقادم، أن تجعل هاجس الخوف والقلق من الترامي الذي كان يلازم المالك قبل تحفيظ عقاره أن يرافقه حتى بعد تحفيظه، وهو ما يعد  في نظري ضربا في القوة النهائية للرسم العقاري.

هذا ويذهب بعض الفقه إلى أنه يجب وضع استثناءات على هذه الإطلاقية في حالات يطبق فيها التقادم وذلك مسايرة للفقه الإسلامي وبعض التشريعات المقارنة.[31] وكذا توخيا لعدم تجاوز التحفيظ للأهداف الاجتماعية التي وضع من أجلها.[32]

ويضيف الأستاذ العربي مياد مؤيدا لنفس التوجه بأن الصيغة النهائية لقرار التحفيظ غير مبررة، وبالتالي فقرارات المحافظ العقاري باعتبارها قرارات إدارية يجب خضوعها للطعن، شأنها شأن القرارات الإدارية، فدستور المملكة يقدس حق الملكية، ومنه فلا يمكن إعطاء الضوء الأخضر للمحافظ للدوس عنه بمجرد خطأ مقصود أو غير مقصود، وعليه فالأستاذ يقترح على الأقل ألا يصبح قرار التحفيظ نهائيا إلا بعد مرور مدة زمنية على نشره في الجريدة الرسمية.[33] هذا ويغالي البعض الآخر في وصف قرار المحافظ في نهائية وعدم قابليته للمراجعة أو الطعن بسلطات صاحب الجلالة المستمدة من الدستور، رغم الانتقادات الموجهة لهذا الموقف.[34]

أما فيما يخص القضاء فنجد المحاكم الإدارية وإن كانت تقبل الطعن بالإلغاء ضد قرار المحافظ باعتباره قرارا إداريا فإنه لا يتجاوز أن يكون قبولا من حيث الشكل فقط، إذ أنها بعد البث في الموضوع تطبق المقتضيات الحرفية للفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع[35] وهو نفس توجه المجلس الأعلى الذي أكد على أنه:”…للتحفيظ طابعا نهائيا، وأنه يسري في مواجهة الكافة…”.[36]

وأعتبر شخصيا أن كل محاولة لضرب المبادئ الأساسية التي تقوم عليها مؤسسة التحفيظ العقاري باعتبارها الجوهر والمحور الذي تدور في فلكه باقي القواعد  الأخرى، من شأنها أن تفرغ هذه المؤسسة من معناها الحقيقي، فأنا لا أختلف مع إمكانية الطعن في قرار التحفيظ، ولكن ضرورة  عقلنة هذا الطعن، ومنه فأقترح أن يتم الطعن في قرار المحافظ داخل أجل 6 أشهر فقط من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية، شرط ألا يخرج من يد الشخص الذي تم التحفيظ لصالحه، وضرورة ارتباط التحفيظ بواقعة التدليس، وتبرير هذا الأجل القصير يرجع للسرعة التي تعرفها السوق العقارية، وماله من تأثير على بعض العمليات كالائتمان العقاري وتسنيد الديون الرهنية، كما أن العقار قد ينتقل من مالك لآخر مع ما يستتبع ذلك من تغيير قد يحدث في جوهر العقار.

ويعترضنا في مجال نهائية الرسم العقاري وعدم قابليته للطعن إشكال يتعلق بمدى انطباق هذه الأخيرة على الرسم العقاري -الإبن- المستخرج من الرسم العقاري الأصل؟.

بخصوص هذه النقطة يجيبنا الأستاذ العربي مياد، بأنه رغم كون هذه الرسوم المستخرجة رسوم جديدة فإنها لا تسري عليها المقتضيات القانونية الواردة بالمادة 62 من ظ.ت.ع بخصوص عدم القابلية للطعن، وإنما تدخل في إطار الفصل 65 من ظ.ت.ع في باب إشهار الحقوق العينية المقامة على العقارات المحفظة، وبالتالي فهي قابلة للتشطيب.[37]

وعموما، فالحيازة مهما طالت مدتها، فلا تكسب الحائز ملكية العقار المحفظ، ولا يستطيع الحائز إدعاء ملكية العقار عن طريق التقادم، وفي المقابل تسمع دعوى استحقاق مالك العقار المسجل اسمه بالرسم العقاري مهما طالت مدة انقطاع حيازته، كما أن هذه المناعة يكسبها العقار في تركيبته المتكاملة من أرض وأغراس وبناءات ولا تقتصر على الأرض.[38]

وانطلاقا من كل ما سبق، فنهائية الرسم العقاري وعدم قابليته للطعن، وكذا استحالة اكتسابه بالتقادم، تتضافر لتشكل وحدة متناسقة مع سابقتها -قاعدة التطهير- لتجعل من الرسم العقاري حجة مطلقة ونهائية، وتجعل  صاحب العقار مطمئنا على ملكه، كما يجعل الغير المتعامل مع المالك الحقيقي يطمئن إليه، وبذلك تتبلور كل هذه الخصائص لتجعل من التحفيظ العقاري مؤسسة قانونية قادرة على ضبط الوضعية المادية والقانونية للعقار، مما يسهل تداول العقارات في السوق العقارية، ومن تم تحقيق الائتمان العقاري والاستثمار المؤسس على قاعدة صلبة وقوية.

وهو الأمر الذي اعتبره بعض الباحثين يندرج ضمن إيجابيات التحفيظ، حيث أن هذه الخصائص تنفي أي غموض أو احتمال حول العقار وحدوده، كما أن المتعامل مع العقار إنما يتعاقد مع المالك الحقيقي للعقار، وحول حقوق ثابتة ومستقرة وغير مشبوه فيها.[39]

غير أن هذه الآثار بوجه عام، وقاعدة التطهير بوجه خاص، أثارت الكثير من الردود من بين معارض لها من حيث كونها غير مبررة ولا تتلاءم مع وضع المجتمع المغربي، ومؤيد باعتبارها تخدم مصالح الناس في تحقيق الأمن من الزور والاطمئنان على ملكياتهم، وهو الأمر الذي ارتأيت أن أبحث فيه (في المطلب الموالي) للوقوف على مدى جدية هذه الاتجاهات حتى نتعرف على حقيقة هذه القاعدة.

المطلب الثاني: قاعدة التطهير من منظور الفقه والقضاء المغربي:

لقد تضاربت آراء الفقه بخصوص مدى شرعية قاعدة التطهير، فالبعض يذهب بصريح العبارة إلى اعتبارها مقتضيات ظالمة، وأنها مخالفة بشكل واضح لقواعد الشريعة الإسلامية، أما البعض الآخر فيسير نحو اعتبارها مبررة، وأن المصلحة الاجتماعية اقتضت تأمين مصالح الناس من الترامي والاحتلال غير المشروع، ومن تم ضرورة وضع قواعد حاسمة في هذا المجال ترسيخا لحق الملكية التي قدسها الدستور، (الفقرة الأولى).

أما بخصوص القضاء بمختلف درجاته، فقد عرف عدة انعطافات في توجهه، فمرة يعتمد التطبيق الحرفي لمقتضيات قانون التحفيظ العقاري، وأخرى يحاول التعامل بنوع من المرونة، إذ ينحرف عن المبدأ بإدخال استثناءات على القاعدة، (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: موقف الفقه القانوني من قاعدة التطهير:

إن قاعدة التطهير ومفعولها القوي، الذي يبيد كل الحقوق غير المندرجة بالرسم العقاري، ولا يعترف إلا بما هو مسجل فيه، كانت ولا زالت محط نقاش قوي، حيث انقسم الفقه بشأنها إلى اتجاهين:

فالاتجاه المعارض لقاعدة التطهير يبني توجهه في عموميته بأن الرسم العقاري يؤسس على مجرد قرار إداري، يجب أن يخضع للشروط التي تخضع لها باقي القرارات الإدارية، كما أنه قد يِِِؤسس بناء على الغش والتدليس وعلى حساب الغير(أولا).

أما الاتجاه المؤيد لهذه القاعدة، فيؤسس رأيه اعتمادا على ضرورة حماية جانب الائتمان العقاري وحماية الملكية من الإدعاء والاعتداء، وبالتالي ضرورة تقديس قاعدة التطهير (ثانيا).

أولا : الاتجاه المعارض:

من خلال استقراء آراء ومبررات هذا التوجه، نجد أن هناك بعض الفقه يوجه انتقادات لاذعة لقاعدة التطهير، في حين نجد البعض الآخر ينادي بضرورة إدخال تعديلات عليها فقط.

فنجد من بين المتشددين في هذا الخصوص من يعتبر أن الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع  جاءا بمقتضيات ظالمة، الهدف الأساس من ورائها هو زرع المستعمر وإقرار السياسة الاستيطانية الفرنسية بالمغرب إبانها، وبالتالي ضرورة إعادة النظر في هذه المقتضيات.[40]

غير أنني أعتقد بأن هذا الفقه قد غالى كثيرا في توجهه، وكون قاعدة التطهير مقتضى ظالما يترتب عليه بالتبعية اعتبار نظام التحفيظ العقاري في شموليته نظاما ظالما لأنه يقوم أساسا على قاعدة التطهير، وأنه وإن تضررت مصالح قليلة فلا ينبغي أن  نبني عليها قرارا كهذا.

في حين يذهب البعض الآخر في نفس التوجه ويصف قاعدة التطهير بالنفاق والعبثية ومخالفة الشريعة الإسلامية، إذ أن هذه القاعدة لا تتلاءم بالبت والمطلق مع واقع المجتمع المغربي، وأن الأسباب الحقيقية من وراء سنها هي تسهيل تملك الأراضي للأجانب من أجل توطيد السلطة الاستعمارية بالمغرب، كما يرجع هذه الأسباب إلى صعوبة تطبيق القانون المغربي وجهله من قبل المستعمر، ومن تم ضرورة إبعاده واستبداله بقانون آخر.

وبذلك فهو-هذا الفقه- ينادي بضرورة إحلال مفهوم جديد لقاعدة التطهير يتلاءم وبيئة الشعب المغربي من خلال تجميد مفعولها حالة الغش والغلط وكذا حصر أثر التطهير في حدود صحة تقييدات الدفاتر العقارية.[41]

أما التيار الثاني وإن كان بدوره يعارض قاعدة التطهير، فإنه يحاول إدخال إصلاحات على هذه القاعدة، وهكذا نجد الأستاذ العربي مياد[42] يرى بأنه من غير المنطقي التركيز على الإشهار في المراحل المصاحبة لمسطرة التحفيظ مع إغفاله فيما يخص قرار المحافظ المنتج لقاعدة التطهير من الإشهار، ويطالب بضرورة تعديل الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع وذلك من خلال إمكانية الطعن في الرسم العقاري بعد نشره في الجريدة الرسمية بمدة معينة، وهو نفس التوجه الذي نهجه أحد الباحثين إذ ارتأى ضرورة فتح المجال أمام المتضررين من عملية التحفيظ والسماح لهم بالطعن في قرار التحفيظ أو التشطيب على ما سجل بالرسم العقاري حالة اعتراض المتضرر لعائق مادي أو غلط أو تدليس أدى إلى تحفيظ العقار باسم المدلس.[43] غير أن فتح المجال لأي تدخل كيفما كان شكله بعد تأسيس الصك العقاري قد يؤدي إلى ظهور التعرضات من جديد، وهو ما قد يؤثر على صاحب الرسم العقاري خصوصا بعد الأشواط الطويلة التي قطعتها مسطرة التحفيظ والتي قد تصل إلى سنين عديدة وما صاحبها من مصاريف على حساب طالب التحفيظ.

أما البعض الآخر فيذهب إلى أن مسطرة  التحفيظ بجميع مراحلها لا تبرر الحجية المطلقة لقرار التحفيظ، باعتبار أن مطلب التحفيظ تعبير عن إرادة واحدة، كما أن  وسائل الإشهار المعتمدة في مسطرة التحفيظ، لا تكفي لتنوير الغير، وهذه الحجية تحمي بالدرجة الأولى المالك الظاهر على حساب المالك الحقيقي، وهو ما يتعارض مع مبادئ العدالة والأخلاق.[44] فالخطأ محتمل في أية مرحلة، سواء من قبل طالب التحفيظ أو المحافظ العقاري أو الموظفين التابعين له، والذي يمكن أن يكون ذا آثار خطيرة بعد تأسيس الرسم العقاري من شأنها أن تعصف بحقوق الغير، ومن تم عدم تقديس قرار المحافظ وحجبه عن أي طعن[45].

وأشير في الأخير إلى أن هذا التوجه يلامس في بعض جوانبه نظام “تورانس” إذ أن هذا الأخير يسمح بإمكانية الطعن في السند العقاري، في الحالات التالية:

– حالة الغش، شرط أن توجه الدعوى ضد الشخص المسجل اسمه بالرسم العقاري (أي عدم انتقال العقار إلى شخص آخر).

-حالة تصحيح الخطأ في التحديد.

– الدعوى المرفوعة من الشخص الذي يحمل شهادة سندية سابقة.[46]

وهو نفس المسار الذي ذهب فيه واضعو مشروع مراجعة قانون التحفيظ العقاري لسنة 1997، حيث أن المادة 77 منه استثنت حالة التدليس أو الزور حيث يمكن إعادة العقار لمالكه وكذا عدم سريان التطهير على حقوق الخلف الخاص.

وعموما فهذا الاتجاه المعارض لقاعدة التطهير قد بالغ كثيرا، إذ أن قاعدة التطهير هي أساس الاستثمارات الفلاحية والسياحية، وكذا تشجيع الائتمان العقاري والذي يحتاج لأرضية صلبة بعيدة كل البعد عن النزاعات والشوائب.[47]

ثانيا: الاتجاه المؤيد:

هذا التوجه بدوره نجد فيه من يتمسك ويقدس قاعدة التطهير، ومنه يعترف بشرعية قاعدة التطهير لكن مع استحسان التلطيف مع حدتها.

وعليه فيرى البعض بأن السماح للغير بالطعن في الرسم العقاري يؤدي بالضرورة إلى شرخ المناعة القانونية المطلقة التي أضفاها المشرع على الصك العقاري، فالمتضرر من التحفيظ يكون قد ضيع فرصة الدفاع عن نفسه من خلال المسطرة الطويلة للتحفيظ وما صاحبها من عمليات إشهارية فيتحمل بالتالي تبعات إهماله.[48]

وهو ما أكدته الأستاذة سعاد عاشور[49] بأن نظام السجل العقاري المغربي، يقوم بالأساس على الاستقرار في الملكية العقارية بعد تطهير الحقوق وإعطاء مندرجات السجل العقاري الحجية المطلقة، ومنه فأي طعن في حجية الرسم العقاري يجعل العقار محل ادعاءات من قبل الأطراف مما سيفقد مسطرة التحفيظ كل أهميتها.

أما بالنسبة لجانب آخر، فنجده يتعصب وينتصر لمبدأ التطهير إذ يحث على وجوب تأييد هذا المبدأ مهما بلغت الأضرار الناتجة عنه، فالعيب كما يقول هذا الفقه ليس في قاعدة التطهير وإنما في الشخص الذي استعمل التدليس، وبالتالي يجب ردع هذا الشخص سيء النية، كما يضيف هذا الفقه بأنه يخالف تماما الرأي القائل بالتخفيف من آثار التطهير النهائية بوضع استثناءات عليها، لأن ذلك يزعزع الملكية ويفقد من قيمتها.[50] فكيف يمكن تصور تنمية قائمة على أرضية مهزوزة وعرضة لأي اعتداء من شأنه أن يعصف باستثمارات تكون قد قطعت أشواطا مهمة؟ وأي مغزى يبقى لمسطرة التحفيظ بجميع   مراحلها، والوقت الطويل الذي تقطعه، إذ سمحنا بالطعن في قرار التحفيظ.[51]

فمسطرة التحفيظ وأشواطها الطويلة والمعقدة هي المبررة لشرعية قاعدة التطهير وهي ضمان لحقوق ومصالح الغير وحجة عليهم في نفس الوقت.[52]

فالأثر التطهيري ضروري إذن لتطهير العقار، إذ يسمح له بالانطلاق من نقطة الصفر في ظل نظام التحفيظ العقاري وانقطاع قاطع مع ماض ملغى.[53]

وأعتقد بأن هذا التوجه بدوره يغالي في تقديس قاعدة التطهير، لأن هذه الأخيرة يتجلى دورها الرئيس في تطهير العقار من كل الحقوق والإدعاءات غير المندرجة بالرسم العقاري، وأن أي تمديد لهذا المفعول التطهيري لمدة معينة بعد تأسيس الرسم العقاري ونشره في الجريدة الرسمية لن يزيد سوى من صلابة هذه القاعدة وشرعيتها.

غير أن هذا التوجه انبثق عنه فقه يرى بأن قاعدة  التطهير لا تخالف مبادئ الشريعة الإسلامية اعتمادا على مجموعة من الدراسات الفقهية التي قام بها فقهاء الشريعة الإسلامية، من خلال  قياس مبدأ التطهير الوارد بقانون التحفيظ العقاري على حجية الأحكام القضائية في إطار الشريعة الإسلامية[54]، حيث خلص هذه الفقه إلى عدم مخالفة أثر التطهير لمبادئ الشريعة الإسلامية، وطالب بإدخال ضمانات جديدة بخصوص مسطرة التحفيظ من أجل تبسيطها وجعلها مسطرة قضائية فقط، ولذلك فهو يستحسن التلطيف من قاعدة التطهير.[55]

وانطلاقا من كل ما سبق، أعتقد شخصيا بأن قاعدة التطهير ضرورية في نظام التحفيظ العقاري، بل هي الأساس الذي ينبني عليه نظام التحفيظ ككل، وبالتالي فكل محاولة للحد من فعالية هذا المبدأ ينتج عنه بالضرورة مراجعة مجموعة من القواعد التي تنبني بدورها على قاعدة التطهير، وهذا لا يعني أنني أعارض إدخال استثناءات  على هذه القاعدة ولكن يجب أن تكون جد محدودة، سواء حيث الزمن أو الأطراف أو الحالات.

أما القضاء فهو بدوره يعرف تضاربا في شأن تطبيق مقتضيات الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع، وهو ما سأتناوله في الفقرة الموالية.

الفقرة الثانية: قاعدة التطهير من خلال العمل القضائي:

إن المتتبع للاجتهاد القضائي بمختلف درجاته بخصوص قاعدة التطهير، وسواء في الفترة الاستعمارية أو خلال مرحلة الاستقلال يجد اختلافا وتضاربا في هذا الاجتهاد من حيث نطاق قاعدة التطهير وتطبيقها على الأطراف.

وهكذا ظلت محاكم الموضوع في تضارب من حيث شمول قاعدة التطهير للكل أم أنها تستثني من ذلك البعض، حيث ذهبت بعض هذه المحاكم إلى أن هذه القاعدة تطبق على كل من لم يدل بادعاءاته أثناء مسطرة التحفيظ دون استثناء، أما البعض الآخر فإنه يستثني الخلف الخاص من تطبيق الأثر التطهيري ليشمل فقط الغير الذي لا تربطه بطالب التحفيظ رابطة.[56]

وهكذا يمكن أن نميز بين فترتين مهمتين: المرحلة الاستعمارية والتي شكلت من خلالها محكمة النقض الفرنسية سنة 1956 نقطة انعطاف في توجه القضاء، ومرحلة الاستقلال التي أدى من خلالها المجلس الأعلى دورا مهما في توحيد الاجتهاد  القضائي على مستوى المحاكم المغربية.

– أولا: المرحلة الاستعمارية:

هذه المرحلة عرفت ازدواجية في العمل القضائي، حيث نجد مجموعة من المحاكم عملت على الحد من مفعول الأثر التطهيري ليشمل فقط الغير الذي لا تربطه مع طالب التحفيظ رابطة لا من قريب ولا من بعيد، ومقابل ذلك نجد محاكم أخرى عملت على تعميم هذا المبدأ على جميع المتعاملين مع طالب التحفيظ.

أ_الاجتهاد القضائي المخفف من حدة الأثر التطهيري :هذا التوجه القضائي عمل على تقليص مبدأ الأثر التطهيري ليشمل فقط الغير، أما الخلف الخاص فلا يتأثر بقاعدة التطهير.

وأمثل لهذا الاجتهاد بقرار صادر عن محكمة الاستئناف بالرباط، والذي تتلخص وقائعه في تقدم شخص يملك عقارا مناصفة مع شريكه بمطلب تحفيظ، غير أنه اقتصر على تحفيظه باسمه فقط دون الإشارة إلى شريكه، وبعد استنفاذ جميع إجراءات مسطرة التحفيظ أصدر المحافظ قراره بتحفيظ العقار باسم طالب التحفيظ.

فقام بعد ذلك الشريك الثاني بطلب قصد تسجيل حقه على العقار، فاستجابت محكمة الاستئناف للطلب بالاعتراف للشريك بحقه، وأكدت على أن التحفيظ لا ينال من حق الشريك.[57]

وهو الأمر الذي أكدته مرة أخرى المحكمة الابتدائية للدار البيضاء، معتبرة بأن قرار التحفيظ لا يحول دون تسجيل حقوق الورثة في الرسم العقاري، إذ أن هذه الحقوق تظل موجودة في مواجهة المدعى عليه دون أن يشملها الأثر التطهيري، فهذا الأخير يسري على الغير فقط.[58]

وأعادت محكمة الاستئناف نفس الكرة،  حيث أكدت مرة أخرى بأن نهاية الرسم العقاري لا تحول دون مطالبة الخلف الخاص بحقوقهم الضائعة والمستمدة من عقد سابق على التحفيظ، شرط ألا تؤثر هذه الالتزامات على الحقوق التي منحها المالك المقيد للغير بعد التحفيظ، بمعنى أن يكون العقار المحفظ لا زال بيد طالب التحفيظ الأول.[59]

فمن خلال هذا التوجه القضائي الذي يذهب إلى أن قاعدة التطهير وإن كانت تجعل الرسم العقاري نهائيا ومطهرا فإنها لا تنال من حقوق الخلف الخاص، وأعتقد شخصيا بأن هذا الخروج عن المبدأ كانت تقتضيه ظرفية المجتمع المغربي آنذاك، من حيث جهله بقواعد التحفيظ العقاري، سواء من حيث المسطرة والآجال…بل أن الكثير من المغاربة -خصوصا في البوادي- كانوا يجهلون مؤسسة قانونية اسمها التحفيظ العقاري.

ويقول بعض الفقه في تفسيره لهذا التوجه باستناد المحاكم على القاعدة الأخلاقية لإبطال تسجيل القيد المسجل بسوء نية أو بتواطؤ أو باستعمال التدليس، فإذا فوت شخص (أ) عقاره لشخص (ب) وقبل أن يقوم هذا الأخير بتسجيل شرائه، قام (أ) ببيعه مرة أخرى  إلى شخص آخر (ج)، وسبق هذا الأخير إلى تسجيل شرائه، ففي هذه الحالة تلعب القاعدة الأخلاقية دورا مهما لإبطال تسجيل عقد (ج). وبالتالي فلا يمكن إبطال عقد(ج) لكون عقد (ب) سابقا عليه، وإنما إبطاله لأسباب أخرى أهمها سوء النية، ومن خارج السجل العقاري.[60]

غير أن استمرارية تطبيق قانون التحفيظ العقاري أفرزت اجتهادات قضائية التزمت بتطبيق حرفية قوانينه وخاصة الفصلين 2 و62 منه، بحيث قضت بأن قاعدة التطهير تطبق إزاء الكافة.

ب-الاتجاه القضائي المؤيد لقاعدة التطهير: باستقراء اجتهادات هذا التوجه نجد أنه وبمجرد صدور قرار التحفيظ يصبح نهائيا في مواجهة الكافة، دون إمكانية مراجعته بالطعن، حيث أن قاعدة التطهير يواجه بها الخلف الخاص والغير على حد سواء.[61] بل ذهبت محكمة الاستئناف إلى اعتبار أن قاعدة التطهير تسري حتى على القاصرين الذين قام عمهم بتحفيظ العقار باسمه لوحده.[62] كما أن المشتري الذي لم يدل برسم شرائه أثناء مسطرة التحفيظ، يعتبر لاغيا بمجرد صدور قرار التحفيظ، حيث يبقى للمشتري فقط الحق في طلب التعويض.[63]

وعموما فمن خلال هذين التوجهين الأخيرين نجد أن محاكم الموضوع لم تكن مستقرة على موقف واحد وموحد إلا في بداية الاستقلال، من خلال تدخل محكمة النقض الفرنسية في الحسم في سبع قرارات متتابعة ابتداء من سنة 1956،[64] أيدت من خلالها موقف محكمة الاستئناف بالرباط، بخصوص شمول قاعدة التطهير على الكافة دون تمييز بين الخلف الخاص والغير، وهو الموقف الذي استقر عليه المجلس الأعلى منذ تأسيسه بكيفية مطلقة.[65]

 – ثانيا: مرحلة الاستقلال:

 كما سبقت الإشارة، فالمجلس الأعلى استقر منذ بدايته على شمول قاعدة التطهير وسريانها إزاء الكافة، وهكذا ذهب في قرار له إلى أن:”…إقامة الرسم العقاري له صبغة نهائية لا تقبل الطعن ويحسم كل نزاع يتعلق بالعقار، ولا يمكن الاحتجاج بأي حق عيني سابق على التحفيظ لم يسجل على الرسم العقاري…”[66] بل ذهب إلى حد القول بـ :” أنه لا وجود لأي حق عيني يتعلق بعقار محفظ حتى بين المتعاقدين إذا لم يكن مسجلا بالرسم العقاري، وشهادة الموثق لا تكف لإٌثبات تملك حق عيني لم يتم تسجيله بالرسم العقاري…”.[67]

وتطبيقا لذلك عمل المجلس الأعلى على إصدار قرار ينص من خلاله على طرد المحتل لعقار محفظ بدون سند، ما دام أنه غير مسجل بالرسم العقاري، ولو تملك أي عقد أو وثيقة تدل على تملكه لذلك العقار.[68]

على أن أهم قرار للمجلس الأعلى في هذا الشأن هو الذي ذهب من خلاله إلى اعتبار الفصل 2 من ظ.ت.ع يتضمن قواعد آمرة مرتبطة بالنظام العام العقاري، ومن تم يجب أن تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها، كلما تبين لها أن الحق المدعى به تطهر منه العقار نتيجة التحفيظ،[69] وأنه لا يخول لصاحبه سوى التعويض، وفي حالة التدليس فقط طبقا للفصل 63 من ظ.ت.ع.[70] مع اعتبار أن ذلك لا يحول دون المطالبة بالحقوق الجديدة اللاحقة على التحفيظ،  حيث أنه إذا أقر بها المالك يمكن تسجيلها بالرسم العقاري.

فالتحفيظ العقاري إذن يجعل العقار مطهرا من جميع الحقوق غير المدلى بها طبقا للفصلين 2 و62 من ظ. ت.ع.[71]

ورغم أن التوجه الغالب على مستوى محاكم  المغرب هو الذي يسير نحو اعتبار التطهير يسري إزاء الكافة، إلا أن هناك بعض المحاكم التي نحت غير هذا المنحى، ونجد من ذلك؛ ما ذهبت إليه ابتدائية وجدة في قضية ارتأت من خلالها بأن الرسم العقاري أنشئ بصفة غير قانونية قبل استيفاء اليمين المعلق عليها الحكم ، وذهبت إلى عدم إمكانية مواجهة المدعي بمقتضيات الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع، وبذلك استجابت لطلب المدعي الرامي إلى التشطيب على الرسم العقاري و توجيه الأمر إلى المحافظ العقاري قصد القيام بالتشطيب على الرسم.[72] وهو ما أكد عليه المجلس الأعلى بأن المشتري باعتباره خلفا خاصا لنفس طالب التحفيظ الذي تحول مطلبه إلى رسم عقاري لا يواجه كالخلف العام اعتمادا على الفصل 62 من ظ.ت.ع.[73]

وبالتالي فلا يمكن اعتبار المشتري لحقوق مشاعة في عقار محفظ محتلا بدون سند اعتبارا لعدم تسجيله لرسم شرائه بالرسم العقاري.[74]

وانطلاقا مما سبق، نجد أن الاجتهاد القضائي بدوره عرف تضاربا بشأن تطبيق قاعدة التطهير، رغم أن التوجه السائد هو المطبق لحرفية النصين 2 و62 من ظ.ت.ع، وهو الأمر الذي يسمح لنا بالقول بأن المحاكم المغربية لا زالت وفية للقاعدة القانونية في الوقت الذي يعول عليها في التخفيف -المعقلن والمشروط- من حدة قاعدة التطهير، لتبقى هذه الأخيرة هي الواجبة التطبيق.

وهو الأمر الذي يوحي بكون قاعدة التطهير قاعدة آمرة، لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، مما يضفي عليها صبغة النهائية، مع ما يمكن أن يترتب عليها من ضرر يصيب الغير في حقوقه، ولذلك قرر المشرع إمكانية التخفيف عنه -المتضرر-  من خلال فرضه لتعويض عن الحقوق المعدمة، وهو ما سأتناوله في المبحث الموالي.

المبحث الثاني: الطبيعة القانونية لقاعدة التطهير ومكنة التخفيف من حدتها:

من خلال التأمل في الصيغة التي جاء بها الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع ومن خلال العمل القضائي الملتزم في غالبيته بالتطبيق الحرفي لهذين النصين، نستنتج أن الأمر يتعلق بقاعدة تطبق في مواجهة العامة دون استثناء، وهو ما يشير إلى أن الأمر يتعلق بقاعدة  قانونية آمرة، غير أنه وبحكم مجموعة من الاعتبارات والمرتبطة بشكل خاص بالمصلحة العامة وتوابعها، فإن قاعدة التطهير تعرف بعض الاستثناءات إذ لا تطبق على أشخاص القانون العام. (المطلب الأول).

واحترازا لما يمكن أن يحدث من أضرار نتيجة تحفيظ عقار يرجع لملكية الغير، قرر المشرع جبر ضرر المتضررين من التحفيظ، والتخفيف من حدة قاعدة التطهير من خلال إمكانية رفع دعاوى شخصية بأداء تعويضات حالة التدليس طبقا للفصل 63 من ظ.ت.ع… كما يمكن أيضا تصحيح الأخطاء المادية العالقة بالرسم العقاري من قبل المحافظ العقاري كما نص على ذلك الفصل 29 من القرار الوزيري لـ 3  يونيو 1915. ( المطلب الثاني).

المطلب الأول: تكريس قاعدة التطهير والاستثناءات الواردة عليها:

كرس كل من الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع قاعدة مطلقة ونهائية وغير قابلة للطعن والتقادم، لاعتبارات تتعلق بضرورة ضبط الملكية وتأسيس قاعدة عقارية ثابتة تخدم الأمن والائتمان العقاري والاستثمار وتحقيق الاستقرار الاجتماعي، فالأمر كما يتضح يتعلق بقاعدة آمرة تتعلق بالنظام العام العقاري لا يجوز الاتفاق على مخالفتها (الفقرة الأولى).

وخروجا عن المبدأ كما هو مقرر في العديد من القوانين، قرر المشرع مجموعة من الاستثناءات، إذ لا تسري قاعدة التطهير على بعض الأنظمة العقارية الخاصة والمخصصة للمنفعة العامة. (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تكريس قاعدة التطهير:

بالرجوع إلى الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع نجدهما ينصان بصراحة ووضوح على أنه يترتب عن التحفيظ إقامة رسم للملكية مطهر من كل ما لم يدون فيه، ونهائي لا يقبل الطعن، واعتباره كاشفا لنقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية والتكاليف الواقعة على العقار وقت تحفيظه.

ومن خلال المادة 62 من ظ.ت.ع نجدها افتتحت بعبارة “إن رسم الملك” مما يفيد تأكيد وتقرير ما جاء بعدها، الأمر الذي أستخلص منه بأن عبارات النصين تحملان في طياتها قاعدة آمرة، وكل اتفاق على ما يخالفها يقع باطلا.

فالمشرع اعتبر العقار المحفظ بمثابة الحقيقة الثابتة التي لا تقبل التقادم ولا الطعن، ولو تم التحفيظ على حساب مصالح أطراف أخرى، ليبقى للمتضرر سوى المطالبة بالتعويض وحالة التدليس فقط.[75]

فقرار التحفيظ وما ينتج عنه من تطهير للملك، يعتبر أخطر قرار على الإطلاق، فكما يذهب البعض، فنصوص القوانين وحتى الدساتير يمكن أن تكون محل مراجعة من قبل المشرع، والقرارات الإدارية بدورها تقبل الإلغاء باستثناء قرار التحفيظ الذي يكون نهائيا وقطعيا .!![76]

وهو الأمر الذي أكد عليه القضاء، إذ ذهب إلى اعتبار :”… أن المقتضيات المنصوص عليها في الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع التي بنى عليها المجلس قضاءه، وكذا المنصوص عليها في الفصل 64، الذي يمنع إقامة أية دعوى بحق عيني تطهر منه العقار بالتحفيظ، ولا يبقى للمتضرر إلا أن يطالب بالتعويض، تتضمن قواعد آمرة لها صلة بالنظام العام العقاري يجب أن تثيرها المحكمة تلقائيا كلما تبين لها أن الحق المدعى به قد تطهر منه العقار بالتحفيظ…”[77] وهو ما أكدته أيضا استئنافية الرباط من قبل، بكون تأسيس الرسم العقاري يطهر العقار من جميع العقود غير المدلى بها لدى المحافظة العقارية، واعتبرت بأن عبارات الفصلين 2 و62 من ظهير 12 غشت 1913 صريحة ولا تقبل أي مخالفة لهذه القاعدة المطلقة.[78]

كما أن قرار التحفيظ من زاوية كونه غير معلل ولا قابل للطعن اعتبره البعض قرارا نهائيا، وبمثابة “قانون فردي ومشخص “صادر عن سلطة إدارية، ولا يمكن إطلاقا إلغاؤه أو تغييره أو سحبه، ولو عن طريق قرارات قضائية نهائية ومخالفة.[79] وهو ما اعتبره البعض الآخر بمثابة السلطة الثانية المتمتعة باختصاصات واسعة ومطلقة وأنها تأتي بعد سلطات صاحب الجلالة حالة الاستثناء.[80]

غير أن الإشكال الذي يثار هنا، هو اعتبار أن قاعدة التطهير بمثابة قاعدة آمرة، وهو ما يعني أنه لا يجوز الاتفاق على مخالفتها،  غير أن الذي يحدث هو أنه بعد تأسيس الرسم العقاري يمكن لمن أسس باسمه الرسم أن يتفق مع الغير-صاحب حق عيني على العقار- تسجيل حق ناشئ قبل التحفيظ، فهل يعتبر هذا التصرف بمثابة اتفاق أو تحايل على مخالفة قاعدة قانونية آمرة؟.

لقد ذهب بعض الفقه إلى أنه بعد تحفيظ العقار يصبح مطهرا من كل الحقوق السابقة، والغير المدلى بها لدى المحافظة في الوقت المناسب، فإذا ما حدث إقرار بحق يرجع لما قبل التحفيظ وتأسيس الرسم العقاري، فإن هذا لا يعتبر اتفاقا على مخالفة قاعدة آمرة، كل ما في الأمر أن هذا الإقرار يعتبر التزاما بإنشاء حق جديد ولاحق على التحفيظ، ولا يمت  بصلة إلى ما قبل التحفيظ، فمبدأ التطهير يسري على الحقوق السابقة على التحفيظ وليس الحقوق اللاحقة له.[81]

كما أن هذا الإقرار الذي ينصب على حقوق ألغاها الرسم العقاري، وبما أنه لا يمكن إحيائها، فالمخرج من هذا الموقف هو إبرام التزام جديد ولاحق لتأسيس الصك العقاري، لتبدأ بعد ذلك المراحل اللاحقة للتسجيل.[82]

وأعتقد أنه لكي تفهم الطبيعة القانونية لقاعدة التطهير يجب أن تعالج في إطارها الشمولي، سواء باعتبارها قاعدة آمرة، أو باعتبارها الخاصية الأساس التي تنبثق عن نظام التحفيظ العقاري ككل، أو باعتبارها المحور الذي تنبني عليه القاعدة العقارية والمسيرة الاقتصادية والاجتماعية…

وإذا كان في إطار النظام القانوني الحالي من غير الممكن الطعن في الرسم العقاري أو التشطيب على الحقوق الواردة به، بفضل الأثر التطهيري الذي يشملها بمجرد تأسيس الرسم، فإن هذا الأمر مرتبط بنوعية تلك الحقوق ما إذا كانت مشمولة بالأثر التطهيري أم لا.[83] وهو الأمر الذي سأتناوله في الفقرة الموالية.

الفقرة الثانية: استثناءات قاعدة التطهير:

كما سبقت الإشارة، فقد تقتضي الضرورة تحت تأثير المصلحة العامة الخروج عن مبدأ التطهير، حيث أنه رغم استطاعة طالب التحفيظ الحصول على رسم عقاري، فثمة حقوق عينية معينة ترجع  لفائدة الغير ورغم أنها غير مبينة على هذا الرسم، فإنها تبقى قائمة ويمكن التمسك  بها في مواجهة المالك (أولا).

وفي نفس الوقت، فلو استطاع الشخص تأسيس رسم عقاري لحقوق معينة، فيمكن الطعن فيها من قبل الغير{ الدولة } وتعتبر كأن لم تكن بالرسم العقاري.[84] (ثانيا).

أولا : مدى سريان قاعدة التطهير على بعض  الحقوق غير المبينة في السجل العقاري:

إذا كان الأصل في قاعدة التطهير أنه بمجرد تأسيس الرسم العقاري يصبح العقار  مطهرا من جميع الحقوق العينية والارتفاقات العقارية غير المدلى بها أثناء مسطرة التحفيظ، فإن هذا الأصل ترد عليه استثناءات، إذ أنه بالرغم من ورود رسم الملك خاليا من التنصيص على بعض الحقوق، إلا أنها تبقى قائمة يواجه بها صاحب الرسم العقاري.

– فقد يكون الحق غير مسجل في الرسم العقاري ولكنه موجود واقعا: فبالرجوع إلى المادة 68[85] من ظ.ت.ع نجد أن عقود الأكرية التي تتجاوز مدتها ثلاث سنوات تعتبر موجودة بين مالك العقار المسجل والمكتري، رغم أنها غير مسجلة بالرسم العقاري، مع مراعاة أن الغير لا يواجه بها ما لم تكن مسجلة.

فعقود الأكرية التي تزيد مدتها عن ثلاث سنوات لا تسري عليها قاعدة التطهير، ما دام الأمر محصورا بين مالك العقار والمكتري.

– الارتفاقات الطبيعية للأماكن: كما هو الشأن بالنسبة للأراضي المنخفضة التي تسخر لخدمة الأراضي التي تعلوها لتلقي المياه دون مساهمة يد الإنسان في إسالتها[86] فهذه الارتفاقات تعفى من الإشهار ومن تم عدم التسجيل بالرسم العقاري حسب ما نصت عليه المادة 109[87] من ظهير 2 يونيو 1915، وعليه فرغم عدم التنصيص عليها في الرسم العقاري فلا يمكن أن يحتج بها في مواجهة الغير اعتمادا على قاعدة التطهير.

– الارتفاقات القانونية[88] المخصصة للمنفعة العامة  أو الاستعمال الخاص، فهي بدورها معفاة من الإشهار حسب المادة 109 من ظهير 2 يونيو 1915، وهو ما يؤكد استثناء آخر يرد على قاعدة التطهير، “يجعل هذه الارتفاقات تظل محصنة ولا يطالها التطهير القانوني للتحفيظ العقاري حتى ولو لم  يتم إشهارها والتنصيص عليها بالرسم العقاري”.[89]

إذن، فمما سبق يتضح أن قاعدة التطهير ترد عليها هذه الاستثناءات، إذ أن هذه الحقوق والارتفاقات بالرغم من عدم التنصيص عليها بالرسم العقاري تعتبر قائمة ولا يطالها التطهير.

وهذه الاستثناءات ترد عليها استثناءات، حيث أن قاعدة التطهير يواجه بها البعض دون الآخر، كما هو الشأن بالنسبة لعقود الكراء التي تزيد مدتها عن ثلاث سنوات، إذ لا يواجه بها الغير، ليظل التطهير قاصرا على الأطراف فقط، أما الارتفاقات الطبيعية والقانونية فتبقى عامة ويحتج بها ضد الكل.

وتجدر الإشارة إلى أنه بالرغم من تثبيت مجموعة من الحقوق بالرسم العقاري عن  طريق التحفيظ فإنها تظل قائمة ويحتج بها ضد صاحب الرسم العقاري، وهي حقوق متعددة قاسمها المشترك المصلحة العامة.

ثانيا: مدى سريان قاعدة التطهير على بعض الحقوق الخاصة المثبتة بالرسم العقاري:

إن الصك العقاري بخلاف الحالة الأولى المشار إليها أعلاه، قد يرد متضمنا لمجموعة من الحقوق التي استطاع طالب التحفيظ أن يخضعها لإجراءات مسطرة التحفيظ، ومن ثم تأسيس رسم عقاري بشأنها، غير أن هذه العينة من الحقوق تستعصي على الأثر التطهيري وتظل في منأى عن أي إدعاء أو اعتداء، ونجد من هذه الحقوق المستثناة من قاعدة التطهير ما يلي:

أ-الأملاك العامة: وهي المخصصة للمصلحة العامة، أو لتسيير مرفق عام، وتكون  غير قابلة للتصرف فيها من طرف الخواص، سواء عن طريق التحفيظ أو غيره، ولا تسري عليها القاعدة التطهيرية، وما يترتب عنها من نهائية[90]، ومن ذلك شواطئ البحر، الموانئ، القناطر، السدود، الطرق والبحيرات…[91] حيث أشار الفصل 4 من ظهير1914 إلى عدم إمكانية تملك هذه الأملاك عن طريق التقادم، ونجد نفس المقتضى منصوصا عليه في القانون التونسي من خلال المادة 356[92] من مجلة الحقوق العينية التونسية.

فهذه الأملاك إذن لا تكتسب بالحيازة مهما طالت مدتها ولا تقبل التصرف ، ومن تم لا ينفع الاستدلال على تملكها بقاعدة التطهير، وهو ما أكده القضاء المغربي حيث ذهب إلى أن:”رسم الملكية ليس محصنا ضد التعرض عليه من قبل الأملاك العامة، إذا أثبتت حقها، وبالتالي فإن القاضي هو ذو صلاحية بترحيل صاحب البيت البحري المشيد على كثب من الرمل يعتبر من الأملاك العامة البحرية…”.[93]

ومن خلاله، فالمشرع أضفى حماية قانونية على الملك العام  تهدف إلى استغلال هذه الأملاك في ظل ظروف ملائمة ومحققة لمقصود المشرع، وتقيها من تصرفات السلطة المركزية والإدارية، وبالتبعية من تصرفات الخواص، كما أن التحفيظ يصبح عديم الأثر بشأنها إذ تظل محتفظة بصبغتها العامة.[94]

ورغم هذه الحصانة القانونية التي أضفاها المشرع على الأملاك العامة، فإنه وفي حالات معينة يمكن أن تكون محل تملك من قبل الأفراد، وذلك حالة إخراجها من إطار الملك العام  بطريقة قانونية، خصوصا عندما تكون تلك الأملاك غير مهمة في تحقيق المنفعة العامة.[95]

ويعقب بعض الفقه على عدم سريان قاعدة التطهير على الأملاك العامة بأنه مجرد ضرب لكل المبادئ المقررة في نظام التحفيظ العقاري، وفيه اعتداء على المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة،[96] فالمصلحة العامة هي عبارة عن مصالح خاصة مركبة، وعليه ضرورة إدخال نوع من المرونة المعقلنة على قاعدة التطهير لتشمل المصالح الخاصة.

ب- الأملاك الحبسية العامة: تخضع الأملاك الحبسية من حيث التنظيم القانوني لظهير 7 يوليوز 1914، والوقف العام هو الوقف الخيري المخصص لجهات البر والإحسان.

وسواء تعلق الأمر بالأملاك الحبسية العامة أو حقوق ارتفاق مقررة لخدمة العقارات الحبسية فلا يمكن اكتسابها بالتقادم، ولا يسري عليها التطهير رغم تسجيلها في الصك العقاري.[97]

وقد صدرت مجموعة من الأحكام القضائية تؤيد هذا الطرح، حيث ذهبت استئنافية الرباط في العديد من قراراتها إلى عدم قابلية الملك المحبس للتفويت ولا يخضع للتقادم ولا للتملك الخاص،[98] فالعقار المحبس تحبيسا عموميا، لا تسري عليه قاعدة التطهير، فيظل خاضعا لوصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فلو قام أي شخص بتحفيظه رغم كونه كان يحوزه من قبل فإن هذا التحفيظ يعفى من أصله.[99]

ومما سبق، فالأثر التطهيري لا يشمل مفعوله الأملاك المحبسة تحبيسا عموميا، ويرجع هذا لنفس العلة، وهي كون هذه الأملاك تخصص للمنفعة العامة ولجهات البر والإحسان، ومنه ارتأى المشرع ضرورة استثنائها من الأثر التطهيري.

جـ- الحقوق المنجمية: وهي التي ترتبط بالمقالع الخاضعة لقانون 5 ماي 1914 أو التي ترتبط بالمناجم المنظمة بظهير 16 أبريل 1951.

وتخضع هذه الحقوق للتحفيظ وفق مسطرة خاصة، إذ تصدر رخصة التنقيب والاستغلال بناء على قرار من مدير المعادن والجيولوجية لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، وبناء عليها يتم التقدم للمحافظة لطلب التحفيظ.

غير أن الرسم المنجمي الناتج عن هذه المسطرة لا يرقى لمرتبة الرسم العقاري المعروف، إذ ينتهي ويشطب عليه بانتهاء مدته، ومنه فمقتضيات الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع لا محل لها للتطبيق على هذا النوع من الرسوم إلا بشكل نسبي، بحكم التأقيتية التي تميزه.

د- المياه العامة: فالماء ملك عام، لا يمكن أن يكون محل تملك خاص،[100] وعليه فلا يجوز التصرف فيه، ولا ترتيب حقوق عليه بالتقادم…

ورغم ذلك فالمشرع ولاعتبارات اقتصادية واجتماعية رتب إمكانية انتفاع الأفراد والجماعات بالمياه العامة، وتثبيت حقوقهم عليها في مواجهة وزارة الأشغال العمومية عن طريق مسطرة إدارية أو قضائية.[101] وإذا لم تحترم هذه المسطرة (الإدارية أو القضائية) فلا يمكن ادعاء ترتيب حقوق على هذه المياه، وعليه فإذا قام شخص بتحفيظ عقاره مع أخذه لحق المجرى من المياه العامة دون أن يكون سلك المسطرة المذكورة، فقاعدة التطهير وتوابعها لا تحول دون الطعن في هذا الحق المقرر على المياه العامة.[102]

فالأثر التطهيري إذن، لا يسري على المياه العامة رغم ترتيب حقوق عليها أصبحت مسجلة في الرسم العقاري، إذ أن صفة النهائية التي تميز هذا الأخير تصبح غير ذات جدوى، ولا تواجه بها وزارة الأشغال العمومية.[103]

هـ-أراضي الجموع: تخضع هذه الأراضي لظهير 27 أبريل 1919، إذ نص هذا الأخير في فصله الرابع على أن: “أراضي الجموع لا تمتلك عن طريق التقادم ولا تقبل التصرف فيها ولا الحجز عليها”.

وهذه الأملاك هي عبارة عن أراضي ترجع ملكيتها لجماعات سلالية من الدواوير أو الجماعات… تربطهم روابط مشتركة.

وعلى أي حال فالرسم العقاري يطهر العقار من كل الشوائب والعوالق التي كانت ترتبط به قبل التحفيظ ولم يدل بها أثناء المسطرة، إذ يصبح هذا الرسم نهائيا وغير قابل للطعن، وبحكم أنه يمكن أن تترتب عن التحفيظ أضرار تلحق الغير في ملكياتهم وحقوقهم، تدخل المشرع وخول إمكانية للتخفيف من حدة قاعدة التطهير، وهو ما سيكون محل نقاش في المطلب الموالي.

 المطلب الثاني:  مكنة التخفيف من حدة قاعدة التطهير:

بحكم المبدأ التطهيري والصفة النهائية وعدم القابلية للطعن التي تلازم الرسم العقاري منذ تأسيسه، فلا يمكن تقديم أي إدعاء حول حقوق تضررت بفعل التحفيظ، حتى ولو كان هذا الأخير ناتجا عن تدليس أو غيره من الأفعال غير المشروعة، غير أنه ورفعا للحرج والضرر الذي قد  يصيب ضحايا التحفيظ العقاري، قرر المشرع التخفيف من حدة هذه الصرامة عن طريق تدارك وتصحيح المحافظ تلقائيا للأخطاء والإغفالات التي يمكن أن تصدر عنه، وفي نفس الوقت يمكن للمتضررين الطعن في قرار المحافظ حالة رفضه لهذه التصحيحات (الفقرة الأولى).

ومن جهة أخرى، واحترازا لما يمكن أن يقع فيه الأفراد –الضحايا- نتيجة تدليس من الغير قد يؤدي إلى إهدار حقوقهم دون أن يتمكنوا من المطالبة بها أو تثبيتها بالصك العقاري قرر المشرع لفائدتهم سلوك مجموعة من الدعاوى الشخصية قاسمها المشترك التعويض عن الضرر اللاحق أو عن الفرصة الضائعة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : التخفيف من حدة قاعدة التطهير إعمالا للفصل 29 من القرار الوزيري لـ 3 يونيو 1915:

من خلال الفصل 29[104] من القرار الوزيري المؤرخ في 3 يونيو 1915 يتضح أن أصحاب الحقوق العينية يملكون حق طلب تصحيح الأخطاء والإغفالات التي قد تحدث سهوا من قبل المحافظ العقاري ويتم  تدوينها بالصك العقاري، وفي نفس الوقت يمكن للمحافظ تلقائيا أن يصحح الأخطاء المذكورة مع إعلام المالك بذلك للقيام بنفس العملية على نظير الرسم العقاري.

فمطلب التحفيظ يتضمن العديد من البيانات الدقيقة خصوصا إذا كان مقدما من طرف عدة طلاب للتحفيظ مما يستلزم معه الأمر التقيد بدرجة عالية من الدقة والحذر، وبذلك ونتيجة للأشغال الكثيرة التي يقوم بها المحافظ -كما هو الشأن بالنسبة لكثرة مطالب التحفيظ حالة التحفيظ الجماعي-، حيث قد تجتمع لدى المحافظ مئات المطالب، وعليه فقد يحدث أن يتسرب أي خطأ للصك العقاري لسهو أو غيره، ولذلك خول المشرع بمقتضى النص أعلاه إمكانية إصلاح هذه الأخطاء من قبل المحافظ تلقائيا، أو يتم ذلك بطلب من الأطراف، وهو ما أشار إليه قرار للمجلس الأعلى إذ جاء فيه”… وأغفل-أي المحافظ-ذكر مورثة المدعين الأمر الذي دفع بأحدهم…إلى مكاتبة المحافظ قصد تصحيح هذا الإغفال، عملا بالفصل 29 من القرار الوزيري الصادر في 3-6-1915 فكان جوابه هو إصدار قرار بالرفض… وأن الفصل 29 من القرار الوزيري الصادر في 3-6-1915 فتح الباب للمحافظ قصد إصلاح الاغفالات والأخطاء والإخلالات المرتكبة من طرفه…”[105]

وهو نفس المقتضى المنصوص عليه بالمادة 332 من مجلة الحقوق العينية التونسية،[106] غير أنها تشترط عدم اكتساب الغير حسن النية أية حقوق على العقار.

وقد عزز المشرع المغربي الفصل 29 أعلاه بالفصل 30 من نفس القرار الوزيري لسد الفراغ الذي يمكن أن يعترض تطبيق الفصل 29، وهو حالة امتناع المحافظ أو أحد الأطراف من مباشرة هذه الإصلاحات، فإن المحكمة هنا  تنظر في القضية وتجتمع في غرفة المشورة لتصدر حكمها.[107] وهو ما نص عليه القرار السابق حيث ذهب إلى أنه: “…وأعطى للقضاء حسب الفصل 30 من نفس القرار اختصاص مراقبة ما يصدر من رفض…”.[108]

لكن الإشكال الذي يثار هنا هو أن الحكم القضائي ومن خلال جميع المراحل التي يقطعها (ابتدائيا، استئنافيا، نقضا) قد ينص على بيانات معينة غير واردة  في مطلب التحفيظ، ويصدر بشأنها حكم نهائي، ويرفض المحافظ تقييدها بالسجل العقاري باعتبار أنها غير مبينة بمطلب التحفيظ؟.

لقد ذهب المجلس الأعلى في هذا الشأن إلى أن العبرة بما ورد في مطلب التحفيظ، وأن ما جاء في سرد الوقائع بقرار المجلس الأعلى المحتج به لا يؤثر على ما هو ثابت ومؤكد بمطلب التحفيظ.[109]

وتجدر الإشارة إلى أن إصلاح الأخطاء والغلطات من طرف المحافظ تتعلق فقط بتلك الأخطاء التي تقع أثناء تقييد تلك البيانات، أما غيرها من الأخطاء الموجودة بالوثائق وأصول العقود فلا سلطة للمحافظ عليها، بل من واجبه نقلها حرفيا كما جاءت في أصلها.

كما أن الأخطاء التي يجوز مكاتبة المحافظ من أجل إصلاحها تتعلق بالأخطاء البسيطة، كالخطأ في الاسم أو المساحة، أما الأخطاء التي ترتبط بجوهر الحق فلا يمكن تصحيحها من طرف المحافظ، بل  يجب اللجوء إلى المحكمة من أجل استصدار أمر بالتصحيح أو إجراء اتفاق وصلح بين الأطراف حولها.[110]

وانطلاقا مما سبق، يتضح أن هذه الإمكانية المخولة للمتضرر تسعى للتخفيف من حدة قاعدة التطهير، حيث أن هذه الأخيرة لا تمنع من المطالبة بهذه الحقوق في حالات معينة.

الفقرة الثانية : دعاوى التعويض كآلية للتخفيف من حدة قاعدة التطهير :

إن المستفيد من التحفيظ لا يمكنه الاحتجاج بقاعدة التطهير للتنصل من الحقوق التي داس عليها مستعملا التزوير أوالتدليس، بل يبقى لكل متضرر من هذا التحفيظ كامل الصلاحية في المطالبة بحقوقه الشخصية دون العينية في شكل تعويضات يتحملها المالك حالة ثبوت التدليس في حقه وفق ما نص عليه المشرع في المادة 64 من ظ.ت.ع وكذا بعض النصوص المرتبة لمسؤولية الدولة وموظفيها في إطار القواعد العامة لقانون ل.ع.

ومنه فالمادة 64 من ظ.ت.ع تنص على أنه :”لا يمكن إقامة دعوى في العقار بسبب حق وقع الإضرار به من جراء التحفيظ. ويمكن لمن يهمهم الأمر وفي حالة التدليس فقط، أن يقيموا على مرتكب التدليس دعوى شخصية بأداء تعويضات.

وفي حالة إعسار المدلس تؤدى التعويضات من صندوق التأمينات المحدث مع الاحتفاظ للصندوق المذكور بحق الرجوع على المدلس.

وكل ذلك مع مراعاة تطبيق القواعد الخاصة بمسؤولية الدولة وموظفيها كما هو منصوص عليها في الفصول 79 إلى 81 من الظهير المتعلق بقانون الالتزامات والعقود”.

وهو نفس المقتضى المنصوص عليه في الفصل 337 من القانون التونسي، حيث أنه في صورة الخطأ يمكن للمتضرر أو يوقع دعوى شخصية لغرم الضرر ضد المستفيد.[111]

وعموما، فانطلاقا من النص أعلاه ومن المقتضيات القانونية المشار إليها –ق.ل.ع- يمكن القول بأنه تتاح أمام المتضرر من التحفيظ الدعاوى التالية :

أولا : دعوى استرداد الثمن:

يعتبر الفصل 70[112] من ق.ل.ع هو أساس هذه الدعوى في إطار دعوى الإثراء بلا سبب.

 وتجدر الإشارة إلى أن محكمة النقض الفرنسية هي التي أسست لهذه الدعوى في إطار بثها في قضايا مغربية من خلال عدة قرارات.[113]

فالاجتهاد القضائي منذ القديم استقر على أن طالب التحفيظ يلزم بإرجاع الثمن حالة تفويته كل أو بعض العقار المبيع للمشتري الذي لم يقم في الوقت المناسب بتسجيل شرائه مما يترتب عنه ضياع حقوقه.[114]

وبناء عليه، فإذا باع شخص (أ) عقاره إلى شخص (ب)، وقبل أن يعمد هذا الأخير إلى تسجيل شرائه حدث أن سارع البائع (أ) إلى تحفيظ نفس العقار وحصل على الصك العقاري، فإنه يمكن للمشتري (ب) أن يطالب البائع (أ) برد ثمن البيع في إطار دعوى استرداد الثمن.

غير أن هذه الدعوى يمكن أن نميز من خلالها بين حالتين:

1- فإذا كان المتضرر يعلم أن البائع يجري مسطرة تحفيظ ملكه، ورغم ذلك ماطل في تسجيل شرائه، فإنه في هذه الحالة يكون له الحق فقط في استرداد الثمن الذي دفعه.

2- أما إذا كان المتضرر غير عالم بمسطرة التحفيظ، فله الحق في المطالبة برد الثمن والتعويض عن الأضرار اللاحقة به من جراء التدليس الذي تعرض له.[115] فطالب التحفيظ في هذه الحالة يعتبر مدلسا ومرتكبا لعمل غير مشروع من شأنه أن يرتب ضده المسؤولية التقصيرية عملا بمقتضيات الفصلين 77 و78 من ق.ل.ع.

ويعقب بعض الفقه على المشرع المغربي الذي لم يأخذ باستثناءات على قاعدة التطهير، كما هو الشأن بالنسبة لبعض التشريعات الأجنبية (سوريا، لبنان، مدغشقر…) ولو بالنسبة للخلف الخاص، للتخفيف من عناء المتضرر من ملاحقة المستفيد من التحفيظ، وكذا التخفيف من العبء الملقى على عاتق المحاكم.[116]

ثانيا: دعوى التعويض ضد المستفيد من التحفيظ:

بالرجوع إلى الفصل 64 من ظ.ت.ع نجده ينص على عدم إمكانية الادعاء على عقار وقع الإضرار بصاحبه من جراء التحفيظ، إذ أن المتضرر يبقى له الحق فقط في رفع دعوى شخصية للتعويض وفي حالة التدليس فقط.

غير أن الملاحظ هو أن المشرع ربط إمكانية رفع هذه الدعوى بضرورة تحقق الضرر وارتباطه بالتدليس وهو الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن المفهوم الذي أراده المشرع من هذا التدليس؟ هل يتخذ المفهوم الواسع أم المفهوم الضيق؟.

يجيبنا على هذا الإشكال المجلس الأعلى من خلال قرار صادر عنه إذ صرح من خلاله على أن : “الفصل 64 من ظهير التحفيظ العقاري كرس حق الغير المتضرر من التحفيظ في إقامة دعوى شخصية للمطالبة بالتعويض في حالة التدليس، واستقر العمل القضائي على إعطاء مدلول واسع لهذا الأخير، في إطار هذه الدعوى لم يشترط معه قيام المستفيد من التحفيظ بوسائل احتيالية ملموسة، بل يكفي أن يكون سيء النية بطلب تحفيظ أرض ليست ملكا خالصا له…”.[117]

ومن خلاله، فيتضح أن المقصود من التدليس هو مجرد سوء النية التي يضمرها المستفيد من التحفيظ ولو لم يستعمل وسائل احتيالية، الأمر الذي أكده أغلب الفقه، حيث اكتفى بمجرد إخفاء حق المتضرر مع العلم بوجوده، إذ أن سوء النية هذا يدخل في مفهوم التدليس.[118]

وهو الموقف الذي كان محل انتقاد من طرف بعض الفقه إذ أن طالب التحفيظ ليس بالضرورة مدلسا في جميع الأحوال، وضرب مثالا بأنه قد يفوت العقار قبل تحفيظه من مشتر لآخر، هذا الأخير الذي قد يكون حسن النية، ومنه فالمادة 64 عندما ذهبت إلى مقاضاة مرتكب التدليس وليس طالب التحفيظ كانت حكيمة وعادلة إذ أنه ليس ضروريا اجتماع صفة” مرتكب التدليس” وطالب التحفيظ، فتكفي الأولى لقيام هذه الدعوى.9+[119]

لكن الإشكال الذي يقوم هنا هو مدى اعتبار دعوى التعويض مفتوحة بحيث يحق للمتضرر اللجوء إليها متى شاء أم أنها تبقى مقيدة بمدة زمنية معينة يجب احترامها؟.

فبخصوص مدة تقادم دعوى التعويض هذه، فهي تخضع للتقادم الخماسي الذي نص عليه الفصل 106 من ق.ل.ع حيث تتقادم بمضي خمس سنوات ابتداء من تاريخ علم المتضرر بالضرر الذي حصل له.

وهو ما أكده المجلس الأعلى من حيث كون هذه الدعوى تتقادم حسبما هو منصوص عليه في الفصل 106 من ق.ل.ع  بعد أن نقض -المجلس الأعلى- حكم المحكمة الاستئنافية، هذه الأخيرة ذهبت إلى أن دعوى التعويض تتقادم بمرور أجل سنة ابتداء من  تاريخ التحفيظ أو التقييد الذي تسبب في الضرر، اعتماد على الفصل 64 من القرار الوزيري المؤرخ بتاريخ 4/6/1915 بشأن تنظيم مصلحة المحافظة العقارية.[120]

غير أن هذا التعويض قد يعجز المستفيد من التحفيظ عن دفعه حالة إعساره، وهنا يمكن استيفاء هذا التعويض من صندوق التأمينات المحدث بموجب الفصل 100 من ظهير 12 غشت 1913، ويجب رفع هذه الدعوى على صندوق التأمينات داخل أجل سنة تحت  طائل سقوط الحق، وهو الأمر الذي أكده القرار السابق الذي ذهب إلى أن الفصل 64 من القرار الوزيري المؤرخ في 4/6/1915 المتضمن لأجل السنة لسقوط الحق في دعوى التعويض يتعلق بالمال المعد للضمان المؤسس بشأنه صندوق التأمين ، والذي يمكن أن يتدخل إذا كانت المسؤولية في التعويض غير موجهة ضد المحافظ.[121] على أن يرجع صندوق التأمين باسترداد التعويض الذي دفعه للمتضرر على المستفيد داخل أجل عشر سنوات حال زوال عارض الإعسار وفقا للفصل 61 من القرار الوزيري الصادر بتاريخ 3 يونيو 1915.

لكن إذا كان من حق من تضرر بسبب فقده  ملكيته أو لحقوق عينية على عقار أن يحصل على التعويض، فالتساؤل المطروح هو المعايير المعتمد عليها لتقييم وتقدير التعويض ، أي هل يعتمد في تقدير التعويض بناء على قيمة العقار أو الحق العيني قبل التحفيظ أم بعده؟.

بخصوص هذا الإشكال ذهب المجلس الأعلى في نفس التوجه الذي ذهبت فيه استئنافية الجديدة التي ارتأت بأن: ” تحديد التعويض الذي تطالب به الطاعنة ينبغي أن يتم على أساس القيمة الحقيقية للعقار محل النزاع قبل أن يتم تطهيره بالتحفيظ، وعلى أساس ما لحقها من ضرر نتيجة قيام المدعى عليهن بتحفيظه بصورة تدليسية ، وعلى هذا الأساس كلفت الخبير بتقدير قيمة العقار قبل عملية التحفيظ… واستنادا على ما أسفرت عليه الخبرة… بأن البقعة موضوع النزاع كانت قبل تحفيظها عبارة عن بقعة عارية… وغير مستغلة…” وهو ما اعتبره المجلس الأعلى معللا تعليلا سليما وكافيا.[122]

وأعتقد بأن المجلس الأعلى كان محقا في توجهه، لأن العقار قد يكون ذو قيمة مادية مهمة قبل التحفيظ، ثم قد يقوم المستفيد من التحفيظ بتغيير في جوهره، وهو الأمر الذي قد يؤثر سلبا على قيمة العقار.

وتجدر الإشارة إلى أن مالك العقار المحفظ قد يحرم من بعض عقاره نتيجة حقوق أوجها المشرع لفائدة ملاك في وضعيات خاصة، كحق المرور مثلا، فهل يستحق المالك هنا تعويضا على هذا الحرمان؟.

انطلاقا من الفصل 142 من ظهير 2 يونيو 1915، فيمكن للمالك الذي تكون أملاكه محاطة ولا مخرج لها إلى الطريق العمومية يمكنه من استغلال ملكه أن يطلب ممرا في أملاك الملاك المجاورين، مقابل أداء تعويض مناسب للضرر الذي يحدثه، وهو الأمر الذي أكده المجلس الأعلى بأن طلب الحصول على حق المرور مشروط بضرورة أداء تعويض مناسب للضرر الذي يمكن أن يحدثه، وأن هذا التعويض يجب أن يقدر بحسب الضرر الحاصل للمتضرر أثناء تعيين مساحة الأرض التي ستكون موضوع الممر المؤدي للطريق العمومية.[123]

غير أن بعض الفقه يرى بأن المشرع، وحتى لا يعمل على إضفاء الشرعية على الاغتصاب عن طريق التحفيظ أعطى للمتضرر حق الحصول على تعويض، ويصف ذلك بالنفاق الواضح، إذ كيف يعقل أن نحكم على الغاصب بالتعويض عما اغتصبه (ف64) وفي نفس الوقت إضفاء الشرعية على الملكية المبنية على الاغتصاب.[124]

ثالثا: دعوى الخطأ الإداري:

تجد هذه الدعوى أساسها في الفصل 79 من ق.ل.ع الذي نص على أن: “الدولة والبلديات مسئولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها.”

وبناء عليه، فالسير المعيب لمصلحة المحافظة العقارية أثناء عملية التحفيظ الذي نتج عنه ضرر يمكن من خلاله للمتضرر مقاضاة الدولة مباشرة عن الأخطاء التي يرتكبها موظفوها.

وقد سبق للمجلس الأعلى أن طبق المقتضيات أعلاه، في قرار وجد صدى عميقا في خطاب افتتاح السنة القضائية 68-69 الذي ألقاه أحمد باحنيني.[125]

والخطأ المصلحي هو الخطأ الذي يرتكبه الموظف وينسب إلى الإدارة، كما يعرف بالتقصير الذي يقع في مصلحة تابعة للإدارة أثناء تنفيذ التزاماتها، وهو الخطأ الصادر عن الموظف بحكم وظيفته.[126]

فالأخطاء المصلحية التي تترتب عن إهمال أو تقصير من طرف موظفي مصلحة المحافظة العقارية تسأل عنها الدولة بصفة أصلية ومباشرة ولا يحق لها الرجوع بعد ذلك على الموظف، أما حالة الخطأ الشخصي الذي يرتكبه الموظف ويكون عن قصد وسوء نية، فهنا يجب مقاضاة الموظف أولا، وإذا ثبت إعساره يتم الرجوع آنذاك على الدولة.[127]

وهكذا فالقاضي المعروض عليه النزاع عند تقديره للخطأ المصلحي لا يكتفي بضابط مجرد وفقط لكي يبث في القضية، بل ينظر لذلك في إطار شمولي من خلال الواجب المفروض القيام به من طرف المرفق العام، باعتبار الصعوبات التي تعترض هذا المرفق والظرفية التي يعمل في إطارها، وكذا الموارد البشرية والمادية التي يتوفر عليها.[128]

ورغم صعوبة تصور ارتكاب المرفق العمومي للخطأ على اعتبار أنه شخص معنوي، والخطأ لا يمكن ارتكابه إلا من شخص طبيعي، فإن المعمول به أنه يصح نسبة الخطأ إلى المرفق العمومي، الذي يتحمل عبء التعويض، ما دام أنه لم يصدر من الموظف أي خطأ يكيف على أساس أنه خطأ شخصي ناتج عن تدليس أو سوء نية.[129]

وصدر في هذا الإطار اجتهاد قضائي يرى بأنه: “… وقد انتهت المحكمة في تعليلاتها إلى أنه في غياب وجود ما يفيد قيام المحافظ بالإجراءات القانونية المتعلقة بمسطرة التحفيظ، يكون مرفق المحافظة وهو مرفق من المرافق العامة، لم يؤد الخدمة منه بشكل لائق، مما تكون مسؤوليته في هذا الإطار قائمة نتيجة خطئه…”[130]

وعموما فالمتضرر من الخطأ المصلحي نتيجة الفعل المرتكب من قبل الموظف بمصلحة المحافظة العقارية، يحق له مقاضاة الدولة في إطار مسؤوليتها عن الأخطاء المرفقية لموظفيها طبقا للفصل 79 من ق.ل.ع.

رابعا: دعوى التعويض ضد المحافظ عن خطئه الشخصي:

 يتقاسم هذه الدعوى في التنظيم كل من الفصل العام 80 من ق.ل.ع الذي ينص على أن: “مستخدموا الدولة البلديات مسئولون شخصيا عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم، أو عن الأخطاء الجسيمة الواقعة منهم في أداء وظائفهم…” والنص الخاص، وهو الفصل 97 من ظ.ت.ع  الذي ينص على : “إن المحافظ مسؤول شخصيا عن الضرر الناتج…”

ومنه فيمكن تصور مسؤولية المحافظ من خلال الصورتين التاليتين:

مسؤولية المحافظ على أساس التدليس: فقياسا على الفصل 64 من ظ.ت.ع، نجد أن المحافظ مسؤول شخصيا عن الضرر الذي يرتكبه نتيجة تدليس في اتخاذه لقرار التحفيظ، إذ يمكن مسائلته في ظل المسؤولية التقصيرية.

ومن الناحية العملية يصعب القول بتدليس المحافظ، وذلك راجع بالأساس إلى صعوبة إثبات هذا التدليس.[131] وذلك بحكم الجو العام الذي يزاول فيه المحافظ مهامه.

وبناء عليه، فيمكن القول بأنه في حالة كون الحق قد ضاع بحكم تدليس المحافظ فيجب متابعته متابعة شخصية، إذ لا تجوز متابعة الدولة في هذه الحالة إلا عند ثبوت إعسار المحافظ،[132] إذ يحل صندوق التأمين محل المحافظ لأداء المبالغ المحكوم بها عليه لصالح المتضرر الذي حرمه من تملك عقاره أو حق عيني على العقار.[133]

وتجدر الإشارة إلى أن إثارة هذه الدعوى تتطلب بعض الشروط، منها إقامة الدليل على وجود خطأ ألحق ضررا بحق من حقوق المتضرر، ووجود علاقة سببية بينهما.[134]

مسؤولية المحافظ على أساس الخطأ الجسيم: فقد أقر المشرع في المادة 97 من ظ.ت.ع على قيام مسؤولية المحافظ في حالات معنية، تجمع بين الخطأ والإغفال والضرر الناتج عنهما، وهو ما يعني أن غياب الضرر لا يرتب مسؤولية المحافظ.[135]

ومن الناحية العملية قلما يرتكب المحافظ خطأ جسيما، وذلك راجع بالأساس إلى حرصه الشديد، سواء أثناء جريان مسطرة التحفيظ، أو أثناء مرحلة إصدار قرار التحفيظ، حيث يراجع جميع البيانات السابقة بمطلب التحفيظ مع الواردة في وثائق الرسم العقاري ليتأكد تماما من تطابقهما ليتم على أساسها إصدار القرار بالتحفيظ.

وعموما، فالدعوى المرفوعة ضد المحافظ تنظمها نصوص عامة (الفصل80 ق.ل.ع) وأخرى خاصة (97… من ظ.ت.ع) ومن تم فالمتضرر يحق له المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقته من جراء خطأ المحافظ، مرتكزا في ادعائه على أي أساس قانوني قد يخدم مصلحته.

وبشكل أعم، فهذه الدعاوى التي أشرت إليها أعلاه، تبقى دعاوى شخصية محضة، وهي الملاذ الوحيد والأوحد الذي يسلكه المتضرر من تأسيس رسم عقاري أتى على إعدام ملكيته أو بالأحرى على حق من حقوقه، وتبقى حلولا ترقيعية لجبر الضرر. وهو الأمر الذي يحمل فيه أحد الباحثين كامل المسؤولية للمتضررين اعتمادا على القاعدة التي تقول بأن المفرط أولى بالخسارة.[136]

الفصل الثاني : التطبيقات العملية لقاعدة التطهير من خلال العمل المحافظاتي:

إن الجانب العملي بالنسبة لجميع الدراسات النظرية يشكل الأرضية التي تتبلور من خلالها هذه الأخيرة على مستوى الواقع.

وارتباطا بموضوع هذا البحث، فيعتبر الواقع العملي سواء من حيث شكليات تقديم مطالب التحفيظ، أو إجراءات مسطرة التحفيظ، وصولا إلى إنشاء الرسوم العقارية هو المنطلق الذي تتمظهر من خلاله قاعدة التطهير.

وكما سبقت الإشارة إليه، فينتج عن التحفيظ العقاري تأسيس رسم للملكية مطهر من جميع الحقوق غير المندرجة به، ونهائي غير قابل للطعن، ويعد نقطة الانطلاق الوحيدة لكل حق عيني مقرر على ذلك العقار طبقا للفصل 2 و62 من ظهير 12 غشت 1913.

غير أن التسليم مسبقا بهذه الحقيقة غير مستساغ، نظرا لاحتمال ضياع حقوق الغير نتيجة تدليس أو غيره، كما أن مجرد قرار إداري يصبح له كل هذه المناعة أمر غير مقبول بسهولة، وهو ما برره الكثير من الفقه بمختلف الإجراءات التي يقطعها العقار قبل تحفيظه.

وبناء عليه، فنجد مجموعة من العمليات والإجراءات من قبيل المراحل التي تقطعها مسطرة التحفيظ، سواء اكتفت بالمرحلة الإدارية أو تعدتها لنظيرتها القضائية –حالة وجود تعرضات- وكذا مرحلة إنشاء الرسوم العقارية، أضف إلى ذلك العمل القضائي الصادر في هذا الإطار، والمذكرات التوجيهية الصادرة عن السيد المحافظ العام، كلها عوامل تتحد لتشكل تركيبة متناسقة، تعمل كميكانيزم لتحريك دواليب رحى التطهير، من أجل تنظيف الحالة المادية والقانونية للعقار. (المبحث الأول).

وتجد قاعدة التطهير هذه، تطبيقات لها في مجموعة من العمليات الأخرى كالتطهير الناتج عن شهادات الإبراء ورفع اليد ومحاضر السمسرة العمومية… إذ يتم من خلالها تطهير الوضعية المادية والقانونية للعقار سواء تم نقل ملكية ذلك العقار إلى الغير أم بقي في يد مالكه. (المبحث الثاني).

المبحث الأول: ميكانيزمات تطهير العقار أثناء جريان مسطرة التحفيظ وإنشاء الرسوم العقارية:

تعتبر مسطرة التحفيظ بالمغرب مسطرة إدارية محضة كأصل، مع إمكانية تحولها إلى مسطرة قضائية –حالة وجود تعرضات-، ولذلك فالجهاز المكلف بهذه العملية هو مصلحة الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية.

وتهدف مسطرة التحفيظ في مجملها إلى خلق إطار عام لتطهير العقار الذي تنصب عليه هذه المسطرة من خلال مجموعة من الميكانيزمات والآليات التي تهدف إلى إشهار موسع للعقار والحقوق المتعلقة به لتبصير كل من يحتمل أن تربطه علاقة بذلك العقار للتعرض على مصالحه. (المطلب الأول).

كما أن المرحلة الأخيرة من مسطرة التحفيظ تتم عن طريق مراجعة دقيقة لوثائق الرسوم العقارية، من حيث مدى مطابقتها مع الوثائق المقدمة من قبل طلاب التحفيظ، كآلية أخيرة تفصل بين دخول العقار إلى نظام العقارات المحفظة، لذلك كان لزاما التركيز على عنصر التطهير فيها. (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مدى فعالية مسطرة التحفيظ لتبرير شرعية قاعدة التطهير:

تجد قاعدة التطهير شرعيتها من خلال المراحل الطويلة والمتعددة التي يقطعها العقار قبل تحفيظه، سواء من خلال فحص مطالب التحفيظ ودراستها، أو من خلال النشر في الجريدة الرسمية، أو المرحلة التقنية عن طريق عمليات التحديد التي تصاحب المسطرة من أجل معاينة العقار ميدانيا، ولذلك سأركز على هذه المرحلة بشكل خاص من حيث مدى تبريرها لشرعية قاعدة التطهير. (الفقرة الأولى).

            غير أن الأمر قد يتجاوزه إلى المرحلة القضائية، وذلك بفضل الإمكانية المتاحة للغير الذي يملك حقا عينيا على العقار والمتمثلة في التعرض على مطلب التحفيظ وما يصاحب ذلك من نقل للنزاع على مستوى مؤسسة القضاء للفصل في التعرضات . (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المرحلة الإدارية للتحفيظ وتبرير قاعدة التطهير:

سأعمل على تقسيم هذه الفقرة إلى شقين، أتحدث في الأول عن المرحلة الإدارية للتحفيظ وأخصص الثاني للمرحلة التقنية.

أولا: المرحلة الإدارية: بداية أتاح المشرع وعلى سبيل الحصر لمجموعة من الأشخاص إمكانية تقديم مطلب التحفيظ دون غيرهم، من خلال الفصل 10 و11 و12 من ظهير 12 غشت 1913، وأعتقد أنه في هذا الحصر الشيء المهم لكونه يقطع الطريق أمام مجموعة من الأشخاص الذين قد يدفعهم الفضول لتقديم مطالب تحفيظ عن الآخرين مع ما يمكن أن يهدد من مصالح.

وتنطلق المرحلة الإدارية لمسطرة التحفيظ العقاري ابتداء من قدوم طالب التحفيظ واستقباله بقسم العموم بمصلحة المحافظة العقارية، حيث يقوم بالإدلاء بما يفيد إثبات أصل تملكه ومدخله للعقار المراد تحفيظه، ويتم إيداع هذه الوثائق والعقود لدى الموظف المتواجد بنفس القسم، قصد دراستها وفحصها داخل أجل معين حسب أهمية تلك الوثائق.

وعند التأكد من جدية الوثائق والمستندات المدلى بها يتم آنذاك إحالتها على السيد المحافظ قصد إعادة دراستها ليتم إما قبولها حالة كونها ترقى لمرتبة الرسوم المثبتة للملكية، أو رفضها في الحالة التي يشوبها عيب.[137]

غير أن الإشكال الذي يثار هنا هو المتعلق بمدى صلاحية المحافظ في فحص هذه المستندات للتأكد من سلامتها وكونها ترقى لمرتبة الوثائق المثبتة للملكية؟.

يذهب أحد الباحثين بخصوص هذا الإشكال إلى أنه بالرغم من كون المادة 14 من ظهير التحفيظ العقاري لم تلزم طالب التحفيظ بالإدلاء بما يفيد تملكه للعقار المراد تحفيظه، فإنه اتكاء على المادة 96[138] من نفس الظهير يتبين أن طالب التحفيظ ملزم بتقديم الوثائق الكافية لتبرير تملكه للعقار المراد تحفيظه تحت طائل رفض المحافظ للتحفيظ بعدم كفاية الرسوم.[139]

في حين يرى البعض الآخر بأن المحافظ لا يملك آليات العمل التشريعية والعملية للتأكد من سلامة الوثائق المدلى بها تدعيما لطلب التحفيظ مما لا يسمح للمحافظ برفض المطلب حين وضعه بدون رسوم.[140] وهو الأمر التي تكون له لا محالة انعكاسات خطيرة سواء على مبادئ العدالة أو على الاستثمارات، فأمام غياب آليات قانونية لمراقبة مدى سلامة وسائل الإثبات في مجال التحفيظ باعتباره مجرد تعبير عن إرادة منفردة، تصبح معه مطالب التحفيظ عبارة عن وسائل للسطو والاغتصاب على حقوق الغير، وهو الأمر الذي لا يبرر بتاتا الصفة النهائية للرسم العقاري، فالمراقبة القبلية إذن تبقى هي الحل الكفيل لضمان تكافؤ الفرص بين الأطراف والمساهمة الفعالة في تطهير الملك.[141]

وأعتقد أن هذه المرحلة مهمة في تطهير العقار منذ البداية، إذ أن المحافظ يملك مجموعة من التقنيات التي يستطيع من خلالها دراسة وفحص الحجج التي يقدمها طلاب التحفيظ، فبالرغم من عدم وجود أي مقتضى قانوني صريح يفرض على المحافظ ضرورة فحصه لهذه الحجج، إلا أنه من الناحية العملية يقوم بدراستها بدقة لترجيحها أو لرفضها، وهو ما أكده السيد المحافظ العام من خلال دورية صادرة بـ 16 دجنبر 1988 شدد من خلالها على ضرورة التشدد في مراقبة الوثائق والمستندات المؤيدة لطلب التحفيظ، ولذلك فطالب التحفيظ إذا لم يكن متوفرا على الوثائق الدامغة لتأييد طلبه، فإنه لا يستطيع إتمام إجراءات مسطرة التحفيظ لصالحه.

وعموما ففي حالة قبول هذه المستندات كأصل للتملك، يمنح آنذاك طالب التحفيظ مطبوعا أوليا يسمى “مطلب التحفيظ”[142] يحمله إلى مصلحة المسح العقاري قصد ضبط الموقع إداريا ودون الخروج لعين المكان، إذ أن هذه المصلحة تتوفر على خرائط مرجعية تمكنها من تحديد موقع أي عقار من خلال هذه الخرائط.

وتتجلى الوظيفة العملية لهذا الإجراء في كونه يسمح مسبقا بالتحقق من كون العقار لا يتداخل مع أي رسم عقاري آخر أو أي تحديد إداري، ولا يندرج ضمن بعض العقارات الخاضعة لأنظمة خاصة مثل قانون 90-25…. وكل ذلك كآلية تطهيرية مسبقة على إيداع مطلب التحفيظ المعروف.

وبعد القيام بهذه الخطوة يقدم طالب التحفيظ هذه الوثيقة –المحضر- لمصلحة المحافظة العقارية ليتم التأكد من جديد من سلامة تموقع العقار، وعدم تداخله مع أي عقار محفظ… ليتم بعدها ملء مطلب التحفيظ[143] الذي يمنح بقسم العموم مجانا، ثم إحالته على السيد المحافظ قصد العمل على تقييم القيمة المادية للعقار موضوع التحفيظ، اعتمادا على تصريحات طالب التحفيظ المبينة في المطلب، إذ أنه بناء على هذا التقييم يتم تحديد رسوم التحفيظ المنصوص عليها بمقتضى مرسوم التعريفة الخاصة برسوم التحفيظ،[144] ليتم أداء هذه الرسوم مقابل وصل يتسلمه طالب التحفيظ.

ومن خلال شكليات تقديم مطلب التحفيظ (المادة 13 من ظ.ت.ع) يتضح أنه يتضمن لزاما مجموعة من البيانات،[145] التي تهدف إلى منع إغفال أي حق مشروع يعود للغير تجنبا لإهداره  خصوصا عندما يتعلق الأمر بحالة الشياع.

غير أن الإشكال الذي يفرض نفسه هنا هو كيفية التأكد من مختلف المعلومات التي أدلى بها طالب التحفيظ وخصوصا تلك التي لا محل لها في وثائق الإثبات، مادام أن المحافظ يعتمد في ذلك على مجرد تصريحات طالب التحفيظ؟ !! وهو ما قد يكون فيه إجحاف على حقوق الغير خصوصا حالة وجود شركاء، وهنا أقترح بأن يتم ملء طلب التحفيظ بمركز القائد وبحضور عون السلطة (المقدم أو الشيخ)، هذا الأخير الذي يكون على علم واطلاع بحيازة طالب التحفيظ، وكذا أصحاب الحقوق المقررة على ملكه حالة وجودها، كما هو الشأن مثلا لتأسيس شهادة الملكية في مسطرة التحفيظ الجماعي.

وبشكل عام، فبخصوص شكليات تقديم طلب التحفيظ يعقب بعض الفقه على الوثائق المثبتة للملكية بكونها رغم قانونيتها إلا أنها تعبر عن محتواها بشكل تقريبي وفقط، كما هو الشأن مثلا لمساحة العقار وحدوده… أضف إلى ذلك عدم تنصيصها على مختلف الحقوق والارتفاقات الواقعة على العقار، وهو ما يحتمل أن يهدر حقوق الغير،[146] وهو توجه عن حق، غير أن معظم- إن لم أقل كل- هذه الحجج محررة وفق هذا الشكل في إطار عقود عرفية أو عدلية، وهو ما يعني أنه لا أحد يستطيع تحفيظ عقاره إن تم التشديد في عدم قبول هذه الوثائق، ولذلك فأعتقد بأن الرهان سيبقى مطروحا على مسطرة التحفيظ وما تحتوي عليه من وسائل إشهارية لتنوير وإخطار الغير من أجل التعرض على حقوقهم.

وعليه، فبعد أداء الرسوم، يمنح طالب التحفيظ إشعارا[147] يتضمن تحديدا مسبقا لتاريخ عملية التحديد بالساعة واليوم والشهر، ليوقع عليه كإشعار بالتوصل، وذلك تفاديا لمشاكل التحديد السلبي كما كان الأمر عليه سابقا حيث كان طالب التحفيظ يتوصل بالإشعار بعد مرور وقت معين على نشر خلاصة المطلب بالجريدة الرسمية، أما حاليا فيقع التحديد داخل أجل 90 يوما من إيداع طلب التحفيظ.

وبعد ذلك يتم إحالة الملف على قسم مسطرة التحفيظ، الذي يعمل على تكوين ملف خاص بمطلب التحفيظ يحمل الاسم الذي اختاره طالب التحفيظ، ورقما ترتيبيا يلازمه إلى حين تأسيس الرسم العقاري ليأخذ رقما ترتيبيا جديدا.

ويبدأ دور قسم المسطرة بتوجيه خلاصة لمطلب التحفيظ،[148] للجريدة الرسمية داخل أجل 10 أيام،[149] إلا أنه تم تدارك هذا الوضع من طرف السيد المحافظ العام ليصبح هذا العمل يتم داخل أجل يومين من إيداع الطلب، والغرض من ذلك هو إشهار طلب التحفيظ، من خلال هذه الخلاصة التي تتضمن رقم المطلب وتاريخ إيداعه وإسم أو أسماء طلاب التحفيظ وإسم العقار وموقعه ومشتملاته ومساحته والملاك المجاورين من الجهات الأربع  والحقوق الواقعة عليه…

ومن خلال المادة 18 من ظ.ت.ع يقوم المحافظ بعد نشر الخلاصة بالجريدة الرسمية بإرسال ورقة توجيه[150] إلى القاضي وكذا بطاقة توجيه[151] إلى القائد، تتضمنان خلاصة لمطلب التحفيظ قصد تعليقها بلوحة الإعلانات، لتبقى معروضة على أنظار العموم إلى غاية حلول يوم التحديد المؤقت ليتم إعادتها إلى مصلحة المحافظة مع ما يثبت تعليقها.

وأوجب المشرع على القائد توسيع عملية الإشهار عن طريق إشهار خلاصة المطلب في أسواق دائرته كل أسبوع إلى اليوم المحدد للتحديد المؤقت، وذلك عن طريق مجموعة من الوسائل من بينها “البراح” ، لما لهذه الطريقة التقليدية من فعالية، لاسيما في القرى والأرياف، حيث كثرة الأمية وقلة الاطلاع على وسائل الإشهار المكتوبة، وأن يرسل بعد ذلك تقريرا مفصلا عن هذه العملية.[152]

ومن خلال ما سبق، تبدو أهمية بعض الوسائل التقليدية للإشهار (البراح مثلا)، خصوصا وأن معظم الناس في البوادي لا يعرفون القراءة، ولذلك حبذا لم تم إحياء هذه الوسيلة التي أصبحت مغيبة في جل مناطق المملكة.

وعموما فتقنية إشهار خلاصة مطلب التحفيظ، سواء من خلال الجريدة الرسمية –التي تبقى شكلية قانونية لا غير- أو من خلال التعليق لدى الجهات المذكورة، فإنها تبقى في نظري قاصرة عن تنوير الغير، وخصوصا أصحاب الحقوق المقررة على العقار موضوع التحفيظ، إذ أن مشكل الأمية ينضاف إلى محدودية انتشار الجريدة الرسمية، حتى لدى الفئات المثقفة ليزيد من حدة المشكل، كما أن التعليق لدى القائد والمحكمة المعول عليهما في إخطار الغير يبقى مشوها إذ أنه ومن خلال الزيارة الشخصية لهذه المراكز تبين أن أماكن تعليق هذه الإعلانات لا تمت بصلة لوسائل الإعلان، فكثرة الإعلانات المنشورة وتداخلها وتنوع مواضيعها، وعدم ترتيبها… إضافة إلى بعد هذه المراكز عن أماكن استقرار السكان وخاصة البدو… كلها عوامل تساهم فقط في عرقلة دور هذه الآلية، لتبقى الوسيلة المعول عليها هنا هي “البراح” لكونها تحقق تواصلا أكبر، غير أنها عرفت تراجعا بدورها، وهو ما يجعل قاعدة التطهير غير مواكبة للإجراءات المسطرية  للتحفيظ.

وتجدر الإشارة إلى أنه في نفس الوقت أثناء توجيه الإعلانات السابقة يتم توجيه قائمة إرسال إلى مصلحة المسح العقاري قصد العمل على تحديد الملك المعني بالتحفيظ في التاريخ المحدد له.[153]

ثانيا: المرحلة التقنية: بحلول التاريخ المحدد لعملية التحديد المؤقت، ينتقل المهندس المختص لعين المكان المتواجد به العقار، وتعتبر هذه المحطة من أهم المراحل التي تمر بها مسطرة التحفيظ، لأنه من خلالها يتم إثبات الحالة المادية والقانونية للعقار، وتوضيح معالمه وربطه هندسيا بالخريطة العامة للمنطقة.[154]

وأعتقد شخصيا بأن هذه المرحلة تعتبر أهم مرحلة للإشهار على الإطلاق، لأنها الوسيلة التي تتلاءم مع درجة وعي وثقافة كل المغاربة…

ومن الناحية العملية، فقبل حلول أجل عملية التحديد يتم استدعاء كل من طالب التحفيظ والملاك المجاورين وكل من له علاقة بالعقار وكل متدخل في المسطرة قبل 10 أيام من تاريخ التحديد، حسب ما قررته المادة 20 من القرار الوزيري لـ 3 يونيو 1915، وذلك حتى يكونوا على أتم الاستعداد للحضور لهذه العملية والدفاع عن حقوقهم.

فمن خلال ما سبق، تبدو أهمية الإشهار في مسطرة التحفيظ التي تنور إرادة الجمهور وأصحاب المصلحة في إبداء ملاحظاتهم وتعرضاتهم… سواء تم ذلك أمام المحافظ أو القائد أو الباشا أو رئيس الجماعة والمحكمة.[155] ولذلك  فعملية الإشهار من خلال الاستدعاء وغيره من الوسائل الأخرى تمكن الجميع من الإحاطة علما بمسطرة التحفيظ، ومن تم التدخل في المسطرة عن طريق التعرض، فهذه العلنية تبرر نسبيا شرعية قاعدة التطهير.

وبانتقال المهندس المساح لعين المكان يقوم بإعداد محضر التحديد المؤقت.[156] بناء على الحالة التي يحددها طالب التحفيظ من خلال تهيئته للعقار عن طريق وضعه للعلامات والحدود والأنصاب الضرورية وصباغتها باللون الأحمر… ويكون هذا المحضر مؤقتا وغير دقيق وبشكل تقريبي ويدوي، يبين من خلاله المهندس يوم وساعة وقوع العملية وموقع العقار والأملاك المجاورة والحاضرين واسم الملك… كما هو وارد من خلال المادة 20 من ظ.ت.ع، ويتم الإشارة إلى حالة وقوع تعرضات وتدوينها بمحاضر تلحق بمحضر التحديد المؤقت. ويتم تسيير هذه العملية حسب المادة 20 دائما من طرف المحافظ العقاري أو من ينوب عنه الذي يقوم بدور قضائي من حيث استجواب طالب التحفيظ والملاك المجاورين والحاضرين… ويتحقق من واقع الحيازة ومدتها… غير أن هذه المهمة أصبحت من اختصاص المهندس الذي يقوم بجميع العمليات نظرا لكثرة أشغال المحافظ، وهو ما يعد إشكالا من حيث كون المهندسين أهل اختصاص تقني ولا دراية لهم بهذه العمليات، وهو ما يهدد شرعية قاعدة التطهير.

غير أن المشكل الذي يزيد من حدة الأمر السابق أن عمليات التحديد أصبح يعهد بها للقطاع الخاص ، وهو الأمر الذي أدى في الكثير من الأحيان إلى تجاوزات خطيرة، وخصوصا فيما يتعلق بمسألة عدم احترام التوقيت المحدد للعملية وما يتبعه من غياب لذوي الشأن، لأن الهاجس الوحيد الذي يسيطر على المهندسين الخواص هو إنجاز أكبر عدد من القضايا، ومنه أكبر قدر ممكن من الربح في ظل المنافسة المحتدة في هذا المجال، وهو ما يتم على حساب مصالح الآخرين، فحسب بعض الحالات التي تم التصريح بها لبعض المحافظات أن مجموعة من عمليات التحديد وضعت لها المحاضر ليلا وهو ما يعد خرقا سافرا للمقتضيات القانونية وضربا في أهم إجراء تعول عليه قاعدة التطهير لتبرير شرعيتها.

وعموما، تتمظهر بعض مظاهر التشديد لضمان أكبر قدر ممكن من الشفافية أنه في حالة وجود مطالب أنجزت لها عمليات تحديد، وحدث أن تم قلع علامات الحدود التي سبق غرسها أثناء التحديد الأولي، حيث يصعب على مصلحة المسح العقاري ربط حدودها بالشبكة الجيوديزية وتأسيس رسم عقاري لها يتم إلغاء نتيجة التحديد الأولي وتحديد تاريخ جديد لعملية تحديد جديدة، وكذا الإعلان عن خلاصة المطلب لدى السلطات المختصة وإحاطتها بإشهار واسع لطالب التحفيظ والمجاورين وأصحاب الحقوق المصرح بها.[157] وهو ما من شأنه أن يمنع التعدي على الأملاك المجاورة بمجرد أن ضاعت العلامات الأولى، وهي نقطة مهمة تحسب لصالح قاعدة التطهير، ونفس الأمر بالنسبة للخلاصة الإصلاحية حالة نشوء حق عيني على العقار موضوع التحفيظ أثناء جريان مسطرة التحفيظ، أو حالة ضم عقار آخر لنفس المالك يقع بجوار ذلك العقار، إذ يتم الإدلاء بالوثائق المؤيدة لذلك، ليتم نشرها من جديد بالجريدة الرسمية وإعادة تحديد ذلك الجزء.

وبعد مرور أربعة أشهر[158] يتم تهيئ التصميم النهائي، وذلك عن طريق الخروج لعين المكان، ليتم تحديد الموقع بدقة باستعمال آلات الإحداثيات المتطورة، وذلك لتسهيل ربط العقار بالشبكة الجيوديزية، كما يتم تحديد مساحة العقار بدقة متناهية، ليوجه بعد ذلك إلى مصلحة المحافظة العقارية، هذه الأخيرة التي تقوم بمقارنة المساحة الواردة بمحضر التحديد النهائي مع المساحة المصرح بها من طرف طالب التحفيظ بالمطلب.

وكتقييم لعملية الاستدعاءات وعملية التحديد المؤقت من حيث حمايتهما لحقوق الغير، ومنه تبرير الشرعية القانونية لقاعدة التطهير، أن وسيلة الاستدعاء تؤدي دورا فعالا في إعلام الغير وتنوير إراداتهم من خلال الحضور لعملية التحديد المؤقت والإدلاء بمختلف شهاداتهم وتعرضاتهم… غير أن الأمر الذي يؤخذ عليها أنها تبقى محصورة بين طائفة معينة من الملاك، وفي غالب الأحيان حسب رغبة طالب التحفيظ المتمثلة من خلال تصريحاته كما هو الشأن بالنسبة للجيران والشركاء حالة وجودهم وأصحاب الحقوق العينية… وبالتالي فعملية الاستدعاء في جانب منها تبقى مستجيبة لتصريحات طالب التحفيظ وهو الأمر الذي قد يأتي على حقوق الغير كما هو الشأن في حالة عدم التصريح ببعض هؤلاء بمطلب التحفيظ، كالشركاء مثلا،… ولذلك أقترح في هذا المجال أنه يتم تأسيس لجنة للتبليغ تابعة لمصلحة المحافظة العقارية، تكون مهمتها الاتصال بالمعنيين بالأمر بمحل سكناهم، ومرتين على الأقل، مرة قبل 10 أيام ومرة قبل يوم واحد على تاريخ التحديد، لأنه بنجاح هذه المرحلة تنجح مرحلة التحديد.

أما بخصوص عملية التحديد المؤقت، فتعتبر أهم وأخطر مرحلة في نفس الوقت، وذلك لدورها الفعال في إحاطة الجمهور علما بالعملية الواقعة على العقار من خلال تجمهر الناس بالمكان، وهو ما يزيد من فضول الكثير للتعرف على مجريات الحدث، غير أن الذي يؤخذ على هذه المرحلة هو أنها تبقى من خلال الواقع العملي مسيرة من قبل المهندس المساح، وهو رجل تقني ولا علاقة له بالقانون رغم ارتباط عمله به، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى إهدار مجموعة من الضمانات الممنوحة للغير، خصوصا وكما سبق أن أشرت إليه أنها أصبحت تناط بالقطاع الخاص الذي يسعى بالدرجة الأولى لتحقيق الربح ولو على حساب الغير، وهو مالا يتوافق مع خصائص الرسم العقاري المطهرة لهذه الحقوق غير المدلى بها.

وكما ذهبت إحدى الباحثات إلى أن وقت إجراء عملية التحديد لا يتجاوز يوما واحد –بل ساعة أو ساعتين- وهو ما لا يكفي لإجراء بحث قانوني مفصل عن حالة العقار سواء من حيث واقع الحيازة أو الحقوق الواردة على العقار… إذ يقتصر دور المهندس فقط على مجرد عمليات تقنية من تحديد لموقع العقار ورسم للخريطة المؤقتة وتحديد للمساحة والمشتملات… وهو ما يضفي على هذه المرحلة صفة الطبوغرافية أكثر مما هي عليه قانونية.[159]

وبناء على ما سبق فالوسائل المشار إليها أعلاه –باستثناء بعض إيجابيات عملية التحديد- لا تخدم مصلحة الغير بالشكل المطلوب، وهو الأمر الذي يضرب في شرعية قاعدة التطهير.

واسترسالا في مسار مسطرة التحفيظ فيما يتعلق بالجانب المبرر منها لقاعدة التطهير، نجد أنه بعد توصل مصلحة المحافظة العقارية، بالتصميم النهائي وحالة كون هذا الأخير متداخلا مع رسم عقاري آخر، فيتم إنقاص الجزء المتداخل مع ذلك الرسم، كما يمكن أن يكون متداخلا مع تحديد إداري، فإذا كان هذا الأخير مصادقا عليه فيتم إلغاء مطلب التحفيظ أو إلغاء الجزء المتداخل معه، أما إذا لم يكن مصادقا عليه فيتم مراسلة السلطة الوصية عليه لتدمج كمتعرض.

وتعتبر هذه المرحلة مهمة من حيث كونها تساهم في إعادة مراجعة الخطوات التي قطعها مطلب التحفيظ، وهو ما يشكل حماية لحقوق الغير، وإضفاء لنوع من المصداقية على الصفة النهائية للرسم العقاري.

وبصفة عامة، فبعد هذه المراحل يقوم المحافظ أو من ينوب عنه بتحرير الإعلان عن انتهاء التحديد[160] داخل أجل أربعة أشهر الموالية للتحديد الفعلي للعقار يوجه للجريدة الرسمية قصد النشر، طبقا للمادة 23 من ظ.ت.ع مع ما يستتبعه من ضرورة التعليق لدى محكمة وقائد المنطقة التابع لها العقار.

وتجدر الإشارة إلى أنه بمجرد النشر بالجريدة الرسمية ومرور أجل شهرين يقفل باب التعرضات، مع مراعاة الاستثناءات التي جاءت بها المادة 29 من ظ.ت.ع.

ويبقى الهدف من وراء الإشهار بالجريدة الرسمية، هو منح مسطرة التحفيظ المجال الواسع من الإشهار، لتبرير شرعية الرسوم العقارية إذ لابد من إعطاء الفرصة لأصحاب الشأن للتعبير عن تعرضاتهم وتدخلاتهم، حتى تكون حجة عليهم حالة تقاعسهم.[161]

غير أن الإشكال يعيد نفسه، إذ أن تقنية الإشهار هذه، تبقى شكلية قانونية أكثر مما هي إشهارية نظرا لقصورها عن بلوغ المقصود في تحقيق إشهار موسع لجميع الأطراف المعنية، ولذلك ينبغي على الأقل عدم حصر الإشهار على الجريدة الرسمية ونقله ليشمل بعض الجرائد المحلية.

وعموما فمسطرة التحفيظ ترتبط بمجموعة من المحطات التي من شأنها أن تحقق الغرض المقصود منها، وأن تضفي على قاعدة التطهير الشرعية القانونية التي كانت ولا زالت محط نقاش المهمتين بالمجال.

فالمشكل الأساس الذي يعترضنا في هذا المجال يتمثل في عدم احترام هذه الشكليات والمحطات بالشكل اللازم، فلو تمت عملية الاستدعاء كما أراد لها المشرع، وكذلك لو تم احترام التاريخ المحدد لعملية التحديد وجميع الشكليات المرتبطة بها من بحث قانوني وغيره، وعموما لو تم احترام المسطرة كما وضعها المشرع لكانت النتائج إيجابية ولكانت شرعية قاعدة التطهير مبررة بالشكل المطلوب، فالمشكل ليس في شكليات مسطرة التحفيظ أو في نهائية الرسم العقاري، ولكن المشكل في عدم احترام هذه المقتضيات القانونية والمسطرية… وبالتالي فالتركيز يجب أن ينصب على ضرورة احترام إجراءات المسطرة منذ بدايتها إلى نهايتها مع التوسع في وسائل الإشهار ما أمكن…

وارتباطا بمؤسسة التعرض ودورها في حماية الحقوق من الاعتداء، وكذا اعتبارها آلية قانونية تساهم بدورها في إعطاء قيمة لشرعية قاعدة التطهير، فإنها في غالبيتها تنقل النزاع إلى الجهة القضائية لتبدأ مرحلة جديدة من حياة التحفيظ، لها مميزاتها وخصائصها عن نظيرتها الإدارية، وهو ما سأناقشه في الفقرة الثانية.

الفقرة الثانية: المرحلة القضائية للتحفيظ كأساس لتبرير شرعية قاعدة التطهير:

 بحكم العلاقة الترابطية التي تجمع بين مؤسسة التعرض والمرحلة القضائية للتحفيظ إذ أنه لا وجود لهذه الأخيرة إلا بوجود الأولى فإنني سأعمل على تقسيم هذه الفقرة إلى قسمين، سأتناول مؤسسة التعرض ودورها في تبرير قاعدة التطهير من خلال حماية حقوق الغير في نقطة أولى، على أن أتناول في النقطة الثانية دور القضاء في تبرير شرعية قاعدة التطهير.

أولا: مؤسسة التعرض وتبرير شرعية قاعدة التطهير:

تعتبر مؤسسة التعرض الآلية الفعالة –إن لم نقل الوحيدة- التي يعبر من خلالها أصحاب الحقوق العينية على العقارات التي تكون موضوع تحفيظ عن تعرضاتهم وتدخلاتهم، وهذا طبيعي في مؤسسة قانونية تعتبر الرسم العقاري نهائيا ومطلقا إزاء الكافة.

ويجد التعرض أصله في مجموعة من النصوص القانونية ضمن ظ.ت.ع وخاصة الفصل 24 منه، إذ أنه من خلاله يمكن لكل شخص التعرض على مسطرة تحفيظ عقار ما، وذلك خلال أجل شهرين من يوم نشر إعلان انتهاء التحديد بالجريدة الرسمية ما لم يكن تعرض من قبل، وذلك حالة وجود نزاع بشأن وجود أو مدى وجود حق الملك لطالب التحفيظ، أو في حالة الادعاء بمباشرة حق عيني يمكن تسجيله على الرسم العقاري الذي سيتم إنشائه.

ومهما كان المكان الذي تم التصريح فيه بالتعرض، فإن المحافظ يملك كامل الصلاحية في تأسيس التعرض، هذا الأخير الذي يعد من اللبنات الأساسية لبناء صرح نظام التحفيظ العقاري، مادام العقار المعني بالأمر تابعا لمصلحة المحافظة العقارية.[162]

وهكذا فمؤسسة التعرض تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية حقوق الغير في فترة زمنية محددة قبل أن يصبح الرسم العقاري نهائيا، إذ في أنه في هذه الحالة يلغي جميع الحقوق غير المندرجة به، غير أن التعرض كما يمكن قبوله نتيجة توفر شروطه يمكن رفضه لانعدامها.

إن المشرع من خلال الفصل 25 من ظ.ت.ع فتح المجال واسعا للمتعرض لتقديم تعرضه كيفما شاء، إذ لم يلزمه باتباع  شكلية معنية، فيمكن تقديمه مشافهة أو بشكل كتابي للجهات المختصة، فما عليه إلا أن يتقدم بتعرضه والإدلاء بالبيانات والمعلومات الكافية التي تبين كنه التعرض سواء تعلقت بالمتعرض أو بالعقار المتعرض عليه، طبعا مع أداء الرسوم.

وبالرجوع إلى الفصل 24 من ظ.ت.ع يتبين أن التعرض مفتوح في وجه كل شخص تتوفر فيه شروط معينة من قبيل الصفة والمصلحة والأهلية، وهي شروط متطلبة في جميع الادعاءات الأخرى.

وهذه الإمكانية كما أشار بعض الفقه مفتوحة في وجه حتى الأشخاص الذين لا تربطهم الشروط السابقة بالعقار، فيما يسمى بالتعرض الكيدي أو التعسفي، رغم أن المشرع أخضع هذه الإمكانية لجزاءات تتمثل في غرامات.[163]

ويمكن كذلك حسب الفصل 26 من ظ.ت.ع تقديم التعرض نيابة عن الأشخاص المحجورين والغائبين والمفقودين من قبل الوصي أو الممثل الشرعي لهؤلاء وكذلك الأقرباء ووكيل الدولة… شرط أن يثبتوا هويتهم والإدلاء بوثائق صحيحة للحالة المدنية لمنوبيهم… ويبدو أن الهدف من ذلك كما تذهب إحدى الباحثات هو تجنيب هؤلاء لعنصر المفاجأة الذي يمكن أن يواجههم في أية لحظة بتأسيس رسوم عقارية على أملاكهم.[164]

وتضيف نفس الباحثة بأنه بالرغم من أن المشرع فسح المجال واسعا لكل من يهمه الأمر للتعرض سواء أصالة عن نفسه أو نيابة عن غيره، وما في ذلك من حماية لحقوق القاصرين وغيرهم فإنه –المشرع- لم يضع حلا قانونيا للحالة التي يمكن أن تنتج عن سوء نية النائب الشرعي وتكديره، وهو الأمر الذي لا يبرر الحجية المطلقة للرسم العقاري.[165]

وأعتقد بأن هذا الرأي بقدر ما هو محق فيما ذهب إليه فيبقى محل نظر، لأنه وحسب الفصل 26 من ظ.ت.ع أن المتعرض نيابة عن الغير ملزم بإثبات هويته والإدلاء بجميع البيانات المتعلقة بالحالة المدنية لمنوبيه، وملزم بالإدلاء بجميع الحجج التي ترجع للمناب عنه، وبالتالي فإنه يصعب تصور سوء النية في هذا الفرض، اللهم حالة تزوير هذه الوثائق لصالحه، وهي إمكانية تبقى واردة حتى ولو تعرض أصالة عن نفسه، ومنه فأعتبر أن هذه الإمكانية المتاحة في هذا المجال ضمانة قانونية لا يمكن إنكارها بأي حال، ومن شأنها أن تساهم مع غيرها من المبررات في إضفاء نوع من الحجية الشرعية على قاعدة التطهير، وكما سبق أن أشرت، فالمشكل ليس في القاعدة القانونية وإنما في من لا يحترم هذه القاعدة، وبالتالي ومن كل ما سبق، فنحن لسنا أمام أزمة قاعدة قانونية وإنما أمام أزمة أخلاق، وأزمة وعي.

وأشير هنا إلى أن المشرع أتاح إمكانية تقديم التعرض من خلال الفصل 25 من ظ.ت.ع لجهات متعددة تشمل كل من مصلحة المحافظة العقارية، ومركز قاضي التوثيق، ومكتب القائد والمحكمة الابتدائية والمهندس المساح أثناء عملية التحديد، وتعدد هذه الجهات يمكن أن يوفر الكثير على المتعرضين، من حيث عبء التنقل… الأمر الذي يحرك غرائزهم في تقديم تعرضاتهم لهذه المراكز وخصوصا لدى المهندس المساح أثناء التحديد، غير أنه وكما ذهب إلى ذلك بعض الفقه أن هذه التعددية يمكن أن تكون هي السبب في ضياع الحقوق وذلك إما لكون مجموعة من الأشخاص –خصوصا في البوادي- لا يعلمون أصلا باختصاص هذه المراكز بالتعرضات، كما أن هذه الأخيرة ورغم كونها مختصة بنص القانون باستقبال التعرضات، فإنها لا تقوم بدورها كما ينبغي، سواء بسبب قلة التكوين في الموضوع، أو بسبب كثرة أشغالها، الأمر الذي قد يضيع على المتعرض فرصته الوحيدة بالإدلاء بحقوقه.[166] وأمام هذا الوضع المزري والذي لا يرجع بالأساس للقاعدة القانونية وإنما إلى سوء تطبيقها، أرى بأنه ينبغي تخصيص أقسام –أو بالأحرى مكاتب- لاستقبال هذه التعرضات بهذه المراكز.

هذا ونجد ضمانة أخرى من شأنها تخفيف العبء على المتعرضين، تتمثل في حالة التعرض المنعكس كليا أو جزئيا والمحكوم بصحته إذ يتم إلغاء المطلبين معا حالة التعرض الكلي،أو الجزء المتداخل حالة التعرض الجزئي، إذ لا يقتصر على إلغاء المطلب المتعرض عليه فقط.[167] وهي إمكانية تخفف عبء التعرض على أكثر من مطلب في نفس الموضوع، وتساعد على تشجيع المتعرضين للدفاع عن حقوقهم.

أما بالنسبة لأجل التعرضات، فبالرجوع إلى الفصل 27 من ظ.ت.ع، فلا يمكن قبول أي تعرض بعد مرور أجل شهرين على نشر الإعلان عن انتهاء التحديد بالجريدة الرسمية، ماعدا الحالتين المنصوص عليهما في الفصل 29 من نفس الظهير،[168] وهما حالة كون الملف لازال بين يدي المحافظ ولم يحله على القضاء، ثم حالة قبوله من طرف وكيل الدولة بقرار.

وبناء عليه، فمنذ إيداع مطلب التحفيظ بمصلحة المحافظة العقارية يحق لكل من يهمه الأمر التعرض على هذا المطلب إلى غاية مرور أجل الشهرين المشار إليه أعلاه مع مراعاة حالة الاستثناء المذكورة.

وأعتقد أن الأجل العادي للتعرض كاف لإبداء التعرضات، لأن مدته قد تصل أحيانا إلى عدة سنوات، ولذلك ينذر ألا يعلم صاحب الحق على العقار موضوع التحفيظ بهذه العملية، وأن أي تفريط منه سيحمله المسؤولية في ذلك، وتوقيا لما يمكن أن يحصل للمتضرر من جهالة نص المشرع على الأجل الاستثنائي تكميلا لدور التعرض العادي، إذ أن قبول التعرض من قبل المحافظ خارج الأجل العادي غير معلل، وهو ما يحقق نوعا من المصداقية والشرعية على نهائية الرسم العقاري.

وهو ما الذي أكد عليه المجلس الأعلى في قرار له إذ نص على أنه: “وإن كانت شهادة المحافظ المرفقة بالمقال الافتتاحي تفيد أن أجل التعرض قد انتهى إلا أنه وبمقتضى الفصل 29 من ظهير 12 غشت 1913 فإنه بعد انصرام الأجل المحدد في الفصل 27 يمكن أن يقبل التعرض بصفة استثنائية من طرف المحافظ مادام لم يوجه الملف إلى كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية…”[169]

ولعل أن ما يؤكد ويعضد ذلك أن جميع التعرضات يمكن قبولها رغم انتهاء إجراءات مسطرة التحفيظ مادام لم يتم تأسيس الرسم العقاري، فإذا صدر الحكم حائزا لقوة الشيء المقضي به فلا يقبل أي تعرض، وهو ما شدد عليه السيد الوزير الأول ووزير العدل في مذكرة إلى السيد الأمين العام للحكومة بشأن قبول التعرضات بعد مرحلة التقاضي، إذ جاء من خلالها بأن التعرض لا يقبل بعد انصرام أجل الشهرين المحدد في المادة 27 من ظ.ت.ع مع مراعاة الاستثناءات الواردة بالفصل 29 منه، فبالأحرى قبولها بعد مرحلة التقاضي وصدور الحكم النهائي.[170]

وخير ما أختم به هذه النقطة هو قول أستاذنا عبد الواحد حمداوي، بأنه لا يجب النظر للموضوع من جزئية أو زاوية واحدة، وأنه لا يمكن التوسع في قبول التعرضات دون مراعاة آجال معينة، وإنما الذي يجب التركيز عليه هو تطوير وتنويع آليات الإشهار والنشر بالشكل الذي يحقق العلانية الكافية، ويمكن المتعرضين من التدخل في الوقت المناسب، وهو الأمر الذي يعفينا من الحديث عن مجموعة من المشاكل التي تأتي من بعد.[171]

وعموما يعمل المحافظ على مراقبة الوثائق والمستندات التي أدلى بها المتعرض ليضفي على هذه الوضعية الجديدة التي تتخلل مسطرة التحفيظ الجدية والمصداقية المتطلبة لبناء السقف القانوني، لتبقى مسألة قبول أو عدم قبول التعرض تتوقف على مدى توفره على جميع الشروط الشكلية والجوهرية، وكذا جدية المطالب المقدمة في هذا الشأن.[172]

ومن جهة أخرى تتساءل إحدى الباحثات عن الصفة والأساس التي يعتمدها المحافظ فيما يخص عملية البحث في هذه الوثائق والوسائل القانونية المعتمدة لتأييد التعرض؟[173] فأعتقد بأن المحافظ رجل قانون، يعتمد في عملية بحثه في هذه الأسانيد على نفس الوسائل القانونية التي اعتمدها في بحث حجج طالب التحفيظ بداية، كما يؤكد   بعض الفقه بأن هذه المسالة لها ما يبررها من حيث كون المحافظ -أو من المفروض فيه- إطار متعدد التكوين والتخصصات، وخبيرا بخبايا أدغال التحفيظ.[174]

وكنقطة أخيرة في هذا الشأن، أربطها بالرسوم المتطلبة على التعرضات، إذ يجب على المتعرض أداء مبلغ 160 درهما كرسم عقاري يستخلص من قبل مصلحة المحافظة ويدفع لصالح المحكمة، أما عند عجز المتعرض عن أدائه، فيمكنه طلب المساعدة القضائية، ويمكن كذلك للمحافظ حسب المادة 32 من ظ.ت.ع تخفيض هذه الوجيبة حسب أهمية النزاع، ويمكن الإعفاء منها تماما حالة التعرضات الناتجة عن مطلب آخر للتحفيظ يكون شاملا لجزء من العقار موضوع المطلب الأول، على أنه حالة عدم تقديم هذه الرسوم يتم إلغاء طلب التعرض بعد مرور 3 أشهر على تقديمه.

ويستغرب البعض من هذه الحالة الأخيرة بشأن إلغاء التعرض حالة عدم أداء الرسوم دون النظر في جوهره، إذ أنه لسبب تافه يتمثل في عدم أداء الرسوم القضائية يترتب عنه إلغاء التعرض،[175] فأعتقد بأن الشيء الذي نستغرب منه هو عدم أداء مبلغ بسيط مثل هذا من قبل المتعرض مع علمه بسقوط حقه في التعرض، إذ كيف يتصور بأن مالكا لعقار أو حقوق عقارية يتردد عن أداء هذا المبلغ الزهيد، فمبلغ 160 درهما مبلغ ضئيل لا يمكن أن يشكل حاجزا يقف أمام المتعرض، هذا مع اعتبار إمكانية التخفيف منه، وبناء عليه فالمشرع راعى وضعية الغير الذي يمكن أن تتضرر مصالحه بأن خفض مبلغ هذه الرسوم، وهو الأمر الذي يساعد على إضفاء عدالة اجتماعية على قاعدة التطهير.

وإذا كان يذهب البعض إلى ضرورة التسهيل على المتعرض لإبداء تعرضاته سواء من حيث فتح أجل التعرض أو التشديد على الجهات المكلفة باستقبال التعرضات… فإنه حتى في ظل هذه الظروف الضيقة –حسب هذا الاتجاه- كثرت التعرضات وخصوصا الكيدية فما بالك حالة التسهيل فيها، الأمر الذي نبه إليه السيد المحافظ العام من خلال دورية[176]  شدد من خلالها على مسألة قبول التعرضات وعدم التوسع في مفهوم الأجل الاستثنائي للتعرض نظرا لتزايد ظاهرة التعرضات الكيدية.

ثانيا: المرحلة القضائية للتحفيظ وتبرير شرعية قاعدة التطهير:

إن اللجوء إلى المرحلة القضائية للتحفيظ لا يتم إلا حالة ظهور تعرضات لم تصف أثناء المرحلة الإدارية، وتعتبر المرحلة القضائية لمسطرة التحفيظ ذات خصوصيات وشكليات مميزة عن نظيرتها العادية، نظرا لخصوصية المسطرة المنصوص عليها بقانون التحفيظ العقاري، إذ أنه غالبا ما يرفض القضاء الطلبات الرامية إلى تطبيق مجموعة من القواعد العامة، إذ أكد على أنه لا مجال للاستدلال بمقتضيات المسطرة المدنية ما دام النزاع يتعلق بالتحفيظ الذي تنظمه مسطرته الخاصة والمنصوص عليها في ظهير التحفيظ العقاري[177].

 وتعتبر المحكمة المختصة في هذا المجال هي المحكمة الابتدائية التي يقع العقار بدائرتها، التي تفصل في النزاع وفق إجراءات معينة، ويكون حكمها قابلا للاستئناف، وهذا الأخير يكون بدوره قابلا للطعن بالنقض. ولذلك سوف أتناول المسطرة المطبقة أمام هذه المحكمة من خلال التطرق لمجموعة من القواعد التي تحكم سير النزاع أمام قضاء التحفيظ و علاقة ذلك بتبرير شرعية قاعدة التطهير.

أ- عدم أحقية المحكمة بالفصل في حقوق طالب التحفيظ:

إن العمل التشريعي بخصوص أحقية المحكمة بالفصل في مطلب التحفيظ يتجه نحو تقليص دور القضاء في هذه المسألة، فبالرجوع إلى المادة 38 من ظ.ت.ع قبل تعديلها نجدها تنص على أنه: “إذا قضى الحكم الصادر برفض مطلب التحفيظ كلية، فإنه يتعين فقط إعادة الأطراف إلى الحالة التي كانوا عليها قبل إيداعه”.

فهذه المادة كانت تعطي للمحكمة صلاحية البث في حقوق طالب التحفيظ، فلها أن تقبله أو ترفضه حسب ما هو مقدم من حجج ومستندات.

وتطور الأمر بتعديل ظهير 24 شتنبر 1917 ليجعل اختصاص المحكمة يقتصر على البث في التعرضات وفقط إلى أن جاء ظهير 25 غشت 1954 ليكرس واقعا قانونيا ينص بصفة قطعية من خلال المادة 97 على أنه : “…وتبث المحكمة في وجود الحق المدعى به من قبل المتعرضين، ونوعه ومحتواه ومداه، وتحيل الأطراف قصد العمل بقرارها على المحافظ الذي له وحده النظر في قبول طلب التحفيظ أو رفضه كلا أو بعضا، وذلك مع الاحتفاظ بحق الطعن المنصوص عليه في الفصل 96”.

ويذهب أحد الأساتذة الباحثين –عن حق- حول هذه الوضعية إلى أنه إذا كان مبررا أن المحكمة تبث في صحة التعرضات فقط ربما لكونها غير مؤسسة أصلا، إذ تقوم برفضها وإعادة الملف إلى المحافظ الذي يملك أحقية البث في مطلب التحفيظ، فإنه غير مبرر عندما يكون التعرض مؤسسا، وهو الأمر الذي يفرض على المحكمة ضرورة فحص حجج طالب التحفيظ والترجيح بينها.[178]

وبالنسبة للعمل القضائي نجد أن أبرز قرار صادر في هذا المجال هو قرار استئنافية الرباط الذي ذهب إلى إلغاء الحكم الابتدائي وصرح بأنه : “لم يكن للمحكمة أن تبث في قبول أو عدم قبول مطلب التحفيظ…”[179] وقد نهج المجلس الأعلى نفس التوجه إذ قرر بأن: “المحكمة غير ملزمة بمناقشة حجج طالب التحفيظ الحائز للعقار المطلوب تحفيظه حتى يدعم المتعرض تعرضه بحجة قوية… مقبولة شرعا في ميدان الاستحقاق…”[180]

وهو نفس التوجه الذي أكدته ابتدائية وجدة: “..وحيث أنه ومن القواعد الفقهية والقضائية في مجال دعاوي التحفيظ، أن طالب التحفيظ مدعى عليه والمتعرض مدعيا، ومن تم فإن الأول لا تناقش حججه إلا إذا أدلى الثاني بما يدعم تعرضه، وعليه فإنه بالرجوع إلى وثائق الملف يتبين أن المتعرضين لم يدلوا بأية حجة يمكن مقارنتها أو ترجيحها مع حجة طالب التحفيظ المتمثلة في الملكية المستوفية لشروط الملك المعتبرة شرعا، وبالتالي وجب نعت جميع التعرضات بأنها غير صحيحة.”[181]

ويشير بعض الفقه إلى وجود علاقة تنافر بين مقتضيات الفصلين 37 و 48 من ظ.ت.ع، هذا الأخير(ف 48) الذي يخول للمحكمة صلاحية الحكم بغرامة على المطلب الذي ثبت صدوره عن تعسف أو سوء نية، فكيف يمكن للمحكمة الحكم بهذه الغرامة على طالب التحفيظ، في الوقت الذي لا تملك حق النظر فيه حتى.[182]

ومن جهتي فلا أرى أي تعارض بين النصين أعلاه، بحكم أن المحكمة لما تنظر في حجج المتعرض وتلمس قوة حجيتها وصحتها وترجحها على حجج طالب التحفيظ، فإنها تستنتج معه بكون طلب التحفيظ مصدره سوء النية والتكدير.

وعموما، فأعتقد بأنه لا مانع من فحص المحكمة لحجج طالب التحفيظ رغم كونها كانت محل بحث من قبل المحافظ لأن ذلك لن يزيد سوى من تعضيد وتمديد فترة النقاهة التي يمر منها العقار قبل تأسيس الرسم العقاري، وفي نفس الوقت فالمتعرض من المفروض فيه أن يكون حائزا لجميع الوثائق الدامغة لتبرير تعرضه، ولذلك فالمحكمة عندما ترى جدية هذه الوثائق فإن عدم صلاحيتها في البث في مطلب التحفيظ لن يقف حاجزا أمام تقرير حق المتعرض.

ورغم ذلك فالمشرع مطالب بإعادة النظر في الموضوع.

ولعل القضاء في بعض قراراته حاول كسر هذا الحصار المفروض عليه إذ حاول خلق عدة قواعد تحقق نوعا من المرونة في التعامل مع خصوصية مسطرة التحفيظ، ومن ذلك ما جاء في قرار للمجلس الأعلى بأنه: “وإن كان الفصل 37 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري ينص على أن المحكمة تبث فيما يخص وجود الحق المدعى به من طرف المتعرضين إلا أن هذا النص لا يمنع قضاء الموضوع من فحص الرسوم المستدل بها من لدن الأطراف ليقارنوا بين قوة إثبات كل رسم، وذلك بما يملكون من كامل السلطة في هذا الشأن.”[183]

لكن الإشكال الذي يفرض نفسه هو أنه حالة تعدد المطالب على نفس العقار، فمن الذي يعتبر المتعرض ومن تم المدعي؟، يجيبنا هنا قرار لاستئنافية الرباط بأنه: “يبقى صاحب المطلب الأول من حيث التاريخ محافظا على صفة المدعى عليه في الدعوى حالة حدوث تنازع مطلبين إثر إيداع مطلب للتحفيظ لاحق من طرف المتعرض، ويبقى صاحب المطلب الثاني من حيث التاريخ متعرضا إزاء الأول، وهو ملزم بجميع الإيداعات الواجبة على المدعي.”[184]

ومن خلال هذه القرارات القضائية يبدو الدور المهم الذي يلعبه القضاء من أجل التخفيف من صرامة النصوص القانونية بالشكل الذي يضمن حماية حقوق المواطنين وفي نفس الوقت احترام روح النص القانوني.

ب- منع المحكمة من حق الفصل بين المتعرضين:

حسب الفصل 37 من ظ.ت.ع فالمحكمة لا تفصل بين المتعرضين حالة وجود تعرضات كثيرة على نفس مطلب التحفيظ إذ نكون أمام عدد من النزاعات ترتبط بعدد من التعرضات ولو كانت ترتبط بموضوع واحد، باعتبار أن كل نزاع يشكل دعوى مستقلة ضد مطلب التحفيظ.[185]

وهو ما نهجته ابتدائية وجدة التي قررت بأنه : “وحيث إن الدفع المتعلق برفض طلب التحفيظ غير مستساغ قانونا، إذ أن محكمة التحفيظ تبث في صحة التعرضات في مواجهة مطلب التحفيظ كما أنها لا تقضي بين المتعرضين أنفسهم، وإنما بين هؤلاء الآخرين وطالب التحفيظ في وجود الحق المدعي فيه من عدمه”،[186] وأنه لا يمكن اللجوء إلى الترجيح بين الحجج بين المتعرضين وطالب التحفيظ إلا إذا كانت هذه الحجج سليمة.[187]

ولاشك أن هذا النهج أدى في الكثير من الحالات إلى صدور مجموعة من الأحكام التي تتعارض في منطوقها وحصول إشكاليات بخصوص تنفيذها، كما أنه يؤدي حالة الحكم بصحة جميع أو بعض هذه التعرضات إلى إعادة تقديم مطالب تحفيظ جديدة، الأمر الذي يصبح ولاشك محل تعرض من قبل الغير، وخصوصا المتعرضين السابقين، – مع مراعاة عدم إمكانية طالب التحفيظ الأول بالتعرض- وهو ما يجعلنا أمام حلقة مفرغة تطيل النزاع وتطيل مسطرة التحفيظ، وهو ما يتعارض مع أهداف نظام التحفيظ العقاري.

كما أن عدم مواجهة الخصوم بعضهم البعض يشكل ضربا في مبدأ تساوي المتقاضين أمام القضاء، ويقيم تمييزا بين وضعيتين قانونيتين لا يميز بينهما سوى قوة وحجية وصلابة المستندات المقدمة من الأطراف.[188]

وفي هذا الإطار أتساءل مع بعض الفقه عن الجدوى المتمثلة من إحالة الملف على القضاء حالة وجود تعرضات عدة على نفس الموضوع، مادام أن المحكمة لا تستطيع أن تفصل فيما بين هؤلاء المتعرضين ولا تملك كذلك قرار تحفيظ العقار، مما يترتب عنه ولو تم الحكم بصحة التعرض إعادة فتح إمكانية التعرض من جديد، ولم لا الوصول إلى القضاء مرة أخرى، وربما من قبل نفس الأشخاص[189] أليس هذا عبثا؟ !! ولذلك أقترح هنا الفصل في هذه التعرضات من خلال الترجيح بينها، لمواجهة التعرض المحكوم بصحته مع طالب التحفيظ.

جـ- عبء الإثبات في قضايا التحفيظ العقاري:

إن ما استقر عليه القضاء في هذا الباب هو أن عبء الإثبات يلقى على عاتق المتعرض، باعتباره المدعي مقابل طالب التحفيظ الذي يوجد في مركز مريح –المدعى عليه- اعتمادا على الفصل 37 من ظ.ت.ع، حيث ذهب القضاء في العديد من قراراته إلى اعتبار المتعرض مدعيا وطالب التحفيظ مدعى عليه.[190]

وبحكم أن العقار المتعرض عليه لازال في طور التحفيظ، فإنه يبقى خاضعا في جوهره لقواعد الفقه الإسلامي بالدرجة الأولى، وهو ما يستتبع بأن تكون الحيازة قرينة على التملك بيد الحائز، وبالتالي إلقاء عبء الإثبات على الطرف الآخر، غير أن هذه الوضعية التي يتواجد بها العقار (مرحلة ما قبل التحفيظ)، ارتأى المشرع أن تبقى خاضعة بالإضافة إلى ما سبق  إلى الفصل 13 بشأن مسطرة التحفيظ والفصل 37 من ظ.ت.ع بشأن التعرضات، ومن خلالهما يبقى الإثبات على عاتق المتعرض.

ورغم أن هذه الوضعية تشجع الملاكين على التحفيظ، حتى يتموقعوا في مركز مريح، احتمالا لظهور تعرضات، فإنها في نفس الوقت يمكن أن تشكل خطرا على حقوق الغير، إذ أنه بمجرد السبق في تقديم طلب التحفيظ يجعل صاحبه في مركز المدعى عليه !!! وهو ما يقدح في شرعية قاعدة التطهير، رغم كون القضاء يذهب في تفسيره لهذه القاعدة بكون المتعرض بتعرضه يعطي ميلادا للنزاع.[191] وهو ما سارت عليه ابتدائية وجدة في حكم جاء فيه: “… في حين أن المتعرض… لم يعزز تعرضه بمقبول وبالتالي مادام أن هذا الأخير يعتبر مدعيا وجب عليه إثبات تعرضه، الأمر الذي يتعين معه التصريح بعدم قبول تعرضه”.[192]

وكخلاصة لما سبق، فالمرحلة القضائية للتحفيظ تتخللها الكثير من الهفوات والنقائص التي وإن كانت تسعى إلى تقليص النزاع وحصره من أجل عدم إطالة مسطرة التحفيظ، وتأسيس الرسوم العقارية، إلا أنها كثيرا ما جاءت معاكسة تماما، هذا في الوقت الذي يعول فيه على القضاء لتكميل الدور التبريري لقاعدة التطهير، رغم أن مجموعة من القرارات القضائية حاولت رفع الحصار التشريعي المفروض على القضاء إلا أن ذلك يبقى غير كاف، مما يستدعي معه ضرورة التدخل من أجل منح القضاء دورا أكبر في تحقيق تطهير للعقار بالشكل الذي يضمن حجية أكبر لقاعدة التطهير.

المطلب الثاني: مدى فعالية مرحلة إنشاء الرسوم العقارية كآلية أخيرة لتبرير شرعية قاعدة التطهير:

تعتبر مرحلة إنشاء الرسم العقاري بمثابة الحاجز أو المعبر الأخير الذي يعبره العقار للدخول إلى نظام العقارات المحفظة، إذ من خلال هذه المرحلة يتم منح العقار تأشيرة الدخول من قبل السيد المحافظ.

وبذلك فالمحافظ قبل إصداره لقرار التحفيظ يقوم بمجموعة من التقنيات بحرص شديد لتسجيل كل ما هو مشروع وإلغاء ماعدا ذلك.(الفقرة الأولى).

على أن عملية التطهير والإشهار لا تقتصر على مرحلة إنشاء الرسم العقاري بل تتجاوزه إلى ما بعد ذلك لتصاحب مجموعة من العمليات التي تترتب عنه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مظاهر التطهير أثناء تأسيس الرسوم العقارية:

تبتدئ مرحلة تأسيس الرسم العقاري بمرور أجل الشهرين على تاريخ نشر  الإعلان عن انتهاء التحديد بالجريدة الرسمية حالة عدم وجود أي تعرض أو بعد صدور حكم نهائي في التعرض حالة وجوده.

ففي الحالة الأولى، فبانقضاء أجل الشهرين أعلاه دون تسجيل أي تعرض على مطلب التحفيظ يقوم المحافظ بالتأكد من كون جميع إجراءات مسطرة التحفيظ قد احترمت وفي آجالها المحددة، ووفق شكلياتها المقررة وكون جميع مستندات طالب التحفيظ موجودة، وذلك من خلال الوثائق المضمنة بملف مطلب التحفيظ، كما هو الشأن بالنسبة للتصاميم المرفقة بمحضر التحديد (تاريخ العملية، مساحة العقار، حدوده…) وكذا من الشهادة المثبتة لعدم التعرض على مطلب التحفيظ.

ويقوم المحافظ أو من يقوم مقامه بتهيء وثائق الرسم العقاري[193] التي تنقل معلوماتها حرفيا من مطلب التحفيظ، ويكرر مراجعتها عدة مرات حالة تهيئتها من قبل غيره للتأكد جيدا من مطابقتها لمندرجات ملف مطلب التحفيظ، كما أنه حالة التحفيظ الجماعي يراجعها مقارنة مع اللائحة التجزيئية للملاك، وكل ذلك تطبيقا للفصل 30 من ظ.ت.ع الذي ينص على أنه:” عند انصرام الآجال المحددة في الفصول السابقة وبعد التحقق من تطبيق جميع المقتضيات الرامية إلى إنجاز إشهار المسطرة وكذا إنجاز التحديد الصحيح يمكن للمحافظ أن يباشر تسجيل العقار بالسجل العقاري إذا ثبت لديه أن الكل صحيح وأنه لم يقع أي تعرض”.

وعموما، فتعتبر هذه المرحلة دقيقة وحساسة جدا من حيث كون المحافظ يهدف قبل إصدار قراراه بالتحفيظ أو العكس إلى الحرص الشديد على تسجيل فقط الحقوق المشروعة وتلافي ما هو غير مشروع.

أما الحالة الثانية وهي حالة كون مطلب التحفيظ متعرضا عليه، يتم إرسال الملف إلى المحكمة[194] الابتدائية التي يقع العقار بدائرتها لتبث في القضية مع حفظ حق الاستئناف والنقض.

وعند صدور الحكم النهائي في القضية، يتم إرجاع الملف إلى مصلحة المحافظة العقارية ليتم دراسته بداية فيما إذا كان متوفرا على جميع الوثائق المرسلة إلى المحكمة، إذ أنه في حالة نقصان أية وثيقة يتم إشعار المحكمة بتدارك إرسال الوثائق الناقصة.

ويقوم المحافظ بعدها بدراسة الحكم من خلال الأشواط التي قطعها، فإذا كان قد قضى برفض التعرض، فيتم التشطيب على هذا الأخير من سجل التعرضات ليحفظ العقار باسم طالب التحفيظ، أما حالة الحكم بصحة التعرض، فيتم إلغاء مطلب التحفيظ وفتح مطلب جديد لصالح المتعرض المحكوم بصحة تعرضه، طبقا للمادة 37 من ظ.ت.ع ليخضع لإشهار مختصر خلال أربعة أشهر، ويدفع فقط نصف رسوم التحفيظ مع القيام بتحقيق للأنصاب ومراجعتها ليفتح باب التعرضات من جديد، وأعتقد أن هذه الإجراءات تزيد من حماية حقوق الغير الذي يمكن أن تكون فاتته فرصة التعرض على المطلب الأول من خلال الإشهار الذي يخضع له المطلب الثاني، كما أنه يخفف نوعا ما من الإجحاف الذي يسود مرحلة التقاضي على حقوق المتعرضين بالدرجة الأولى.

وعموما بعد تأكد المحافظ من سلامة جميع إجراءات مسطرة التحفيظ ودراسة الحكم النهائي حالة التعرضات، يقوم بإصدار قرار التحفيظ الذي يتشكل واقعيا من خلال تأسيس الرسم العقاري ليأخذ رقما تسلسليا جديدا، ويؤشر عليه المحافظ بعبارة “للتحفيظ بدون/ مع تقييد مرادف”.

ومن بين الضمانات التي تزيد من حماية حقوق الغير، أنه بعد تأسيس الرسم العقاري يقوم المحافظ بوضع عبارة “ألغي بسبب التحفيظ” على جميع العقود والوثائق والمستندات التي أدى بها طالب التحفيظ لتأييد مطلبه، وكذلك حتى لا يستغلها لنفس الغرض مرة أخرى أو يقوم بتفويت عقاره اعتمادا على تلك الوثائق.

كما أن الدور الذي كانت تلعبه تلك الوثائق أصبح معهودا به للرسم العقاري، وبذلك فهذه العقود يطالها التطهير بدورها بفعل مسطرة التحفيظ بناء على مقتضيات الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع.[195]

وينص القانون التونسي على نفس المقتضى، إذ نصت المادة 334 من مجلة الحقوق العينية التونسية على أنه:” تتولى إدارة الملكية العقارية وضع عبارة “إبطال” على الصكوك المدلى بها تأييدا للمطلب وتحفظها لديها، على أنه إذا كانت هذه الصكوك تتعلق زيادة على العقار المسجل بعقار آخر منفصل عنه فإن إدارة الملكية العقارية تنص  بالصك المشترك على عبارة إبطال تخص العقار المسجل استنادا إلى الحكم الصادر بالتسجيل وإدارة الملكية العقارية تسلمه للمعنيين”.

وبعد تأسيس الرسم العقاري مباشرة يتم تسجيله بسجل التقييدات المعد لهذه الغاية، وبذلك يصبح العقار المحفظ خاضعا لنظام قانوني جديد ومطهر من كل الحقوق الغير مطالب بها أثناء سريان مسطرة التحفيظ، وبطلان ما عداه من الرسوم.

وكتقييم لمرحلة تأسيس الرسوم العقارية، فهي رغم كونها قصيرة جدا من حيث مدتها الزمنية فإنها تشكل منعطفا مهما في تاريخ العقار الذي يستقر من غير رجعة في أحضان نظام العقارات المحفظة.

ولذلك فالمحافظ يقوم بدور مهم من خلال الحرص الشديد على تأسيس رسم عقاري تندرج في إطاره الحقوق المشروعة والمدلى بها من طرف طلاب التحفيظ، فدراسة الرسم ومراجعته مع مندرجات ملف مطلب التحفيظ وكذا اللوائح التجزيئية للملاك هي عملية تساعد المعنيين بالأمر بالاحتفاظ بحقوقهم كاملة.

وتأكيدا على حماية أصحاب الشأن في هذا المجال، منحهم المشرع إمكانية طلب تصحيح الأخطاء المادية التي يمكن أن تصبح عالقة بالرسم العقاري بسبب سهو أو إغفال، وكذا إمكانية الطعن في قرار المحافظ القاضي برفض هذا الطلب.

كما أن مسألة إلغاء جميع الرسوم المدلى بها تأييدا لمطلب التحفيظ مهمة جدا إذ تقي الغير من الغلط والتدليس الذي يمكن أن يعترضهم من طرف المالك صاحب الرسم العقاري إذ لو تمكن من تفويت عقاره اعتمادا على هذه الرسوم فلا يستطيع الغير الاحتجاج بها لكونها أصبحت ملغاة وفي حكم العدم.

الفقرة الثانية: مظاهر التطهير بعد تأسيس الرسوم العقارية:

بعد تأسيس الرسم العقاري يصبح هذا الأخير خاضعا لنظام قانوني محدد (قانون التحفيظ العقاري) من غير إمكان إخراجه منه، ويصبح نهائيا وغير قابل للطعن، ومطهر من جميع الحقوق غير المندرجة بالرسم العقاري بفعل قاعدة التطهير، هذه الأخيرة التي لا تقتصر على هذه المرحلة بل تجد عدة تطبيقات لها من خلال مجموعة من العمليات التي يمكن أن ترد على العقار المحفظ، كما هو الشأن بالنسبة لما يلي:

 حالة تنظيم رسم ملكية جديد: فقد يحدث في حالات معينة أن يقوم المحافظ بتنظيم رسم عقاري جديد محل الرسم القديم، ولذلك فينتج عن هذا الرسم الجديد تطهير الحالة من الرسم القديم عن طريق وضع ما يفيد الإلغاء وكذا طابع المحافظة على جميع صفحاته، ويستتبع ذلك إلغاء نظير الرسم العقاري المسلم للمالك بنفس الطريقة، على أن يحتفظ بها في المحفوظات وهو ما نص عليه الفصل 57 من ظهير 12 غشت 1913.

ففي هذه الحالة يبدو عنصر التطهير حاضرا رغم أخذه لمفهوم مغاير نسبيا إلا أنه يهدف بشكل أو بآخر إلى تطهير الوضع القانوني لهذه الحالة، سواء من الرسم العقاري القديم أو نسخة نظير ذلك الرسم، وذلك حتى لا يمكن استغلاله بشكل غير قانوني يؤدي إلى الإضرار بالغير عن طريق استعمال رسم عقاري لم يعد له وجود قانوني.

حالة تسليم نسخة بديلة عن نظير الرسم العقاري عند ضياعه: ففي حالة ضياع نظير الرسم العقاري من يد المالك، يتطلب الأمر معه تقديم طلب من طرف المالك قصد الحصول على نسخة جديدة، ويشتمل هذا الطلب على جميع ما يعضد ويؤيد صفة المالك وكذا جميع الحقوق والتكاليف والرهون المثقل بها العقار.

ويقوم المحافظ بدراسة الطلب، ففي حالة كون هذا الأخير لا يعبر بصدق عن جدية مزاعم الطالب، فإنه يمتنع عن تسليمه نسخة جديدة، أما حالة كونه جديا، فيتم بعد نشر إعلان بذلك في الجريدة الرسمية وقبل خمسة عشر يوما عن منح هذه النسخة، منح النظير حسب ما نص عليه الفصل 101 من ظهير 3 يونيو 1915.

والهدف من ذلك كما يقول البعض هو علم الجمهور برغبة صاحب النسخة الضائعة في الحصول على نسخة جديدة وذلك لتطهير الحالة من جميع الاعتراضات التي يمكن أن تظهر، حيث يمتنع المحافظ عن تقديم النسخة إذا ارتأى جدية التعرض.[196]

 هذا وتكون لهذه النسخة الجديدة نفس القوة القانونية التي كانت تتمتع بها النسخة الأصلية (المادة 102 من ظهير 3 يونيو 1915)، مع الإشارة إلى ضرورة أداء الرسوم المفروضة على هذه الحالة والتي لا تقل عن 500 درهم كحد أدنى.

وأشير هنا إلى أن هذا المقتضى منصوص عليه أيضا في الفصل 363 من مجلة الحقوق العينية التونسية الذي ينص على أنه: “إذا تولى مدير الملكية العقارية إقامة رسم ملكية جديد، فإنه يبطل الرسم السابق بوضع عبارة خاصة عليه تقضي بإبطاله ممضاة من طرفه مع وضع طابع إدارة الملكية، كما يتولى وضع طابع إبطال على جميع الصفحات”.

 تغيير اسم العقار المحفظ: فكما هو معلوم، فكل رسم عقاري يحمل اسما خاصا به تمييزا له عن غيره، غير أن هذه التسمية قد تكون محل تغيير إما لكونها مشتقة من أسماء أجنبية، أو ارتأى المالك ذلك، وفقا لمرسوم 05/1/1965.[197]

ويقدم المعني بالأمر طلبا بتغيير الاسم إلى المحافظ العقاري الذي ينظر في الطلب، وفي حالة الموافقة يقوم بما يلي:

– إشهار الطلب بالجريدة الرسمية وأداء مبلغ 300 درهم كرسوم عن طلب التغيير.

– تحرير بيان بتغيير التسمية ووضعه بالكناش العقاري وكذا الرسم العقاري ونظير هذا الأخير، ويكون ذلك بهدف إعلام الغير للتدخل باعتراضاتهم حالة تضررهم من هذا التغيير، وهو ما يعطي لهذا النوع من التطهير نوعا من المصداقية.

تحيين الرسم العقاري: كما أشرت إليه من قبل، فمن بين خصائص الرسم العقاري

أنه يكشف نقطة الانطلاق الوحيدة للعقار والحقوق العينية المرتبطة به، ومطهر من جميع   الحقوق غير المدلى بها أثناء جريان مسطرة التحفيظ.

وبالرجوع إلى المادة 66 من ظ.ت.ع نجدها تنص على أن:”كل حق عيني متعلق بعقار محفظ يعتبر غير موجود بالنسبة للغير إلا بتسجيله، وابتداء من يوم التسجيل في الرسم العقاري من طرف المحافظ على الأملاك العقارية…”

وتضيف المادة 67 من ظ.ت.ع على: “إن الأفعال الإرادية والاتفاقات التعاقدية الرامية إلى تأسيس حق عيني أو نقله إلى الغير أو الاعتراف به أو تغييره أو إسقاطه لا تنتج أي أثر ولو بين الأطراف إلا من تاريخ التسجيل، دون الإضرار بحقوق الأطراف بعضهم على بعض وكذا بإمكانية إقامة دعاوي فيما بينهم بسبب عدم تنفيذ اتفاقاتهم”.

فمن خلال المادتين أعلاه وغيرهما من المواد المتعلقة بالتحفيظ العقاري نجد أن العقار المحفظ يبقى مطهرا من جميع هذه الحقوق وغيرها ما لم يطالب صاحبها بتقييدها في الرسم العقاري، إذ أن هذا التقييد هو الوجه الحقيقي للحق وهو المنشئ له، وليس واقعة الاتفاق المبرمة بين الأطراف، وأن المالك لا يعتبر مالكا إلا من تاريخ التقييد، وهو نفس المقتضى الذي أكده المجلس الأعلى الذي ذهب إلى تأييد حكم المحكمة الاستئنافية الذي جاء فيه بأن:”عقد المبادلة المطلوب تسجيله بالرسمين العقاريين… ليس محل طعن، وأن هذا العقد لا يكون منتجا لآثاره سواء بين طرفيه أو تجاه الأغيار إلا بعد تسجيله بالرسمين العقاريين…”[198]

وتكمن أهمية التقييد أيضا في تمكين الجميع من الاطلاع على الحالة المدنية للعقار المحفظ وتطورها عبر الزمن وهو ما جعل المشرع لا يعترف إلا بالوجود القانوني للحقوق والارتفاقات المتعلقة بالعقارات المحفظة الذي يتم عن طريق التقييدات بالسجل العقاري وفي الحساب الخاص المفتوح لكل عقار، وذلك بعد التحقق من جميع المستندات المدلى بها تأييدا للطلب، وهو ما يعطي قيمة إيجابية للسجل العقاري ويعبر عن الحقيقة والحقيقة فقط.[199] وأن ما يشكل إيجابية يمكن أن تبرر شرعية هذا التطهير هو أن هذا التقييد يمثل مجرد قرينة نسبية، إذ يمكن طلب التشطيب عليه حالة قيامه على غير مبرر مشروع، وهو ما يجعله بمثابة الفرق الجوهري بين هذا النوع من التطهير والتطهير الناتج عن تأسيس الرسم العقاري.

ويجد هذا المقتضى القانوني ارتباطه بالمادة 74 من ظ.ت.ع، إذ أنه يجب على المحافظ عند استقباله لأي طلب للتسجيل أن يدرسه حتى لا يتعارض مع ما سبق من تقييدات بالسجل العقاري، وكذلك كون جميع المستندات المؤيدة للحق تجيز التسجيل، وهو أمر يساعد على حماية حقوق الغير حتى لا يواجه برفض مطلبه باعتبار أن الحالة المدنية للرسم العقاري لا تسمح بذلك.

ويلتزم المحافظ بتسجيل كل حق تقدم به أصحابه بالترتيب حسب وروده عليه، على أنه حالة تقديم عدة مطالب دفعة واحدة تسجل هذه الحقوق بنفس الترتيب (المادة 76 و77 من ظ.ت.ع) وذلك توخيا للتناسق بين هذه الحقوق ضمانا لحماية حقوق الغير وكذا إعطاء الصبغة الشرعية اللازمة للرسم العقاري حتى ما بعد تأسيسه، فتتابع التقييدات يضبط وضعية الرسم العقاري ويسمح بانتقال الحقوق بين الأطراف بشكل سليم وقانوني، وهو ما يبدو واضحا من خلال نص المادة 28 من القرار الوزيري لـ 3 يونيو 1915: “إن كل حق يطلب تقييده يجب تلقيه مباشرة من صاحب التقييد المضمن سابقا، ونتيجة لذلك وفي حالة ما إذا كان حق عيني عقاري موضوع عدة تفويتات أو اتفاقات متتابعة فإنه لا يمكن تقييد آخر تفويت أو آخر اتفاق إلا بعد تقييد ما سبق من تفويتات أو اتفاقات”.

فمن خلال ما سبق تبدو قاعدة التطهير تطبق في جانب منها – وإن كان يختلف نسبيا عن الأثر المطلق السابق- من خلال الحياة المستمرة للرسم العقاري بهدف تطهير هذا الأخير من جميع التعرضات التي يمكن أن يبديها الغير حفاظا على مصالحه من التضرر حتى لا تسجل إلا الحقوق المستوفية لشرائطها القانونية، ووفق تسلسل يضمن ترتيب هذه الحقوق بعضها أمام البعض، والحفاظ على الضمانات القانونية التي يوفرها الرسم العقاري.

وهذه التطبيقات العملية لقاعدة التطهير يتسع مفهومها ليشمل مجموعة من العمليات القانونية التي تستدعي ضرورة تسجيلها تطهير العقار من بعض الارتفاقات العقارية التي تثقله، حتى يتمكن صاحب الحق من تسجيل حقه، كما هو الشأن بالنسبة لمحاضر السمسرة العمومية ومحاضر رفع اليد وشهادات الإبراء…

وهو الأمر الذي سأتطرق له في المبحث الثاني من هذا الفصل.

المبحث الثاني: تجليات قاعدة التطهير من خلال بعض العمليات الأخرى:

إن الأثر التطهيري -كما سبق القول- يمتد حتى بعد تأسيس الرسم العقاري في حالات متعددة ومتنوعة، حسب نوع العملية التي ترد على العقار المحفظ.

ولذلك فقد يحدث إما بسبب يرجع للمالك نفسه أو حسب ما تقتضيه الضرورة إخضاع العقار المحفظ للبيع بالمزاد العلني وفق مسطرة خاصة، إذ ينتهي الأمر برسو  المزاد على شخص معين، ففي هذه الوضعية القانونية يترتب تطهير العقار تلقائيا بفضل محضر إرساء المزاد العلني.

ونفس الأمر يقال عن التطهير الناتج عن محاضر رفع اليد عن الحجوز، إذ أن العقار يكون مستعصيا عن التصرف فيه بأنواع معينة من التصرفات، وبمجرد الإدلاء بما يفيد رفع اليد عن هذا العقار يصبح مطهرا من تلك الحجوز (المطلب الأول).

على أنه في بعض الأحيان يكون المالك متوفرا على رسم عقاري خاص به، وفي نفس الوقت يبقى هذا المالك مقيدا تحت شروط فاسخة من التصرف فيه حسب أنواع معينة من التصرفات، الأمر الذي  يستلزمه الحصول على شهادة الإبراء ليصبح العقار مطهرا من تلك الشروط الفاسخة، كما أنه في الحالة التي يكون فيها أي حق يرجع للغير دون أن تكتمل له شروط تسجيله أن يعمل على تقييده احتياطيا، إلى حين استكمال جميع شروطه ليقيد نهائيا بالرسم العقاري مما ينتج عن ذلك تطهيره من جميع التقييدات اللاحقة له، (المطلب الثاني).

المطلب الأول: التطهير الناتج عن تقييد محاضر السمسرة العمومية ومحاضر رفع اليد:

يترتب عن التقييد النهائي لمحاضر السمسرة العمومية أن يصبح العقار مطهرا من جميع الحقوق والارتفاقات التي ترجع للغير لفائدة من رسى عليه المزاد العلني، ليصبح هذا الأخير مالكا للرسم العقاري اعتمادا على محضر السمسرة العمومية (الفقرة الأولى).

على أن العقار قد يكون تحت وقع منع من التصرف أو على الأقل أنواع معينة من التصرفات –بسبب حجز احتياطي أو تنفيذي لسبب ما-، وهو ما يستتبع ضرورة الحصول على أمر برفع اليد عن هذه الحجوز لتطهير العقار منها. (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: التطهير الناتج عن تقييد محاضر السمسرة العمومية:

قد تفرض الضرورة على المالك رهن عقاره المحفظ مقابل مبلغ مالي يكون في حاجة إليه، خصوصا من طرف المؤسسات البنكية، هذه الأخيرة التي تتحاشى التعامل مع العقارات غير المحفظة مما تلجأ إلى نظيرتها المحفظة وهو ما يستدعي إيقاع رهن رسمي –غالبا- على ذلك العقار المحفظ.

وعند حلول أجل الأداء قد يجد المالك –الراهن- نفسه أمام عجز عن الوفاء بالتزامه تجاه البنك، فما هي الوسيلة القانونية التي يسلكها الدائن المرتهن لتحصيل حقوقه؟.

بالرجوع إلى المادة 204 من ظهير 2 يونيو 1915 نجد ها تنص على : “إن الدائن المحرز على شهادة بتسجيل مسلمة له من طرف محافظ الأملاك العقارية طبقا للشروط المنصوص عليها في الفصل 58 من الظهير المتعلق بالتحفيظ يمكنه -وإن لم يكن بيده سند تنفيذي – طلب إجراء البيع عند عدم الأداء في إبانه وذلك عن طريق النزع الإجباري لملكية العقار أو العقارات التي سجل الدائن حقه عليها”.

وانطلاقا من هذا النص، فالدائن ملزم باتباع مسطرة تحقيق الرهن الرسمي من خلال إجراءات مسطرية تنطلق بوضع العقار المرهون بيد القضاء، ليتم إعداده للبيع عن طريق المزاد العلني، وبعد البيع تنتقل ملكيته إلى من رسى عليه المزاد مقابل دفع هذا الأخير للثمن كاملا.[200] ويبقى بعد ذلك على عاتق من رسى عليه المزاد طلب تسجيل المحضر بالرسم العقاري للعقار موضوع البيع عندما يصبح البيع نهائيا، وبمجرد التسجيل  يصبح العقار مطهرا من جميع الامتيازات والرهون والتكاليف، أما باقي الدائنين فيبقى من حقهم التنفيذ على الثمن فقط. وفق منطوق الفصل 211 من ظهير 2 يونيو 1915 المعدل بظهير 30 نونبر 1931 إذ أنه:”يقع تسجيل محضر إرساء المزايدة عندما يصبح هذا الأخير نهائيا، والتسجيل المذكور يطهر العقار من جميع الامتيازات والرهون ولا يبقى للدائنين من حق إلا على الثمن.

وحين تسجيل إرساء المزايدة يقيم المحافظ تلقائيا رهنا على المبيع ضمانا لأداء ثمن البيع الذي رست به إذا لم يكن هناك ما يثبت أداء هذا الثمن أو إيداعه إيداعا صحيحا وذلك لفائدة جميع من لهم الحق أيا كانوا.”

وبناء على هذا النص فتقييد محضر إرساء المزايدة عندما يصبح نهائيا يستلزم من المحافظ تطهير العقار من جميع الرهون والامتيازات والتكاليف… وهو الأمر الذي يؤدي إلى طرح التساؤل التالي، هل يعتبر من رسى عليه المزاد العلني ملزما بأداء رسوم التشطيب على الرهون  والتحملات وغيرها؟.

يذهب أحد الباحثين في هذا الخصوص إلى أن تقييد محضر إرساء المزاد العلني يختلف عن إجراء التشطيب التلقائي الناتج عنه، بمعنى أنه إذا كان تقييد محضر إرساء المزاد العلني يستوجب أداء الرسوم عنه، فإن التشطيب على الرهون وغيرها يتطلب أوتوماتيكيا أداء الرسوم عن هذا التشطيب، وهو ما يمكن أن يعطل إعمال الأثر التطهيري   التلقائي من الناحية العملية.[201] وتتمثل قيمة هذه الرسوم وفق مرسوم تعريفة رسوم التحفيظ العقاري لـ 1997 في مبلغ 150 درهم، وهو نفس التوجه الذي أكده السيد المحافظ العام[202] الذي ذهب إلى حد القول بأنه ما دام التشطيب على الرهون والامتيازات يترتب كأثر على تقييد محضر إرساء المزاد، وما دام طلب تقييد المحضر وما ينتج عن هذا الطلب من إجراءات لاحقة كالتشطيب يخضع هو أيضا لنفس المبدأ، وهو ما ينبغي تبعا له أداء الرسوم المقررة عن التشطيب عن الرهون والامتيازات عند تطبيق مقتضيات النص 211 السابق.

لكن الإشكال الذي يفرض نفسه هنا هو مدى إمكانية المتضرر من السمسرة العمومية أن يدفع ببطلان المحضر اعتمادا على الفصل 484 من ق.م.م والفصل 210 من ظهير 3 يونيو 1915 حالة عدم تبليغهم قصد الإدلاء بمستنتجاتهم؟.

يجيبنا قرار للمجلس الأعلى[203] بأنه بمقتضى المادة 484 من ق.م.م يجب على المعني بالأمر الطعن في إجراءات الحجز العقاري بمقال مكتوب، ولكن قبل السمسرة وليس بعدها وأنه: “يتجلى من مستندات الملف أن السمسرة موضوع الدعوى وقعت بتاريخ 22-05-2003 وأن الطاعنين لم يقدموا طلبهم بذلك إلا بتاريخ 25-11-2003 الأمر الذي يكون معه مخالفا للمقتضيات المذكورة.

أما فيما يخص الدفع اعتمادا على الفصل 210 من ظهير 3 يونيو 1915 فلا مجال لذلك، لأن هذه المقتضيات ترتبط بمرحلة توزيع المبالغ الناتجة عن البيع بعد رسو المزاد وليس قبله، وأنه لئن كان الفصل السابق 210 أوجب ضرورة إعلام الدائنين المقيدين بالرسم العقاري للإدلاء بمستنتجاتهم داخل أجل 30 يوما من تسلمهم للمضمون أو الإعلان، فإنه نتيجة لعدم إشعارهم للإدلاء بمستنداتهم لا يترتب عليه إبطال مسطرة البيع بالمزاد العلني.”

وفي قرار آخر للمجلس الأعلى اعتمد في إبطال المزاد العلني على الفصل 91 من ظ.ت.ع الذي يسمح بالتشطيب على أي تسجيل لحقوق عينية عقارية أو غيرها اعتمادا على أي عقد أو حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به يثبت انعدام أو انقضاء الحق أو الواقع الذي يتعلق به بالنسبة لجميع الأشخاص الذين يعنيهم هذا الحق الذي تم إشهاره للعموم بصفة قانونية،[204] وأنه يتم إبطاله كذلك حالة عدم توفره على الشروط المتطلبة فيه والمحددة في المادتين 477 و 478 من ق.م.م، حيث يصبح المحضر غير ذي قيمة قانونية ويجوز بالتالي التشطيب عليه من الرسم العقاري.[205]

يتبين من خلال ما سبق أن محضر إرساء المزاد العلني كلما كان مستوفيا لشروطه وأركانه المشار إليها بنصوص المسطرة المدنية وكذا بعض مقتضيات ظ.ت.ع يعتبر سندا ناقلا للملكية بالنسبة للمشتري الذي رسى عليه المزاد العلني.

كما أن حكم مرسى المزاد يعتبر بمثابة إقرار يصدر من قبل القاضي بماله من سلطة ولائية، فهو ليس حكما بالمعنى المعروف، غير أنه يفترض فيه حسمه للنزاع بين أطراف الحجز، ومنه يعتبر ذا حجية كاملة في مواجهة من صدر ضده، ويترتب عليه نقل الملكية، إذ أنه بمقتضى محضر إرساء المزاد يصبح المشتري هو المالك.[206]

وبالرجوع إلى المادة 211 من ظهير 3 يونيو 1915 يترتب عن تقييد هذا المحضر بالرسم العقاري تطهير هذا الأخير من جميع الرهون والامتيازات والتكاليف الواقعة عليه بفعل قاعدة التطهير، وإن كان يمكن التشطيب على هذا المحضر من الرسم حالة قيامه على وقائع لم يعد لها مبرر على أرض الواقع.

ومن خلال هذا النوع من التطهير المترتب عن تسجيل محضر إرساء المزايدة تتبين الحماية المقررة لفائدة المشتري، وذلك بانتقال الملكية إليه مطهرة من جميع التكاليف المثقل بها العقار حتى لا يمكن أن يواجه من قبل أصحاب الحقوق المترتبة على ذلك العقار، هؤلاء الذين لا يبقى لهم من حق سوى التنفيذ على الثمن، ومن خلاله تتبين شرعية هذا النوع التطهيري رغم نسبية آثاره.

لكن هل هذا النوع من التطهير يجد تطبيقه أيضا بالنسبة لمحضر رفع الحجز الوارد على العقارات المحفظة؟ هذا ما سأجيب عنه من خلال الفقرة الموالية.

الفقرة الثانية: التطهير الناتج عن رفع اليد:

يعرف الحجز التحفظي بأنه: “وضع أموال المدين تحت يد القضاء وغل يده عن التصرف فيها تصرفا يضر بمصالح دائنيه، تمهيدا لنزع ملكيتها لمصلحة هؤلاء واستيفاء حقوقهم من ثمنها إذا لم يؤد المدين ما عليه من ديون.”[207]

أما الحجز التنفيذي العقاري فهو منع المدين من التصرف في عقاره منعا باتا ووضعه بين يدي القضاء إلى حين بيعه بالمزاد العلني.

وارتباطا بموضوع هذا البحث، فالعقار المحفظ قد يكون محلا لحجز تحفظي ويتحول إلى تنفيذي وفق إجراءات معينة، فمالك العقار المحفظ قد يجد نفسه مرغما تحت ضغط الضرورة للحصول على قرض قصد تلبية حاجاته، وعادة ما يلجأ إلى المؤسسات المالية، هذه الأخيرة التي تطلب الحصول على ضمانات لاسترداد ديونها المقترضة، وذلك عن طريق الرهن الرسمي على العقار المحفظ.

ونجد أن الفصل 157 من ظهير 2 يونيو 1915 قد عرف الرهن الرسمي بكونه ذلك الحق العيني العقاري الواقع على عقارات مخصصة لأداء التزام ما، مع عدم قبوله للتجزيء إذ يبقى واردا على العقار المخصص له ويتبعه في أي يد انتقل إليها.

فالمالك –المدين- يلتزم بالوفاء بالتزامه تجاه الدائنين في مدة معينة، غير أنه قد يحدث بأن الدائن يعجز عن الوفاء بالتزامه هذا، مما يرى معه الدائن بأن مصالحه قد تتهدد بهذا الامتناع، لتبقى الوسيلة القانونية الفعالة هي اللجوء إلى إيقاع حجز على العقار المحفظ المرهون، ولذلك لا يمكن تصور حجز تحفظي إلا بحلول أجل الأداء وحصول الامتناع.

وبالرجوع إلى الفصل 452 من ق.م.م نجده ينص على أنه: “يصدر الأمر المبني على طلب الحجز التحفظي من رئيس المحكمة الابتدائية.” ولذلك فمسطرة إيقاع الحجز التحفظي تقتضي اللجوء إلى رئيس المحكمة الابتدائية قصد استصدار أمر بإيقاع الحجز ليتم تبليغه للمحجوز عليه أو من يوجد ذلك العقار تحت تصرفه.[208]

وبعد ذلك يتم تبليغ الأمر الرسمي إلى السيد المحافظ الذي يعمل على تسجيله بالرسم العقاري ابتداء من تاريخ هذا التبليغ وذلك بسعي من المستفيد من هذا الحجز (الفصل 455 ق.م.م).

وعموما إذا كان العقار المحفظ محل حجز تحفظي وتحول إلى تنفيذي أو تم الحجز عليه تنفيذيا مباشرة، فإن المدين في حالة حصوله على أمر استعجالي مشمول بالنفاذ المعجل بشأن التشطيب على هذه الحجوز خصوصا فيما يتعلق بمقتضيات الفصل 149 من ق.م.م، وكون هذا الأمر إما يثبت إيداع مبلغ الدين الذي يطالب به الحاجز بصندوق المحكمة أو تثبت صدور حكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به في مواجهة الحاجز ببراءة ذمة المحجوز عليه من الدين موضوع الحجز، يحق له ما دام أن الحجز التحفظي يحمي حقا شخصيا للدائن ينقضي بانقضاء الدين أو ببراءة الذمة منه، أن يطلب من المحافظ العقاري التشطيب على الحجز المقيد،[209] ونفس الأمر يصدق باعتماد الفصل 208 من ظهير 2 يونيو 1915، وذلك حالة تراخي الحاجز عن مواصلة الإجراءات التي تتلو الحجز، إذ يحق للمحجوز عليه أن يحصل على أمر يقضي برفع الحجز.[210]

لكن الإشكال الذي يثار هنا هو هل يمكن اعتبار الطعن بالنقض ضد قرار استعجالي قام برفع الحجز التحفظي موقفا للتنفيذ طبقا للمادة 361 من ق.م.م.؟

لقد تطرق السيد المحافظ العام لهذا الإشكال وأكد على أن الأوامر التي تقضي برفع الحجز التحفظي بناء على الفصل 149 من ق.م.م تعتبر أوامر استعجالية ومشمولة بالتنفيذ المعجل بقوة القانون طبقا للفصل 153 من ق.م.م باستثناء القرار الذي يقضي برفع اليد، كما هو الشأن بالنسبة لرفع اليد عن الحجز التحفظي، إذ أن هذا الأخير لا يكون قابلا للتنفيذ إلا بعد الإدلاء بشهادة بعدم التعرض أو الاستئناف حسب المادة 437 من ق.م.م وهو مالا يمكن التوسع فيه أو تأويله لأنه بدوره يشكل استثناءا .

وبناء عليه فالمادة 437 من ق.م.م تشكل قاعدة خاصة مقارنة مع المادة 361 من ق.م.م، وبحكم أن الخاص يعقل العام، فإنه يتعين على المحافظين العقاريين التشطيب على الحجوز التحفيظية اعتمادا على قرارات استعجالية مع الإدلاء بشهادة بعدم التعرض أو الاستئناف أو بقرار استئنافي مؤيد لها، دون أن يستلزم ذلك شهادة بعدم الطعن بالنقض، وهذا بالنسبة للحالة التي يتم فيها اعتماد رفع الحجز على المادة 149 من ق.م.م، أما الحالة التي يتم الارتكاز فيها على الفصل 208 من ظهير 2 يونيو 1915 فهي مستثناة، إذ تكون هذه الأوامر نهائية وتنفذ مباشرة.[211]

لكن هل يمكن تمديد نطاق الأوامر التي تقضي برفع الحجز إلى رفع الرهن المنصب على العقار المحفظ؟.

يجيبنا المجلس الأعلى على هذا التساؤل بأن قاضي المستعجلات الذي يصدر هذه الأوامر يكون مختصا في نطاق الفصل 152 من ق.م.م بالبث في الإجراءات الوقتية التي يقتضيها الاستعجال ولا يمس بالجوهر، وبالتالي فالأمر القاضي بتمديد آثار رفع الحجز إلى رفع الرهن المسجل يكون غير مبني على أساس وخارق للمقتضيات القانونية.[212]

لكن ماذا لو تم تفويت العقار المحفظ للغير وتراخى هذا الأخير عن تسجيل شرائه، وحدت أن تم إيقاع الحجز على هذا العقار باعتبار أنه لازال في ملك صاحبه الأول؟.

في هذا الإطار ذهب المجلس الأعلى إلى أن: “عقد البيع الرابط بين البائع والمشترين كان بتاريخ 25-2-1985 في حين أن الحجز التحفظي الذي أوقعه الطاعن على العقار المبيع كان بتاريخ 1-12-1995 وأن التسجيل بالرسم العقاري هو ما يهدف إليه المطلوبان في النقض، وأنه لما كان المبيع يتعلق بعقار محفظ فإن تسليمه للمشترين لا يتم بكيفية قانونية إلا إذا تم تسجيل عقد البيع في الرسم العقاري طبقا لما تقتضيه الفصول 65 و66 و67 من ظهير 12/8/1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري، ولذلك فإن القرار المطعون فيه لما قضى على البائع …بتطهير العقار… من الحجز التحفظي… حتى يتسنى للمطلوبين تسجيل حقوقهما في الرسم العقاري فإنه لم يخرق بذلك الفصول المستدل بها…”[213]

وعموما فمن خلال الفصل 91 من ظ.ت.ع نجد أن الحق المسجل بالرسم العقاري والذي حدث وأن تم التشطيب عليه من هذا الرسم يعتبر منقضيا تماما في مواجهة كل من يعنيهم الأمر، ويصبح العقار مطهرا من جميع الحقوق المشطب عليها ابتداء من تاريخ إجراء التشطيب وليس له أي أثر رجعي.

فالحقوق التي تم التشطيب عليها تنقضي وتزول ويتم إعدامها بالمرة كأن لم تكن من قبل بفعل الأثر التطهيري الناتج هذه المرة عن التشطيب عن الحقوق من السجل العقاري بفعل تسجيل محضر رفع اليد الذي يتم حسب المادة 91 أعلاه إما بموجب عقد صحيح أو بموجب حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به، طبعا بعد قيام المحافظ بدراسة الوثائق المدلى بها للتشطيب.

المطلب الثاني: التطهير الناتج عن شهادة الإبراء والتسجيل النهائي للتقييد الاحتياطي:

إن المالك يكون –أحيانا- مسجلا بالرسم العقاري بخصوص عقار ما، غير أنه يكون مقيدا من التصرف بخصوص هذا العقار بأنواع معينة من التصرفات، كما هو الشأن بالنسبة للعقود التي تبرمها مصلحة الأملاك المخزنية والتي تتضمن شروطا موقفة، إذ بعدم احترامها يكون من حق الإدارة إبطال هذا التصرف واسترجاع العقار، وهو ما يتطلب من المالك ضرورة الحصول على شهادة الإبراء من الإدارة المعنية –المفوتة- قصد التحلل من تلك الشروط الموقفة للتصرف. (الفقرة الأولى).

كما أنه قد يلجأ أصحاب الحقوق العينية على عقار محفظ إلى إيقاع تقييد احتياطي عليه قصد الحفاظ مؤقتا على حقوقهم، حتى إذا ما اكتملت الشروط القانونية للتقييد النهائي يتم تسجيله نهائيا مما يكون لتاريخ التقييد الاحتياطي أثره في إعدام كل الحقوق والالتزامات التي نشأت بعده. (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: التطهير الناتج عن شهادة الإبراء:

إن شهادة الإبراء هي تلك الوثيقة التي يسلمها الدائن للمدين عندما يستوفي جميع حقوقه، واحترام المدين لجميع الشروط المتضمنة بعقد التفويت، وتتضمن إبراء تاما لذمة المدين من التزاماته.

وكمثال على ذلك، فبالرجوع إلى المرسوم رقم 659-283 بتاريخ 18 غشت 1987 من خلال مادته 11 ينص على أنه : “تظل العقارات المبيعة مخصصة برهن عقاري لضمان أداء جميع الثمن الأصلي وتوابعه إلى أن يتم الوفاء بذلك.”

كما أنه من خلال مجموعة من العقود التي تبرمها مصلحة الأملاك المخزنية تضمنها شروطا موقفة من قبيل عدم التفويت والرهن والإيجار… إلا بعد مرور مدة معينة والحصول على شهادة الإبراء بذلك.

وعليه فلا تبرأ ذمة المشتري من تلك الشروط إلا بعد أداء التزامه واحترام شروطه حسب طبيعة العقد وحصوله على الإبراء، غير أنه قد يحصل أن يقبل الدائن منح هذه الشهادة حتى قبل حصوله على حقوقه وخاصة عند ما يريد دعم ائتمان مدينه، وذلك عن طريق تطهير العقار من الرهن وكذا من الشروط الموقفة الأخرى.[214]

لكن الإشكال الذي يتبادر إلى الذهن في هذا الشأن وهو ألا يمكن أن يتعارض هذا النوع من العقود من الوجهة القانونية مع الفصل 65 وما يليه من ظ.ت.ع بحكم أن هذا الفصل يتناقض مع مضمون الشروط الموقفة من حيث كونه يمنح قوة إثبات للحقوق المكتسبة والمسجلة بالرسم العقاري، مقارنة مع مقتضيات الشروط الموقفة التي تمنع المستفيد من التصرف في عقاره بأي نوع من التصرف إلا بعد استيفاء شروط معينة؟.

لقد ذهب البعض بهذا الخصوص إلى أنه من الوجهة القانونية تتعارض هذه الشروط الموقفة مع مضمون الفصل 65 المذكور، غير أن الضرورة تدعو إلى غض الطرف عن ذلك من أجل تمكين مشاريع الحكومة في ميادين السكنى والتعمير من النجاح والاستمرارية… وأنه يكون لزاما على المحافظ في هذه الحالة أن يتغاضى عن تسجيل العقد المتضمن لهذه الشروط، إذ أنه لو تقيد المحافظ بالنص القانوني لامتنع عن تسجيل تلك العقود وهو ما ينتج عنه عرقلة مشاريع التجزئة والبناء.[215]

على أنه لا يمكن أن نتصور هذه الشروط بمثابة قيد على حق التصرف، وإنما هي عبارة عن تقييد خاص يعلن للغير بأن العقد المرفق بهذه الشروط وإن كان مستوفيا لشروطه القانونية، فإنه يبقى قابلا للفسخ متى توفرت شروطه وأسبابه، كما ينبئ باحتمال ممارسة دعوى الفسخ حالة عدم احترام هذه الشروط، وأنه مجرد إجراء تحفظي ينقضي بمجرد ترقينه، مع احتفاظه بآثاره الكاملة حالة ممارسة دعوى الفسخ وتقريرها من طرف المحكمة، وبالتالي فهو يشكل تخفيفا لإطلاقية وصرامة المبدأ الذي يأخذ به النظام العقاري المغربي، وذلك حماية للغير المقيد بحسن نية وفقا للفصل 67.[216]

لكن ماذا عن حالة تفويت العقار المحفظ والمثقل بهذه الشروط للغير، فهل يستطيع المشتري في هذه الحالة أن يطلب تسجيل ذلك القيد بالرسم العقاري؟.

لقد تطرق المجلس الأعلى في أحد قراراته لمثل هذا الإشكال في نازلة تتمثل وقائعها في أن أحد المستفيدين من تفويت قطعة أرضية معدة للبناء من طرف المكتب الشريف للفوسفاط، وقام بدوره بتفويتها رغم ورود شرط المنع من التفويت ما دامت القطعة عارية، وأنه لما أرادت المشترية الثانية تسجيل عقد شرائها رفض المحافظ ذلك باعتبار أن البائع –المشتري الأول- لم يتوصل بعد بشهادة الإبراء، مما طلبت معه إلزام البائع تسليمها هذه الشهادة قصد تسجيل شرائها، فأجاب البائع بأن عقد البيع الرابط بينه وبين المكتب الشريف للفوسفاط من بين شروطه عدم التصرف في الأرض وهي عارية، وطلب معه إلغاء عقد البيع الرابط بينه وبين المشترية، فحكمت من خلاله المحكمة الابتدائية وفق طلب هذا الأخير، استأنفته الطاعنة، فقضت المحكمة الاستئنافية بإلغاء الحكم المستأنف، وبعد الطعن بالنقض قرر المجلس الأعلى بأنه لا مجال لتمسك الطاعن بالشروط الواردة في العقد الرابط بينه وبين المكتب الشريف للفوسفاط في مواجهة المطلوبة بحكم أن المكتب المذكور هو الذي له الصفة للتمسك بهذه الشروط.

ولذلك قرر المجلس بأن: “محل التزام المستأنف عليه معين ومتوفر على كافة شروط المحل، وبذلك يكون محل العقد المبرم بين الطرفين غير مستحيل سواء بطبيعته أو قانونا بغض النظر عن كون الشرط المتمسك به الذي ضمنه البائع للمستأنف عليه في العقد المبرم بينهما يتنافى وطبيعة عقد البيع الذي يخول المشتري ملكية مشتراه وأحقيته في إجراء التصرفات المشروعة بشأنه”.[217] كما أن الشرط المانع من التصرف الوارد في العقد الذي بمقتضاه تم منح الشخص قطعة أرضية من طرف الدولة من أجل بناء مسكن أثر نسبي لا يتجاوز حدود طرفيه، وبالتالي فلا يحق للشخص الذي قام ببيع هذه القطعة الأرضية مخلا بالشرط المانع في التفويت أن يحتج به ضد المشتري إذ يبقى العقد صحيحا مادام أن الإدارة لم تستعمل حقها في إبطاله.[218]

وفي حوصلة لما سبق، فبمجرد حصول المقتني على شهادة الإبراء والإدلاء بها للمحافظ، يقوم هذا الأخير بترقينه على هامش تلك الشروط الموقفة والرهون المثقل بها العقار، وبه تنفك جميعها ويتم التشطيب على جميع القيود والتحفظات المثبتة على الصك العقاري لفائدة الدولة ليصبح العقار مطهرا تماما منها كأن لم تكن من قبل، ويصبح المالك يتصرف في عقاره بجميع أنواع التصرفات، وهو ما يشكل تبريرا لحجية هذا النوع من التطهير من حيث كونه يحد من صرامة حجية التسجيل النهائية التي يكتسبها الغير حسن النية على الرسم.

الفقرة الثانية: التطهير الناتج عن التسجيل النهائي للتقييد الاحتياطي:

التقييد الاحتياطي هو مكنة قانونية مؤقتة يقوم بها كل من يريد الحفاظ على حق ما  تحفظ وجوده، وبمجرد ما تكتمل شروطه القانونية يقيد نهائيا إذ يكون لتاريخ هذا التقييد أثره في تقرير مرتبته بالأولوية بالنسبة لجميع التقييدات اللاحقة له.[219]

ولذلك فقد يلجأ صاحب الحق العيني أو الشخصي والذي سيتحول إلى حق عيني إلى إيقاع تقييد احتياطي بمثابة إجراء وقتي قصد الحفاظ على هذا الحق مع الإشارة إليه في الرسم العقاري في انتظار تحويله إلى تسجيل نهائي أو إلغائه بالمرة.[220]

وبالرجوع إلى الفصل 85 من ظهير 12 غشت 1913 نجده ينص على أنه: “يمكن لكل من يدعي حقا في عقار محفظ أن يطلب تقييدا احتياطيا قصد الاحتفاظ المؤقت بهذا الحق.

………

هذا وإن تاريخ التقييد الاحتياطي هو الذي يعتبر لتعيين رتبة التسجيل اللاحق للحق.”

وتجدر الإشارة إلى أن التقييد الاحتياطي لا يحول دون إجراء تقييدات لاحقة له نظرا لانعدام أي نص قانوني يخالف ذلك، ومن تم فإنه يجوز تفويت العقار موضوع التقييد الاحتياطي بناء على حكم أو مقال، أما إذا كان مبنيا على سند فإنه يحول دون التفويت، رغم أنه ينذر من الناحية العملية الإقبال على شراء عقار موضوع تقييد احتياطي نظرا لكونه موضوع نزاع.[221]

كما أن التقييد الاحتياطي يختلف من حيث مدة صلاحيته، فبالنسبة للسند الذي يبنى عليه فمدة صلاحيته هي 10 أيام، أما حالة اعتماد قرار لرئيس المحكمة الابتدائية[222] فهذه المدة هي 6 أشهر (الفصل 56 من ظ.ت.ع) أما في حالة اعتماده بناء على مقال افتتاحي للدعوى فالمدة هنا غير محدودة حتى صدور القرار النهائي في النزاع.

وبناء على ما سبق، فالتقييد الاحتياطي تحكمه فرضيتان:

إذا تم إلغاء التقييد الاحتياطي فيصبح غير ذي أثر سواء على العقار أو الحقوق اللاحقة له، إذ تحتفظ بقوتها النهائية.

إذا تم قبول التقييد وأصبح نهائيا فإنه حسب المادة 85 من ظ.ت.ع فإن تاريخ التقييد الاحتياطي هو الذي يعتد به، مما يترتب عنه تجريد جميع الحقوق التي تلته في التقييد وتصبح مجردة من آثارها، ويعتبر صاحب الحق كأنه سجل حقه منذ ذلك اليوم –أي تاريخ التقييد الاحتياطي-.

فلو اشترى شخص عقارا محفظا وتعذر عليه تسجيل شرائه بالسجل العقاري لعيب يرجع إلى العقد، فالملكية تبقى للبائع الذي يمكن أن يخضع عقاره لأي نوع من التصرفات كأن يفوته لشخص آخر، ويقوم هذا الأخير بتسجيل شرائه بالصك العقاري، فهنا تكون حقوق المشتري الأول مهددة بالضياع ، ولذلك فاتقاء لهذه المخاطر يقدم المشتري طلب تقييد احتياطي في السجل العقاري، وفي هذه الحالة عندما يصبح التقييد الاحتياطي نهائيا فإن العقار يتطهر من جميع الحقوق التي تم تسجيلها بعد التقييد الاحتياطي.[223]

وخلاصة القول أنه بمجرد ما يصبح التقييد الاحتياطي نهائيا يسري مفعوله التطهيري بأثر رجعي إلى غاية تاريخه الأول، ليجعل الرسم العقاري مطهرا من جميع الحقوق المترتبة لفائدة الغير والتي تلت في إيقاعها تاريخ إيقاع التقييد الاحتياطي.

 خاتمة:

أستخلص من كل ما سبقت دراسته في هذا البحث مدى أهمية قاعدة التطهير الناتجة عن التحفيظ العقاري من حيث كونها الإطار العام الذي تتمحور حوله باقي الخصائص الأخرى.

فلابد لنظام قانوني يعول على خلق بنية عقارية ثابتة تعتبر منطلقا لتأسيس المشاريع الاستثمارية الكبرى الداخلية والخارجية وخلق للائتمان العقاري وتثبيت للملكية وحفظها من الترامي والادعاءات من قاعدة صلبة تطهيرية تنظف الحالة المدنية للعقار وتؤسس لانطلاقة جديدة تبتدئ من الصفر.

ورغم ما قيل عن قاعدة التطهير من حيث كونها مقتضيات ظالمة سنها المستعمر لخدمة مصالحه وتثبيت للملكية في يد الأجانب، فإن هذا لا يمنع من الاعتراف بجميل هذه القاعدة وما حققته من إيجابيات.

ومن خلال تتبع المراحل التي تمر منها قاعدة التطهير قبل أن تصبح نهائية أجدها كافية في غايتها لتحقيق إشهار للغير، للدفاع عن حقوقهم وإبداء تعرضاتهم شرط احترامها وتطبيقها كما أراد لها المشرع.

ورغم ذلك واحتمالا لما قد يقع فيه بعض الأشخاص -في وضعيات خاصة-  من ضرر نتيجة تحفيظ عقاراتهم من طرف الغير، فإنني أتفق مع إدخال تعديل على الفصلين 2 و62 من ظ.ت.ع  ولكن تحت شروط جد مشددة، وذلك بإمكانية مراجعة قرار التحفيظ حالة التدليس فقط، وألا يخرج العقار من يد الشخص الذي تم التحفيظ لصالحه إلا إذا كان هذا الأخير سيء النية، وأن تتم هذه المراجعة داخل أجل ستة أشهر –بتحفظ- من نشر قرار التحفيظ، هذا الأخير الذي يجب إشهاره بالجريدة الرسمية، وتبرير هذا الأجل القصير يرجع إلى سرعة المعاملات التي تعرفها السوق العقارية، وبالتالي فكل محاولة للتدخل فيها من شأنها أن تعرقل التداولات المالية العقارية وبالتالي المساهمة في توسيع الهوة العقارية.

كما أن العيب ليس في القاعدة القانونية المنظمة لقاعدة التطهير وإنما العيب في كيفية تطبيق واحترام القاعدة القانونية.

وبذلك سأدلي بمجموعة من الإقترحات والتي أراها تساهم في زيادة الوعي التطهيري وتبرير شرعية قاعدة التطهير:

– ملء مطالب التحفيظ في مراكز القياد وبحضور أعوان السلطة (المقدم+الشيخ) لأنهم أعلم بواقع الحيازة وبأصحاب الحقوق العينية الواقعة على العقارات حالة وجودها.

– توسيع وتنويع وسائل الإشهار على الجرائد اليومية والجهوية وعدم اقتصارها على الجريدة الرسمية.

– تخصيص لجان يناط  بها تبليغ واستدعاء الأطراف بعين المكان وتكون تابعة لمصلحة المحافظة العقارية.

– نشر ثقافة التحفيظ العقاري عن طريق وسائل الإعلام السمعية البصرية، وخلق ندوات وحلقات خاصة لتأطير المواطنين وإطلاعهم على مزايا التحفيظ العقاري.

– إعادة الاعتبار لصندوق التأمين، من خلال تبسيط مسطرة إحلاله في دعاوى التعويض عن الأضرار اللاحقة بسبب التحفيظ العقاري.

– خلق قضاء عقاري مختص في الميدان العقاري وتوحيد اجتهاداته.

– إتاحة إمكانية الفصل في التعرضات حالة تعددها، وذلك لتجاوز صدور أحكام متناقضة من حيث منطوقها لتجنب الصعوبات في تنفيذ الأحكام العقارية.

– السماح للمحكمة بقبول الحجج التي يدلي بها المتعرض لأول مرة أمامها…

[1] – د، محمد خيري، “التعرضات أثناء التحفيظ العقاري في التشريع المغربي “، مطبعة النجاح الجديدة ، البيضاء ، الطبعة الأولى 1983، ص:3 .

[2] – أستاذنا إدريس الفاخوري، “نظام التحفيظ العقاري بالمغرب”، مطبعة دار النشر الجسور، وجدة، طبعة 2006، ص: 1.

[3] – ذ، محمد الوكاري، “العقار بين الازدواجية وتعدد الأنظمة ومتطلبات التنمية الحضرية”، مقال منشور بندوة الأنظمة العقارية بالمغرب، المطبعة الوطنية، مراكش، الطبعة الأولى، 2003، ص: 241.

[4] – د، محمد الحياني، ” في أنظمة الشهر العقاري في العالم”، مطبعة مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، الطبعة الأولى 2004، ص: 40.

[5] – ظهير شريف صادر في 9 رمضان 1331 (12غشت 1913) بشأن التحفيظ العقاري، منشور بالجريدة الرسمية عدد: 46 ، ملحق 9 بتاريخ 12-09-1913، ص: 206.

[6] – حكم ابتدائية وجدة رقم 464/93 بتاريخ 4-5-1993، ملف رقم 1362/89 ، منشور بمجلة المناظرة، العدد الثاني، يونيو 1997،      ص: 149.

[7] – تم تحويلها إلى وكالة بمقتضى قانون 00.58 المحدث  للوكالة الوطنية والمسح العقاري والخرائطية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 125-02-1 بتاريخ 13 يونيو 2002 ، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5032 بتاريخ 22 غشت 2002 ص: 4120.

[8] – أشير هنا إلى أنني أنجزت  تدريبا بالمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية بمدينة تاوريرت خلال فترة 26 مارس إلى غاية 25 أبريل2008  تحت إشراف الأستاذ حمداوي عبد الواحد.

[9] – ينص الفصل  2  من ظهير التحفيظ العقاري على أنه:” يترتب عن التحفيظ: إقامة رسم الملكية مسجل بكنا ش عقاري وبطلان ما عداه من     الرسوم وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة الغير المضمنة بالكناش العقاري”.

– ينص الفصل 62 من ظهير التحفيظ العقاري على :” إن رسم الملك له صفة نهائية ولا يقبل الطعن، وهو يكشف نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق العينية، والتكاليف العقارية الكائنة على العقار وقت تحفيظه دون ما عداها من الحقوق غير المسجلة”.

[10] – د، محمد الكشبور، “التطهير الناتج عن تحفيظ العقار- تطور القضاء المغربي ، قراءة في قرار المجلس الأعلى بتاريخ 29 دجنبر 1999.”، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، الطبعة الأولى 2005، ص: 16.

[11] – د، محمد خيري، “حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب”، مطبعة دار نشر المعرفة، طبعة 2001، ص: 167.

     – قرار المجلس الأعلى رقم 61 بتاريخ 4 يناير 2006، ملف مدني عدد 4229-1-1-2004  منشور بمجلة الأملاك، العدد الأول، ص: 197.

[12] – ذة، سعاد عاشور، “حجية التسجيل وفق نظام التحفيظ العقاري بالمغرب”، مطبعة الوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الأولى 1997ص:206.

[13] -Direction de la conservation Foncière, ” l’Immatriculation Foncière en 300 questions- Réponses”, 1999 page .144.

[14] – قرار المجلس الأعلى عدد 2336 بتاريخ 12-7-2006 ملف مدني عدد 2004-1-1-1855. غــير مــنشور.

    – حكم استئنافية الرباط  بتاريخ 19 أكتوبر 1943، أشار إليه د، مأمون الكزبري ، ” التحفيظ العقاري والحقوق العينية الأصلية والتبعية في ضوء التشريع المغربي”، الجزء الأول- التحفيظ العقاري- مطبعة شركة الهلال العربية، الرباط 1987، ص: 87.

[15] – قرار المجلس الأعلى عدد 439 بتاريخ 9-2-2005،  ملف مدني عدد 525-1-1-2004، غــير مــنشور.

[16] – د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 87.

   – د، محمد بن الحاج السلمي،” سياسة التحفيظ العقاري في المغرب : بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي-الاقتصادي”، منشورات عكاظ بالرباط، طبعة يونيو 2002، ص: 124.

   – د، إدريس  السماحي، “القانون المدني” الحقوق العينية ونظام التحفيظ العقاري”، مطبعة أمبريزار مكناس، الطبعة الأولى 2003، ص: 268.

-Paul Decroux, « Droit Foncier Marocain », Imprimerie el maarif  aljadida، rabat, 2002, page : 113.

[17] – قرار المجلس الأعلى عدد 2336 بتاريخ 12-07-2006، ملف مدني عدد1855-1-1-2004 غــير مــنشور(تمت الإشارة إليه).

[18] – ألطاف الوكيلي، ”الأثر التطهيري للتحفيظ العقاري بين مقتضيات النصوص القانونية وإكراهات الواقع”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في قانون العقود والعقار، كلية الحقوق، جامعة محمد الأول ،وجدة ،السنة الجامعية: 2006/2007، ص: 14.

[19] -Jaques Caillé,” la procédure juridique de l’Immatriculation Foncière au Maroc”, libraire Générale D.J, Paris, 1956, page : 17-18.

[20] – قرار المجلس الأعلى عدد 1122 بتاريخ 8-5-1985، ملف مدني عدد 94383، غــير مــنشور.

    – قرار المجلس الأعلى عدد 2455 بتاريخ 21/09/2005، ملف مدني عدد 147-1-3-2004.

[21] – د، المختار بن أحمد العطار، ” التحفيظ العقاري في ضوء القانون المغربي”، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، الطبعة الأولى 2008، ص: 84.

[22] – د، عبد العالي بن محمد العبودي، “نظام التحفيظ العقاري وإشهار الحقوق العينية بالمملكة المغربية”، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2003، ص: 134.

[23] – مشروع قانون يتعلق بالتحفيظ العقاري المغربي، قدمته وزارة الفلاحة والتجهيز والبيئة، تحت إشراف إدارة المحافظة على الأملاك العقارية والمسح العقاري والخرائطية  بتنسيق مع عدة  فعاليات وجهات رسمية متعددة، نونبر 1997، وأشير إلى أنه تم إعداد مشروع آخر رقم14-07.

[24] – د، إدريس السماحي، م.س، ص: 268.

[25] – أستاذنا إدريس الفاخوري، م.س،  ص: 50.

[26] – تنص المادة 63 من ظهير 12 غشت 1913 على:”إن التقادم لا يكسب أي حق عيني على العقار المحفظ في مواجهة المالك المسجل اسمه، ولا يزيل أي حق من الحقوق العينية المسجلة برسم الملك”.

[27] -Direction de la conservation Foncière،  op  .p: 47.

[28] – تنص المادة 307 من مجلة الحقوق العينية التونسية على أنه :”لا يسري مرور الزمن على الحق المرسم، وليس لأي كان أن يتمسك بالحوز مهما طالت مدته، ويختص قاضي الناحية بالحكم بكف الشغب الحاصل في الانتفاع بالعقار المسجل”.

[29] – انظر في هذا الشأن د، محمد بونبات، ” قوانين التحفيظ والتسجيل والتجزئة العقارية”، منشورات كلية الحقوق مراكش، سلسلة الكتب ع : 11 سنة 1997، ص: 38.

[30] – د، محمد بونبات، “نظام التحفيظ العقاري”، مطبعة الوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الثانية، 2005، ص: 73.

[31] – ذ، رشيد العراقي، “بعض المشاكل التي تنشأ عن التحفيظ والتسجيل والتي لها انعكاسات على الإنعاش العقاري والتعمير”، مقال منشور بالمجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، العدد 12، سنة 1986، ص: 10.

[32] -Pierre léris, « la publicité de la pré-immatriculation », R.L.J.M  ، P:31.أشارت إليه سعاد عاشور، مرجع سابق، ص: 209.

[33] – ذ، العربي مياد، ” شروط حلول صندوق التأمينات في التعويض محل المحافظ المرتكب للخطأ الجسيم في التحفيظ”، مقال منشور بموقع:

www.cherkaoui 2006, Maktoob blog.com. تاريخ زيارة الموقع الإلكتروني: 14/05/2008 على الساعة 30 :20     .

Paul Decroux  op .p : 94 -[34]

[35] – حكم إدارية وجدة، عدد 218-98، رقم الملف 101-98 بتاريخ 23-12-1998 منشور بمجلة الإشعاع، عدد 21 يونيو 2000 ص: 217.

أشارت إليه سعاد آيت  بلخير، “قرارات المحافظ على الملكية العقارية بين إمكانية الطعن وحق التعويض”، رسالة لنيل د.د.ع.م. في القانون الخاص وحدة قانون العقود والعقار، كلية الحقوق، جامعة محمد الأول، وجدة، السنة الجامعية: 2003/2004، ص: 18.

[36] – قرار المجلس الأعلى بتاريخ 29 يناير 1992 (دون ذكر باقي الحيثيات)، منشور بمجلة الإشعاع  العدد 7، ص: 69 وما بعدها، أشار إليه د، الكشبور، “التطهير الناتج عن تحفيظ العقار- تطور القضاء المغربي ، قراءة في قرار المجلس الأعلى بتاريخ 29 دجنبر 1999.”،م.س،  ص: 28.

[37] – ذ، العربي مياد،”مدى قابلية الأحكام والقرارات القضائية الصادرة في مجال التحفيظ لوقف التنفيذ”، مقال منشور بالموقع الإلكتروني:

mwww.Maktoub.co بتاريخ 29-05-2008، على الساعة 23:10.

[38] – د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 94.

-Paul DECROUX  op. p : 114.

[39] – ذ، السباعي عبد الكريم، “الجوانب الإيجابية للتحفيظ العقاري “، مقال منشور بمجلة صلة الوصل، العدد الأول،  يناير 1985، ص: 8.

[40]– د، محمد الكشبور، “التطهير الناتج عن تحفيظ العقار- تطور القضاء المغربي ، قراءة في قرار المجلس الأعلى بتاريخ 29 دجنبر                 1999.”، م.س، ص:29.

[41] – ذ، محمد شنان، “عبثية الإبقاء على الأثر المطلق لقرار التحفيظ بعد الاستقلال”، مقال منشور بالندوة المشتركة حول نظام التحفيظ العقاري بالمغرب، الرباط، 4، 5 ماي 1990، ص: 97 وما يليها.

   – د، محمد بن الحاج السلمي، ” سياسة التحفيظ العقاري في المغرب : بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي-الاقتصادي”، م.س، ص: 123.

[42] – ذ، العربي مياد، “شروط حلول صندوق التأمينات في التعويض محل المحافظ المرتكب للخطأ الجسيم”، م.س.

[43] – ذ، رشيد العراقي، م.س، ص: 8 وما بعدها.

   – د، محمد خيري، “حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب” م.س، ص: 168.

[44] – فاطمة لحروف، “حجية القيد في السجل العقاري،” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس، الرباط، السنة الجامعية: 1993/1994، ص: 26+28.

[45] – سعاد آيت  بلخير، م.س، ص: 20.

[46] – انظر فاطمة لحروف، م.س، ص: 20.

[47] – ذ، خالد مداوي، “مسطرة التحفيظ العقاري” (دون ذكر المطبعة)، الطبعة الأولى ماي 2000 ، ص: 51.

[48] – د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 84.

[49] – ذ، سعاد عاشور، م.س، ص: 211.

[50] – د، محمد بونبات، “نظام التحفيظ العقاري ، م.س، ص: 79.

[51] – ذ، خالد مداوي، م.س، ص: 51 وما بعدها.

[52] – د، محمد الحياني، “عقد البيع وقانون التحفيظ العقاري”، مطبعة وراقة الكتاب، فاس، الطبعة الأولى 1994، ص: 120.

[53] -Paul Decroux, op ,p :103.

[54] – د، أحمد ادريوش، “أصول نظام التحفيظ العقاري”، منشورات سلسلة المعرفة القانونية، سنة 2003، ص:94 وما بعدها.

[55] – نفسه ص:98.

   – ذ، المختار بن أحمد العطار، م.س، ص: 92.

56– د، مأمون الكزبري، م. س، ص :83.

[57] -C.A.R, 27  janvier 1926, R.A.C.A. 1925 -1926  ,P :366.

أشارت إليه ذة،  سعاد عاشور، م س، ص: 209 .

[58]-Tribunal de la première instance de casa ,27 juin 1932, G. T.M : N° 515 Du 12 Novembre 1932, p :338 et s.

     أشارت إليه ذة،  سعاد عاشور، م،س، ص:210.

[59] – قرار استئنافية الرباط  بتاريخ  15 مارس 1935، مجلة المحاكم المغربية لسنة 1934، ص: 210، أشار إليه د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 82.

   – قرار استئنافية الرباط بتاريخ  15 ماي 1934، أشار إليه د، محمد الكشبور، “التطهير الناتج عن تحفيظ العقار- تطور القضاء المغربي ، قراءة في قرار المجلس الأعلى بتاريخ 29 دجنبر 1999.”، م.س، ص: 97.

[60] – د، محمد مهدي الجم، “التحفيظ العقاري بالمغرب “، مكتبة الطالب، الرباط، الطبعة الثانية، 1400هـ/1980، ص: 274.

[61] – قرار استئنافية الرباط بتاريخ 2 مارس 1935، أشار إليه ديكرو، م.س، ص: 106.

[62] – cour d’appel de rabat, 29 Avril 1950, voir  PAUL Decroux, OP : p.107.

[63] – قرار استئنافية الرباط، بتاريخ 04-11-1950، مجلة المحاكم المغربية لسنة 1951، ص: 39،  40 أشار إليه أستاذنا إدريس الفاخوري، م.س، ص: 43.

   – قرار استئنافية الرباط بتاريخ 9 فبراير 1952، أورده  د، محمد الكشبور،”التطهير الناتج عن تحفيظ العقار- تطور القضاء المغربي ، قراءة في قرار المجلس الأعلى بتاريخ 29 دجنبر 1999.”،  م.س، ص: 109.

[64] – انظر بخصوص هذه القرارات د، محمد بن الحاج السلمي،” سياسة التحفيظ العقاري في المغرب : بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي-الاقتصادي”، م.س، ص: 121.

[65] – د، محمد الكشبور، “التطهير الناتج عن تحفيظ العقار- تطور القضاء المغربي ، قراءة في قرار المجلس الأعلى بتاريخ 29 دجنبر 1999.”، م.س، ص: 25.

[66] – قرار المجلس الأعلى رقم87  بتاريخ 21/04/1972 ،ملف إداري عدد  18271،  منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 26، ص:32، أشار إليه  د، إدريس السماحي م.س، ص:268.

     – قرار المجلس الأعلى عدد 61  بتاريخ 4 يناير 2006، ملف مدني عدد 4229-1-1-2004، منشور بمجلة الأملاك العدد الأول، ص: 197.

[67] – قرار المجلس الأعلى عدد 640،  بتاريخ 20 شتنبر 1978، أشار إليه د، محمد العبودي، م.س، ص:138.

    – قرار المجلس الأعلى عدد197 بتاريخ 19/01/2005 ملف مدني عدد 829-1-1-2001 ، غــير مــنشور.

    – قرار المجلس الأعلى عدد2673 بتاريخ 12/10/2005 ملف مدني عدد 1980-1-3-2004 ،منشور بمجلة القصر،العدد 14 ماي 2006 ص:177.

[68] – قرار المجلس الأعلى عدد 688 بتاريخ 04 أكتوبر1978، أشار إليه د، محمد العبودي، م.س،ص:137.

[69] – قرار المجلس الأعلى في الملف المدني عدد 2075/87 بتاريخ 29 يناير  1992 منشور بمجلة الإشعاع، العدد: 7 ص: 69.

[70] – حكم استئنافية الرباط للغرفة العقارية رقم 1711 بتاريخ 19 مارس 1992، منشور بمجلة الإشعاع، العدد 26، ص: 244.

[71] – قرار المجلس الأعلى رقم 2336 بتاريخ 12/07/2006، ملف مدني عدد 1855-1-1-2004 ، غــير مــنشور.

[72] – حكم ابتدائية وجدة رقم 1464/93 ملف رقم 1362/89، بتاريخ 4/5/1993، منشور بمجلة المناظرة، العدد 2، يونيو 1997، ص: 139 وما بعدها، أشار إليه أستاذنا إدريس الفاخوري، م.س، ص: 45.

[73] – قرار المجلس الأعلى عدد 5925 بتاريخ 29-12-1999، ملف مدني عدد 1151/94 مجلة الأملاك ع: 1 ص: 200.

[74] – قرار المجلس الأعلى عدد 1729 بتاريخ 5 يونيو 2003، ملف مدني عدد 3178-1-4-2002، أشار إليه د، محمد الكشبور،”التطهير الناتج عن تحفيظ العقار- تطور القضاء المغربي ، قراءة في قرار المجلس الأعلى بتاريخ 29 دجنبر 1999.”، م.س، ص:  89.

[75] – ذ، رشيد العراقي، م.س، ص: 8.

[76] – ذ، محمد شنان، م.س، ص: 92.

[77] – قرار المجلس الأعلى بغرفتين في الملف المدني عدد 2075/87 بتاريخ 29/1/92، منشور بمجلة الإشعاع، العدد: 7، ص: 69.

[78] – قرار استئنافية الرباط عدد 4252 بتاريخ 20 نونبر 1950، قرارات محكمة الاستئناف بالرباط، ص: 162، أشارت إليه ألطاف الوكيلي، م.س، ص: 30.

[79] – د، محمد بن الحاج السلمي، ” سياسة التحفيظ العقاري في المغرب: بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي-الاقتصادي”، م.س، ص:

[80] – Paul DECROUX, op, p : 94.

[81] – د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 84.

[82] – ألطاف الوكيلي، م.س، ص: 31.

[83] – آمال جداوي، “التشطيب على التقييد في نظام التحفيظ العقاري،” رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة، السنة الجامعية: 2003/2004، ص: 38.

[84] – د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 88.

[85] – ينص الفصل 68 من ظ.ت.ع على أنه :”إن عقود الأكرية التي لم يقع إشهارها للعموم بتسجيلها في السجل العقاري طبقا لمقتضيات الفصل 65 من هذا الظهير لا يجوز التمسك بها في مواجهة الغير لكل مدة تتجاوز ثلاث سنوات تحسب من اليوم الذي تنتج فيه الأفعال والاتفاقات المشار لها في الفصل 67 أثرها. هذا وإن المقتضيات السابقة لها صفة تفسيرية”.

[86] – الحبيب شوراق،”القواعد المنظمة للرسوم العقارية إثر التحفيظ”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، وحدة العقار والتعمير والإسكان، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الخامس، الرباط، الموسم الجامعي : 2002/2003، ص: 98.

[87] – تنص المادة 109 من ظهير 2 يونيو 1915 على أنه: “…وعلى خلاف القاعدة المقررة في الفصول 65 وما بعده من الظهير الصادر بشأن التحفيظ العقاري تعفى من الإشهار الاتفاقات الناشئة عن الوضعية الطبيعية للأماكن أو عن الالتزامات التي يفرضها القانون…”

[88] – راجع بخصوص هذه الارتفاقات على سبيل المثال، الحبيب شوراق، م.س، ص: 98. هامش (2).

[89] – نفسه، ص: 99.

[90] – د، المختار بن أحمد العطار، م.س، ص: 86.

[91] – وفقا لظهير 7 شعبان 1332 موافق 1 يوليوز 1914، المتعلق بالملك العمومي للدولة بتاريخ 17 يوليوز 1914، منشور بالجريدة الرسمية، العدد 63، ص: 209.

[92] – تنص المادة 356 من مجلة الحقوق العينية التونسية على أن :”أجزاء الملك العام  المشمولة في عقار مسجل لا يتسلط عليها التسجيل والحقوق المتعلقة بها تبقى رغما عن كل ترسيم”.

[93] – قرار استئنافية الرباط بتاريخ 5/4/1941، نشرة قرارات محكمة الاستئناف بالرباط لسنة 1941 ، ص:157، أشار إليه ذ، إدريس السماحي، م.س، ص: 270.

     – قرار استئنافية الرباط بتاريخ 11 يوليوز 1923، أشار إليه د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 89.

     – قرار استئنافية الرباط بتاريخ 24 نونبر 1942، أشار إليه د، مأمون الكزبري، م. س، ص: 89.

     – حكم ابتدائية البيضاء بتاريخ 14 يونيو 1937، نفسه ص: 89.

[94] – د، محمد بن صالح الصوفي،” الحقوق العرفية العينية الإسلامية، دراسة مقارنة بين الفقه المالكي والقانون المقارن”، مطبعة دار القلم، الرباط، الطبعة الثانية، 2005 ص:263.

[95] – د، محمد الكشبور،”التطهير الناتج عن تحفيظ العقار- تطور القضاء المغربي ، قراءة في قرار المجلس الأعلى بتاريخ 29 دجنبر 1999.”،  م.س، ص: 38.هامش (34).

[96] – نفسه، ص: 38، هامش (34).

[97] – د، إدريس السماحي، م.س، ص: 269.

[98] -Arrêt de la cour d’appel de Rabat, 7 février 1934, voir Paul Decroux, op, p 117.

-Arrêt de la cour de cassation du 27 février 1934,د، محمد الكشبور، “التطهير الناتج عن تحفيظ العقار” م.س، ص: 39  . أشار إليه

    – قرار  المجلس الأعلى بتاريخ 10 فبراير 1998، مجلة قضاء المجلس الأعلى ، عدد: 52 ص: 146 وما بعدها ، أشار إليه د، محمد الكشبور،    “التطهير الناتج عن تحفيظ العقار” م.س، ص:40  .

[99] – د، محمد بونبات، “نظام التحفيظ العقاري”، م.س، ص: 36.

[100] – راجع المادة الأولى من قانون 95-10 الصادر بتنفيذ القانون رقم 154-95-1 (16 أغسطس 1195) المتعلق بالماء منشور بالجريدة الرسمية عدد 4325، ص: 2520.

[101] – د، محمد بونبات، “قوانين التحفيظ والتسجيل والتجزئة العقارية” م.س، ص: 37.

[102] – د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 90.

[103] -Paul Decroux OP. p:. 117-118.

[104]– ينص الفصل 29 من القرار الوزيري لـ3 يونيو 1915 على أنه :” يمكن لأصحاب الحقوق أن يطلبوا إصلاح ما وقع من السهو والغلط والخلل في الرسم العقاري أو في التضمينات الملحقة به، كما يمكن للمحافظ أن يصلح من تلقاء نفسه ما ذكر بمجرد معاينته في الرسوم أو الحجج والخرائط التي اتخذت أساسا في تحرير الرسم أو سائر التضمينات الملحقة به، وحينئذ يعلم حائز نظير الرسم بالإصلاحات المذكورة، ويلزم بالإتيان بالنظير المذكور ليقع تطبيقه مع الرسم، وعلى كل حال فإن التقييدات الأولى تبقى على حالها وتضمن الإصلاحات بعدها في التاريخ الجاري.”

[105] – قرار المجلس الأعلى عدد 2857 بتاريخ 26-10- 2005، ملف مدني عدد 1879-1-1-2004، غــير مــنشور.

[106] – تنص المادة 332 من مجلة الحقوق العينية التونسية على أنه :”تنظر المحكمة العقارية في مطلب إصلاح الغلطات المادية والمتعلقة بالحالة المدنية أو الحساب أو الأرقام الحاصلة في حكم التسجيل أو في الأمثلة الهندسية المعدة من ديوان قيس الأراضي ورسم الخرائط وتبث في هذه المطالب وتصدر  إذنا في إصلاح الحكم أو المثال أو ترفض المطلب، ولا يقبل مطلب الإصلاح إ ذا ثبت اكتساب حقوق عينية على العقار من قبل الغير عن حسن نية”.

[107] – ينص الفصل 30 من القرار الوزيري لـ 3 يونيو 1915 على أنه :”إذا امتنع المحافظ من مباشرة الإصلاحات المطلوبة منه، أو إذا رفض أصحاب الحقوق الإصلاحات التي وقعت مباشرتها فإن المحكمة تنظر في المسألة وتصدر حكمها في شأن ذلك في غرفة المشورة”.

[108] – قرار المجلس الأعلى عدد 2857 بتاريخ 26-10-2005،( سبقت الإشارة إليه.)

[109] نفسه.

[110] – د، محمد خيري، ” حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب”، م.س،  ص:546 وما بعدها.

[111] – ينص الفصل 337 من مجلة الحقوق العينية التونسية على أن :”كل شخص تضررت حقوقه من تسجيل أو ترسيم ناتج عن حكم بات بالتسجيل لا يمكن له أصلا أن يرجع على العقار وإنما له في صورة الخطأ الحق حق القيام على المستفيد  من التسجيل بدعوى شخصية في غرم الضرر”.

[112] – ينص الفصل 70 من ق.ل.ع على أنه :”يجوز استرداد ما دفع لسبب مستقبل لم يتحقق، أو لسبب كان موجودا ولكنه زال”.

[113] – د، محمد الكشبور، “بيع العقار بين الرضائية والشكل”،  سلسلة الدراسات القانونية المعصرة 1- مطبعة النجاح الجديدة،  البيضاء، الطبعة الأولى، 1997، ص: 121.

[114] – Paul DECROUX, op،  P : 127-128

[115] – عمر موسى، “الدعاوى الكيدية أثناء مسطرة التحفيظ العقاري”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول، وجدة، الموسم الجامعي، 2006/2007 ، ص: 108.

[116] – د، محمد بن الحاج السلمي،” سياسة التحفيظ العقاري في المغرب: بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي-الاقتصادي”،م.س،ص:134.

[117] – قرار المجلس الأعلى عدد 1919 بتاريخ 7-6-2006 ملف مدني عدد 2560-1-1-2004 غــير مــنشور.

[118] – د، المختار بن أحمد العطار، م.س، ص: 90.

     – د، محمد بونبات، “قوانين التحفيظ والتسجيل والتجزئة العقارية”، م.س، ص: 40.

     – أستاذنا إدريس الفاخوري، م.س، ص: 48.

     – د، محمد الكشبور، “التطهير الناتج عن تحفيظ العقار”، م.س، ص: 48.

-Paul DECROUX.  op. p : 30.

[119] – د، الجيلالي بوحبص، “مقالات  في القانون العقاري وقانون البناء”، مطبعة دار القلم الرباط الطبعة الأولى، سنة 2006، ص: 56.

[120] – قرار المجلس الأعلى عدد 40 بتاريخ 5/1/2005، ملف مدني عدد 3262-1-1-2002 ،غـير مـنشور.

[121] – نفسه.

    – قرار المجلس الأعلى عدد 178 بتاريخ 27 مارس 1968، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد الأول، ص: 28.

[122] – قرار المجلس الأعلى عدد 436 بتاريخ 9-2-2005 ملف مدني عدد 4128-1-1-2003، غـير مـنشور.

[123] – قرار المجلس الأعلى عدد 361 بتاريخ 2-2-2005، ملف مدني عدد 2067-1-1-2003، غـير مـنشور.

[124] – ذ، محمد شنان، م.س، ص: 94 وما بعدها.

[125] – قرار بتاريخ 8 يوليوز 1968، مجلة الحاكم المغربية، شتنبر – أكتوبر 1968، ص: 8 وما بعدها، أشار إليه د، محمد الكشبور، ” التطهير الناتج عن تحفيظ العقار” ، م.س، ص: 51.

[126] – د، عبد الوهاب رافع، “مقاضاة الدولة والمؤسسات العمومية في التشريع المغربي”، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، الطبعة الأولى1987 ص:56.

[127] – أنظر ذة، سعاد عاشور، م.س، ص: 220.

[128] – J. Rivero et J. Waline, “droit Administratif”, 14 édition, dalloz, 1992, p : 237.

[129] – سعاد آيت بلخير، م.س، ص: 104.

[130] – حكم إدارية وجدة  رقم 29/98  بتاريخ 14/10/1998، ملف رقم 42/97 أشارت إليه سعاد آيت بلخير، م.س، ص: 105.

[131] – د، محمد الحياني، “المحافظ العقاري والمسؤولية التقصيرية، واقع وآفاق”، مؤسسة النخلة، 2003، ص: 75.

[132] – د، المختار بن أحمد العطار، م.س، ص: 91.

[133] – أستاذنا إدريس الفاخوري: م.س، ص: 50.

[134] – ذة،  سعاد عاشور، م.س، ص: 223.

[135] – قرار المجلس الأعلى بتاريخ  22-12-1965، مجلة قرارات المجلس الأعلى في المادة الإدارية، 1961/1965، ص: 313. أشار إليه             د، عبد الوهاب رافع، م.س، ص: 58.

[136] – ذ، خليد هيداجي، “التحفيظ العقاري والتنمية المستديمة، التأثير والتفاعل…”، مقال منشور بمجلة التحفيظ العقاري، العدد : 7 يناير 2000.

[137] – ينص الفصل 14 من ظهير 12 غشت 1913 على أنه : “يقدم طالب التحفيظ مع طلبه جميع رسوم التملك والعقود والوثائق العمومية والخصوصية وكل المستندات التي من شأنها أن تعرف بالحقوق العينية المتقـررة على العقار…”

[138] – تنص المادة 96 من ظهير التحفيظ العقاري على أنه : “في حالة ما إذا رفض المحافظ تحفيظ العقار أو تسجيل حق عيني أو التشطيب عليه بسبب عدم صحة الطلب أو عدم كفاية الرسوم فإن قراره يكون قابلا للطعن أمام المحكمة الابتدائية التي تبث في الحق مع الحق في الاستئناف..”

[139] – الحبيب شوراق، م.س، ص: 50.

[140] – د، محمد بن الحاج السلمي، “سياسة التحفيظ العقاري في المغرب بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي- الاقتصادي”، م.س، ص: 61.

[141] – أستاذنا عبد الواحد حمداوي، م.س، ص: 97.

[142] – أنظر النموذج رقم (1).

[143] – أنظر النموذج رقم (2).

[144] – مرسوم رقم 358-97-2 يتعلق بتعريفة رسوم التحفيظ العقاري، منشور بالجريدة الرسمية عدد: 4495 بتاريخ 30/06/1997.

[145] – انظر في شأن هذه البيانات النموذج رقم (2).

[146] – د، محمد بن الحاج السلمي، “سياسة التحفيظ العقاري في المغرب بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي- الاقتصادي”، م.س، ص: 64.

[147] – أنظر النموذج رقم (3).

[148] – أنظر النموذج رقم (4).

[149] – تنص المادة 17 من ظ.ت.ع على أنه : “يقوم المحافظ داخل عشرة أيام من تقديم طلب التحفيظ إلى المحافظة بتحرير ملخص بهذا الطلب…”

[150] – أنظر النموذج رقم (5).

[151] – أنظر النموذج رقم (6).

[152] – د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 42.

[153] – أنظر النموذج رقم (7).

[154] – ذ، خالد مداوي، م.س، ص: 21.

[155] – أستاذنا إدريس الفاخوري: م.س، ص: 24.

[156] – أنظر النموذج رقم (8).

[157] – وهو ما أكدته الدورية رقم 332 الصادر عن السيد المحافظ العام بتاريخ 21 ماي 2001.

[158] – غير أنه غالبا ما يتم تجاوزها، خصوصا وأن بعض مصالح المسح العقاري لا تقوم بالتحديد إلا بعد تجميعها لعدة ملفات، إلا أنه تم تدارك هذا الأمر بدورية للسيد المحافظ العام، حيث أجبرت من خلالها مصلحة المسح العقاري بتحديد أي مطلب توصلت به.

[159] – فاطمة لحروف، م.س، ص: 71 وما بعدها.

[160] – أنظر النموذج رقم (9).

[161] – ذ، التوزاني رشيد،”التطهير والإشهار في قانون التحفيظ العقاري”، مقال منشور بجريدة العلم، عدد: 20725، بتاريخ 9 ماي 2007، ص:6.

[162] – د، محمد الحياني، “في نظام التحفيظ العقاري المغربي”، الجزء الأولى، الطبعة الأولى، 2004، ص: 139.

[163] – د، محمد خيري، “حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب”، م.س، ص: 178.

[164] – فاطمة لحروف، م.س، ص: 77.

[165] – نفس المرجع، نفس الصفحة.

[166] – د، محمد بن الحاج السلمي، “سياسة التحفيظ العقاري بالمغرب بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي- الاقتصادي”، م.س، ص: 94 وما بعدها.

[167] – ذ، محمد صغير، “تنفيذ المقررات القضائية في ميدان التحفيظ العقاري”، مقال منشور بمجلة المناظرة، العدد: السابع، 2002، ص: 60.

[168] – ينص الفصل 29 من ظ.ت.ع على أنه: “بعد انصرام الأجل المحدد في الفصل 27 أعلاه، يمكن أن يقبل التعرض بصفة استثنائية من طرف المحافظ مادام لم يوجه الملف إلى كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية وكذا بعد توجيهه إذا اتخذ وكيل الدولة قرارا بذلك.”.

[169] – قرار المجلس الأعلى عـدد  1918 صادر بتاريخ 29/06/2005، ملف مدني عـدد 253-1-1-2003، غـير مـنشور .

[170] – مذكرة رقم 578 د، صادرة من السيدان الوزير الأول ووزير العدل إلى السيد الأمين العام للحكومة بتاريخ 22 يناير 1980، الرباط.

[171] – أستاذنا عبد الواحد حمداوي، م.س، ص: 97.

[172] – د، محمد الحياني، “في نظام التحفيظ العقاري المغربي”، م.س، ص:141.

[173] – فاطمة لحروف ، م.س، ص: 89.

[174] – د، محمد الحياني، “في نظام التحفيظ العقاري المغربي، “م.س، ص: 143.

[175] – د، محمد بن الحاج السلمي، “سياسة التحفيظ العقاري بالمغرب، بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي-الاقتصادي”، م.س، ص: 96.

[176] – مذكرة رقم 829 بتاريخ 25 دجنبر 2001 ، صادرة عن السيد المحافظ العام بشأن التعرضات.

[177] – قرار المجلس الأعلى عـدد  1919 بتاريخ 29-6-2005  ملف مدني عـدد 821-1-1-2003 ،  غـير مـنشور.

    – قرار المجلس الأعلى عـدد  1731 بتاريخ 24-5-2006  ملف مدني عـدد 2227-1-1-2004 ، غـير مـنشور.

[178] – أستاذنا حمداوي عبد الواحد، م.س،ص: 104.

[179] – قرار استئنافية الرباط بتاريخ 4 ماي 1950 ، منشور بمجلة  قرارات محكمة الاستئناف لسنتي 1951/1952، ص: 324، أشار إليه ذ، شعيب محمد ناجي، “صلاحية محكمة التحفيظ للبث فقط ووجوبا في حدود التعرضات”، مقال منشور بمجلة المناظرة العدد: الثاني، يونيو1997، ص: 27.

[180] – قرار المجلس الأعلى عدد  433 بتاريخ 9/2/2005، ملف مدني عدد : 1088-1-1-2004 غـير مـنشور.

[181] – حكم ابتدائية  وجدة  رقم 172 بتاريخ 31/1/2007، ملف رقم 963/05، غـير مـنشور.

    – حكم ابتدائية وجدة  رقم 780 بتاريخ 16/04/2008، ملف رقم 60/07، غـير مـنشور.

[182] – د، محمد خيري، “التعرضات أثناء التحفيظ العقاري في التشريع المغربي” ، م.س، ص: 209.

   – فاطمة لحروف ، م.س، ص: 121.

[183] – قرار المجلس الأعلى عدد 242 بتاريخ 13/05/1970 أورده ذ، الجيلالي بوحبص، ” دور القضاء في مسطرة التحفيظ العقاري من خلال اجتهادات المجلس الأعلى”، مقال منشور بمجلة المحامي، العدد: 43، ص: 105.

  – قرار المجلس الأعلى عدد 2953، ملف مدني عدد 77931  بتاريخ 18 دجنبر 1985 ، قضاء المجلس الأعلى العدد: 39، نونبر 1986، ص: 82. أورده أستاذنا عبد الواحد حمداوي، م.س، ص: 106.

[184] – قرار استئنافية الرباط بتاريخ 10/11/1928 ، عدد 751، أورده ذ، الجيلالي بوحبص، “دور القضاء في مسطرة التحفيظ العقاري من خلال اجتهادات المجلس الأعلى” ، م.س، ص: 27.

[185] – ذ،  شعيب محمد ناجي، م.س، ص: 27.

[186] – حكم ابتدائية وجدة رقم 117 بتاريخ 24/1/2007، ملف رقم 962/05، غـير مـنشور.

[187] – قرار المجلس الأعلى عدد 3645 صادر بتاريخ 15-12-2004، ملف مدني عدد 3849-1-1-2003، غـير مـنشور.

    – قرار المجلس الأعلى  عدد 359  صادر بتاريخ 2-2-2005،    ملف مدني عدد 3339-1-1-2003  غـير مـنشور .

[188] – أستاذنا عبد الواحد حمداوي ، م.س، ص: 108.

[189] – د، محمد بن الحاج السلمي، “سياسة التحفيظ العقاري في المغرب بين الإشهار العقاري والتخطيط الاجتماعي –الاقتصادي، “م.س، ص: 99.

[190] – حكم ابتدائية وجدة    عـدد 156   ، صادر بتاريخ 15/02/2004، ملف رقم 452/02،    غـير مـنشور.

   – حكم ابتدائية  وجدة    عـدد 1595 ، صادر بتاريخ 15/11/2006، ملف رقم 2810/03،   غـير مـنشور.

   – قرار المجلس الأعلى  عـدد 1907،  صادر بتاريخ 29/06/2005، ملف مدني عدد 4057-1-1-2004  غـير مـنشور.

   – قرار المجلس الأعلى  عـدد 50 ،    صادر بتاريخ 5/1/2005،   ، ملف  مدني عدد 4101-1-1-2003  غـير مـنشور.

[191] – ذ، الجيلالي بوحبص، “دور القضاء في مسطرة التحفيظ العقاري من خلال اجتهادات المجلس الأعلى،” م.س، ص: 104.

[192] – حكم ابتدائية وجدة عـدد 799 بتاريخ 23/5/2007، ملف رقم 11/06، غـير مـنشور.

[193] – أنظر بشأن وثائق الرسم العقاري النموذج رقم (10).

[194] – يتكون الملف المرسل إلى المحكمة من الوثائق التالية:

            * قائمة إرسال تشير إلى جميع الوثائق المرسلة مع الملف.

            * الملف الأصفر لمطلب التحفيظ الذي يتضمن:

 – خلاصة مطلب التحفيظ المنشورة بالجريدة الرسمية. …/…

– وثيقة الإعلان عن انتهاء التحديد.

– وثيقتا مطلب التحفيظ وضبط الموقع.

 – توصيل الاستدعاء لحضور التحديد.

– القائمة الأصلية الموجهة لمصلحة المسح، والتصاميم العقارية.

– التوصيلات الموجهة إلى المحكمة والقائد.

– محاضر التعرضات والوثائق المؤيدة لها…

[195] – دورية رقـم 428 صادر من السيد المحـافظ الـعام إلى السيد محافظ تاوريرت، بتاريخ يناير 2004.

[196] – د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 77.

[197] – مرسوم رقم 282-64-2 بتاريخ 5/1/1965، منشور بالجريدة الرسمية عـدد 2727 بتاريخ 3/2/1965 ، ص: 103.

[198] – قرار المجلس الأعلى عـدد  197 بتاريخ 19/01/2005، ملف مدني عدد 829-1-1-2001 غـير مـنشور.

    – قرار المجلس  الأعلى عـدد  2673 بتاريخ 12/10/2005 ملف مدني عدد 1980-1-1-2004، منشور بمجلة القصر، العدد 14، ماي 2006، ص: 176 وما بعدها .

[199] – آمال جداوي، م.س، ص: 44.

[200] – د، محمد سلام، “تحقيق الرهن الرسمي في القانون المغربي”، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، الطبعة الأولى 2002، ص: 4.

[201] – حسن فتوخ، “التقييدات المؤقتة بالرسم العقاري”، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، شعبة القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في القانون المدني، كلية الحقوق ، جامعة القاضي عياض مراكش، الموسم الجامعي 2007/2008، ص: 488.

[202] – مذكرة رقـم 876 صادرة عن السيد المحـافظ الـعام بتاريخ 14 فبراير 2007.

[203] – قرار المجلس الأعلى عـدد  3232 بتاريخ 12-07-2006، ملف مدني عـدد  3939-11-2005 غـير مـنشور.

[204] – قرار المجلس الأعلى عـدد  3702 بتاريخ 22-12-2004، ملف مدني عـدد  595-1-1-2004 غـير مـنشور.

[205] – قرار المجلس الأعلى عـدد  3791 بتاريخ 29-12-2004 ، ملف مدني عـدد  656-1-1-2004 غـير مـنشور.

[206] – د، عباس عبد الحليم،  “شهر التصرفات العقارية”، مطبعة دار محمود، الطبعة الثانية، ص: 27.

[207] – د، عبد العزيز توفيق، “شرح قانون المسطرة المدنية والتنظيم القضائي”، الجزء الثاني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية 1998، ص: 299.

– انظر النموذج رقـم (11 ).[208]

[209] – مذكرة رقم 2368 صادرة عن السيد المحـافظ الـعام إلى السيد المحـافظ العقاري بالبيضاء آنفا.

– انظر النموذج رقـم (12). [210]

[211] – منشور رقـم 310، صادر عن السيد المحـافظ الـعام بتاريخ 18 أبريل 1983.

[212] – قرار المجلس الأعلى عـدد 86 بتاريخ 19/01/2000 ملف تجاري عدد 568/98، منشور بمجلة الأملاك العدد: الثاني،  سنة 2007، ص: 235 وما بعدها.

[213] – قرار المجلس الأعلى بتاريخ 29-6-2005، ملف مدني عـدد  247-1-1-2003 غـير مـنشور.

[214] – د، محمد خيري، “حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب” م.س، ص: 535.

[215] – ذ، بدر الدين دينية ، “الشروط الموقفة لتسجيل البيوعات في الرسوم العقارية ،” مقال منشور بمجلة التحفيظ العقاري، العدد: الأول ،  مارس 1988 ، ص: 9، وما بعدها.

[216] – د، محمد بن الحاج السلمي، “تقييد الاحتفاظ بالدعوى الفاسخة، هل يخول الفسخ الانفرادي للالتزام –حالة عقود مكتب السكنى العسكرية-“، مقال منشور بمجلة صلة الوصل، العدد الخامس، مارس 1986، ص: 14.

[217] – قرار المجلس الأعلى عـدد  3699 بتاريخ  22-12-2004، ملف مدني عـدد  2265-1-1-2003، غـير مـنشور.

[218] – قرار المجلس الأعلى عـدد 527    بتاريخ 22-12-1982،  منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 31 ، السنة الثامنة، مارس 1983. ص: 52 وما بعدها.

[219] – ذ، محمد بوعزاية، “الضمانات القانونية في الحقوق العقارية” –الجزء الأول- في التقييد الاحتياطي”، مطبعة العمدة ، الطبعة الأولى 2000، ص: 10.

[220] – د، محمد خيري، “حماية الملكية العقارية ونظام التحفيظ العقاري بالمغرب” م.س، ص: 421.

[221] – ذ، محمد بوعزاية، م.س، ص: 13.

–  انظر النموذج رقـم ( 13 ).[222]

[223]– د، مأمون الكزبري، م.س، ص: 126.