أثر السلطة التقديرية على إثبات عيبي السبب والمحل

إن القانون في حالة السلطة التقديرية لا يقيد الإدارة بالحالات الواقعية التي تدفعها لاتخاذ قرار لمواجهتها، كما لا يقيدها بحلول معدة سلفا لمواجهة هذه الحالات، وبعبارة أخرى فإنها تصدر قرارها وهي في سعة من أمرها ما دامت هي المختصة بإصداره واحترمت قواعد الشكل والإجراء، واستهدفت المصلحة العامة.

ويربط جانب من الفقه السلطة التقديرية بجميع أركان القرار الإداري، بينما يذهب اتجاه آخر إلى أن عناصر التقييد في القانون الإداري هي الاختصاص والسبب والغاية، وعناصر التقدير هي شكل القرار الإداري ومحلّه.

غير أن الصحيح أن ركني الشكل والاختصاص لا حرية للإدارة بالنسبة إليهما، بل على رجل الإدارة باستمرار أن يفرغ إرادته في الشكل الذي يحدده القانون، وأن يلتزم قواعد الاختصاص، بحيث يكون القرار باطلا-أو معدوما في بعض الأحوال – إذا تجاوز هذه القواعد.

وإذا كان القضاء قد ترك القرار دون إلغاء في بعض الأحوال -رغم ما يشوبه من عيوب الشكل والاختصاص- فليس سبب ذلك تمتع الإدارة بسلطة تقديرية في هذا الشأن، بل مراعاة للتفرقة بين عيوب الشكل الجوهرية وغير الجوهرية، واقرار بعض تصرفات الموظفين الواقعيين حماية للأفراد وضمانا لحسن سير المرافق العامة.

فالسلطة التقديرية مستبعدة في ركن الاختصاص، والإدارة من جهة ركن الشكل غير ملزمة بأن تفصح عن إرادتها في شكل معين لم يلزمها القانون به، كما أنها لا تملك سلطة تقديرية في ركن الغاية؛ فهذه الأخيرة إما أن يحددها المشرع عن طريق ما يسمى بتخصيص الأهداف، أو يترك لرجل الإدارة مطلق الحرية ولا يحدد لها هدفا معينا ولكنها تبقى ملزمة بأن تدور أهدافها في فلك المصلحة العامة ، وهكذا يمكن القول أن المجال الرئيسي للسلطة التقديرية للإدارة هو ركني السبب والمحل، فالسلطة التقديرية كما يعبر عنها الدكتور سليمان محمد الطمّاوي “ليست في حقيقتها سوى تقدير مناسبة الإجراء المتخذ الوقائع التي دفعت إلى اتخاذه”.

والسبب هو مجموعة العناصر الواقعية أو القانونية التي تبرر تدخل الإدارة وتسمح لها باتخاذ القرار، فالإدارة تتمتع بسلطة واسعة في تقدير الخطورة التي يمكن أن تنجم عنها، باعتبار أنها أقدر من غيرها على إجراء هذا التقدير. أما المحل فهو موضوع القرار الإداري، أو الأثر القانوني الذي ينتجه.

وهكذا يترتب عن السلطة التقديرية للإدارة أن الفرد الذي يخاصم القرار الإداري لا يجد في القانون حدودا لسلطة الإدارة، من حيث الأسباب الداعية لاتخاذه، ومن حيث اختيارها لمضمون معين له دون غيره، وهو ما يعني أن المدعي لا يمكنه أن يؤسس طعنه على عيب في السيب أو في المحل، وإذا حدث وأن طالب بإلغاء القرار على أساس عيب في السبب أو المحل فإنه يجد صعوبة بالغة في إثبات مخالفة الإدارة للقانون في هذين الركنين؛ لأن القانون لم يضع لها حدوداً أصلا حتى تحترمها يعتبر الخروج عنها مخالفة القانون.

صحيح أنه لا يمكن للسلطة التقديرية أن تصبح سلطة مطلقة وبدون حدود، فالإدارة عندما تتصرف في العمل بمقتضى ما لها من سلطة تقديرية لا تتمتع بسلطة تحكمية، وهي ملزمة أن تكفل في ممارستها لهذه السلطة بأن توازن بين مقتضى السير الحسن للنشاط الإداري من جهة وحقوق الأفراد وحرياتهم من جهة أخرى.

لكن هذا الالتزام الملقى على عاتق الإدارة لا يمثل حدّا واضح المعالم، ولا يمكن أن يكون محل اتفاق وإجماع يمكن إثبات الخروج عنه ببساطة، فما يراه المدعي حدا على السلطة التقديرية للإدارة لا تراه الإدارة كذلك، وهكذا نجد أنفسنا أمام صعوبة أخرى من صعوبات الإثبات في وجه المدعي في دعوى الإلغاء.

خلاصة القول أن المدعي في دعوى الإلغاء في القرار الإداري يقف موقفا صعبا مقارنة بخصمه المتمثل في الإدارة المتمتعة بأساليب السلطة العامة وامتيازاتها، والمزودة بأدلة الإثبات سلفا، بينما يكون هو مفتقرا إليها بسبب السرية الإدارية وعدم وجوبية تسبيب القرارات الإدارية رغم أن عبء الإثبات ملقى عليه لكونه مدّعيا، أضف إلى ذلك صعوبة إثباته لأوجه عدم المشروعية الداخلية إذا كان القرار متخذا على أساس السلطة التقديرية – وأغلب قرارات الإدارة كذلك-، فهل لاقت وضعيته هذه اهتماما من المشرع؟ هذا ما ستتبين بعضه في الفصل الثاني من هذا الباب.

error: