الصفة الكتابية للإجراءات القضائية الإدارية

إن نص المادة التاسعة من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري ألغي أي تمييز بين الإجراءات المدنية والإجراءات الإدارية من حيث هذه الصفة بقوله: “الأصل في إجراءات التقاضي أن تكون مكتوبة”، وينصرف هذا النص إلى جميع إجراءات التقاضي التي يتعلق بها هذا القانون، لأن المادة التاسعة جاءت ضمن باب الأحكام التمهيدية.

ومع ذلك وحتى وإن لم تعد الصفة الكتابية ميزة تتميز بها الإجراءات الإدارية عن الإجراءات المدنية، إلا أنها تبقى صفة من صفات الإجراءات الإدارية، التي لها مبرراتها وآثارها، ولهذا يمكن أن نقول أنه وإن كانت الإجراءات المدنية قد اكتسبت الصفة الكتابية بعد البلوغ والنضج، فإن الكتابية صفة أصيلة في الإجراءات الإدارية، لصيقة بها منذ الميلاد، ولهذا يرجع بعض الفقه الصفة الكتابية للإجرءات الإدارية إلى الأصل الإداري للمنازعات الإدارية.

وهناك من الفقه من يرد هذه الصفة إلى طبيعة أطراف الدعوى الإدارية؛ حيث تكون الإدارة دوما طرفا فيها، وهي شخص معنوي يعتمد في إثبات تصرفاته على الأوراق والكتابة، باعتبار أن الكتابة هي وسيلة التعبير العادية للإدارة.

كما أنه ولكون الهدف من الدعوى الإدارية حماية مبدأ المشروعية تطلب الأمر تحديد الوقائع والحجج بالأوراق ودراستها حتى يتسنى إنزال حكم القانون على الوجه الصحيح. ولهذا فإن الإجراءات أمام القاضي الإداري، خصوصا في مرحلة التحضير تكون في الأصل كتابية وليست شفهية.

والصفة الكتابية لعناصر الإثبات تناسب مبدأ وجاهية الإجراءات الذي يمثل أصلا عاما في التقاضي، بموجبه يتم الفصل في الدعوى على أساس ما قدم فيها من أوراق ومستندات كانت تحت نظر طرفيها، وكان بوسعهم الاطلاع عليها ومناقشتها.

وإذا كان المشرع الجزائري نص صراحة في قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري على هذه الصفة الكتابية لإجراءات التقاضي، فإن هذه الصفة تستفاد في القانون المصري من نص المادة 25 من قانون مجلس الدولة على ضرورة إقامة الدعوى بعريضة تعلن بمرفقاتها إن وجدت إلى الجهة الإدارية المعنية، وإلى ذوي الشأن في موعد لا يجاوز سبعة أيام من تاريخ تقديمها. ونص المادة 26 من نفس القانون على أنه على الجهة الإدارية المعلنة بعريضة الدعوى الرد عليها بأن تودع قلم كتاب المحكمة خلال 30 يوما من إعلانها بها مذكرة بالبيانات والملاحظات المتعلقة بالدعوى مشفوعة بما يؤيدها من مستندات.

غير أنه وإن كانت الصفة الكتابية أصلا في الإجراءات الإدارية إلا أن ذلك لا يعني حرمان الأطراف من إبداء ملاحظاتهم الشفوية أثناء الجلسة؛ فقد نصت المادة 884 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الجزائري على أنه: “…يجوز للخصوم تقديم ملاحظاتهم الشفوية تدعيما لطلباتهم الكتابية” ويترتب على عبارة “تدعيما لطلباتهم الكتابية” نتيجتين مهمتين وهما:

  • أن الطرف الذي لم يودع مذكرة مكتوبة ليس له الحق في إبداء ملاحظات شفوية، وهذا ما قضى به مجلس الدولة الفرنسي.

  • وفي هذا أيضا دلالة على أن هذه الملاحظات لا تكون إلا من أجل التنبيه على بعض النقاط في العرائض المكتوبة التي أودعها الأطراف، وليس من أجل المرافعة، كما هو عليه الحال أمام القاضي العادي.

إن القاضي لا يمكنه حرمان الخصوم من تقديم ملاحظاتهم الشفهية لكونها حق لهم بموجب النص الصريح للمادة التي نصت على أنه يجوز للخصوم تقديم ملاحظاتهم الشفوية، ولم تنص على أنه يجوز للقاضي السماح للخصوم بتقديم ملاحظاتهم الشفوية، كما هو الشأن في الفقرة الموالية المتعلقة بسماع أعوان الإدارة ودعوتهم لتقديم توضيحات أو سماع أي شخص حاضر يرغب أحد الخصوم سماعه، فهذه الحالات ربطها المشرع بإرادة القاضي، بقوله: “يمكن لرئيس تشكيلة الحكم”، بينما ربط الحالة الأولى بإرادة الخصوم وحدهم بقوله: “يجوز للخصوم”.

ومما يؤكد ذلك أن المشرع نظم كيفية الاستماع لملاحظات الخصوم الشفوية بنص المادة 887 بقولها: “يتناول المدعى عليه الكلمة أثناء الجلسة بعد المدّعي، عندما يقوم هذا الأخير بإبداء ملاحظات شفوية”.

إن الأمر على خلاف ذلك في القانون المصري، إذ قررت المحكمة الإدارية العليا أن نظام إجراءات التقاضي الإدارية يقوم أساسا على مبدأ المرافعات التحريرية في مواعيد محددة منضبطة يستطيع ذوو الشأن فيها أن يقدموا مذكراتهم كتابة مع مستنداتهم، وعلى تحضير الدعوى بمعرفة هيئة مفوضي الدولة، و ليس من حق ذوي الشأن الإصرار أمام المحكمة على طلب المرافعة الشفوية، وإنما لرئيس المحكمة أن يطلب إليهم أو إلى المفوض ما يراه لازما من إيضاحات”، و يرى الدكتور ماهر أبو العينين في هذا الحكم مساسا بمبدأ دستوري؛ هو مبدأ علنية الجلسات الذي لا تكون له قيمة ما لم تكن المرافعة مسموحا بها أمام المحكمة.

إن منطق الصفة الكتابية للإجراءات القضائية الإدارية يقودنا إلى اعتبار أن القاضي الإداري ليس ملزما مبدئيا وفي غياب النص بأن يطلب من تلقاء نفسه من الأطراف أن يبدو ملاحظاتهم، أو ينبههم إلى ذلك، وهذا يقود أيضا إلى اعتبار أن عدم حضور المدعي إلى الجلسة لا يعتبر خطأ، كما أن حضور المحامي ليس لازما.

ويثور الإشكال في هذا الصدد حول مدى إلزام القاضي بالرد على الأوجه المقدمة شفويا بالجلسة، لقد أجاب مجلس الدولة الفرنسي على ذلك في العديد من أحكامه بأنه وفي جميع الأحوال فإن الملاحظات الشفوية المقدمة لا تجب الإجابة عليها أو حتى الإشارة إليها في الحكم؛ ما لم يؤكد عليها بمذكرة مكتوبة أثناء الجلسة، وهذا يعني أن هذه الملاحظات لا تمثل خروجا فعليا عن الصفة الكتابية لإجراءات التقاضي الإدارية. وعلى هذا يكون المظهر الوحيد للشفهية في الإجراءات القضائية الإدارية حسب الأستاذ René CHAPUS هو تلاوة مفوض الحكومة لتقريره المكتوب.

إن هذا الحل هو الذي اعتمدته المادة 886 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية. الجزائري يقولها: “… غير أن القاضي غير ملزم بالرد على الأوجه المقدمة شفويا بالجلسة ما لم تؤكد بمذكرة كتابية”.

وأخيرا تجدر الإشارة إلى أنه وإن كان القاضي غير ملزم مبدئيا وفي غياب النص بأن يطلب من تلقاء نفسه من الأطراف أن يبدوا ملاحظاتهم، إلا أنه يجوز له طلب بيان ما غمض في المذكرات والوثائق، على أن لا يتجاوز ذلك حدود الإيضاح والبيان، ولا يعتبر ذلك حسب الدكتور أحمد كمال الدين موسى من قبيل المرافعات الشفهية، إذ أن الحجج والوقائع يتعين سردها بالتفصيل في مذكرات ترفق بالملف، وتكون تحت نظر الخصوم قبل الفصل في الدعوى، ويستند إليها القاضي في حكمه.

وهكذا يمكن القول أن بعض مظاهر الشفهية المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية، لا تمثل خروجا عن مبدأ كتابية الإجراءات القضائية الإدارية، فما هي إلا وسائل تكميلية -إن صحت التسمية- وليست أساسية في الدعوى؛ فالتوضيحات الشفوية لا تكون إلا من أجل تدعيم طلبات كتابية، وهي فوق ذلك غير مستوجبة للرد ما لم تدعم بمذكرة كتابية أثناء الجلسة، وتلاوة المستشار المقرر ومحافظ الدولة لتقريريهما ما هو إلا مجرد قراءة لما هو مكتوب أصلا على أسماع الحاضرين.

إن الصفة الكتابية للإجراءات الإدارية تمنح مزايا عديدة في صالح العدالة، فهي تعطي القاضي فرصة للدراسة الوافية والعميقة لملف الدعوى من واقع ما أودع به من مستندات، أو مذكرات أو ملاحظات مكتوبة دون حاجة إلى الاعتماد على الذاكرة لاسترجاع ما قيل من دفاع شفهي أثناء الجلسة، وبعيدا عن انفعالات الجلسة وظروفها الطارئة، كما أنها تمنح لكل طرف الرد بدقة وهدوء على أوجه الدفاع المثارة من الطرف الآخر؛ فالكتابة هي وسيلة الإبداع وجمع وتحليل الأفكار بعمق، كما أنه بفضل كتابية الإجراءات الإدارية فإن الخصوم يعلمون مقدما وجهات النظر المختلفة لبعضهم البعض، حيث تسمح الصفة الكتابية للإجراءات لكل من القاضي والأطراف أن يكونوا على اتصال تام وكامل ودائم بمجريات سير التحقيق عن طريق المذكرات المقدمة سلفا، وهكذا يمكنهم تجنب عنصر المفاجأة التي تتسم بها المرافعات الشفوية ؛ وإذا كانت الشفوية أكثر ملاءمة لمتطلبات الوجاهية فإن الكتابية أكثر ملاءمة لمتطلبات الأمان.

وتصب الكتابة أيضا في هدف تبسيط الإجراءات ورفع الكلفة عن المتقاضين، فمن شأنها التيسير على أطراف الخصومة بتجنيبهم مشقة الانتقال إلى المحكمة، حيث يكفي إرسال المستندات وملاحظات الدفاع.

إن اتسام الإجراءات الإدارية بالصفتين الكتابية والإيجابية له الأثر الكبير في الحكم على مدى تطبيق القاعدة العادية في الإثبات في مجال الإثبات الإداري، كما له الأثر الكبير أيضا في تحديد نظام الإثبات المعتمد أمام القاضي الإداري وهو موضوع المطلبين القادمين من هذا المبحث.