دور القاضي في تحضير الدعوى

الفرع الثالث: مبررات الدور الإيجابي لقاضي الإلغاء في تحضير الدعوى.

يستند الدور الإيجابي للقاضي الإداري في تحضير وتحقيق الدعوى الإدارية عموما ودعوى الإلغاء خصوصا إلى اختلاف المراكز بين المدعي والإدارة وحالة اللاتوازن بينهما من حيث القدرة على الإثبات من جهة، كما يستد من جهة أخرى إلى الخصائص العامة لإجراءات التقاضي الإدارية، وهناك من يعزوه إلى الطبيعة الموضوعية لدعوى الإلغاء واستهدافها حماية مبدأ المشروعية وغيرها من المبررات.

أولا- حالة اللاتوازن بين طرفي الدعوى من حيث الإثبات:

فالدور الإيجابي الذي يؤديه قاضي الإلغاء والذي يميز مرحلة تحضير الدعوى يعتبر مساهما في كفالة التوازن بين الإدارة والمدعي.

ثانيا- الصفة الكتابية لإجراءات التقاضي الإدارية:

حتى وإن لم تعد الصفقة الكتابية ميزة تتميز بها الإجراءات الإدارية عن الإجراءات المدنية، إلا أنها تبقى صفة من صفات الإجراءات الإدارية، التي لها مبرراتها وآثارها، ولهذا يمكن أن نقول أنّه وإن كانت الإجراءات المدنية قد اكتسبت الصفة الكتابية بعد البلوغ والنضج، فإن الكتابية صفة أصلية في الإجراءات الإدارية لصيقة بها منذ الميلاد، ولهذا يرجع بعض الفقه الصفة الكتابية للإجراءات الإدارية إلى الأصل الإداري للمنازعات الإدارية.

ولقد ترتب على الصفة الكتابية للإجراءات أن أصبحت الوثائق والمستندات الكتابية هي الوسيلة الرئيسية للإثبات أمام القضاء الإداري، وإذ تحوز الإدارة عادة المستندات الإدارية فقد تطلب تحقيق التوازن العادل بين الطرفين تخويل القاضي سلطة تكليفها بتقديم ما في حوزتها من مستندات، وهذا يكون من خلال دوره المتميز في تحضير الدعوى حتى تكون مهيأة الفصل فيها.

ثالث- الأساس التاريخي:

فلا يمكن غزو الدور الإيجابي للقاضي الإداري في تحضير الدعوى وتحقيقها إلى الصفة الكتابية الإجراءات التقاضي الإدارية وإلى مهمة كفالة التوازن بين طرفي الدعوى الإدارية عموما ودعوى الإلغاء خصوصا وحدهما، بل إن هناك عوامل تاريخية ساهمت في ذلك أيضا، وهي المتعلقة بنشأة القاضي الإداري في أحضان الإدارة، قبل تطور النظام القضائي الإداري من نظام الإدارة القاضية إلى القضاء المحجوز ثم إلى القضاء المفوض.

فالقاضي الإداري ليس بغريب عن الإدارة التي ألفت الإجراءات التي تسير عليها في عملها، وأصبح بمقدوره تحضير الدعوى وتحقيقها استنادا إلى ذلك.

رابعا- الطبيعة الموضوعية لدعوى الإلغاء:

فالطبيعة الموضوعية الدعوى الإلغاء؛ واتصالها بالصالح العام، واستهدافها حماية مبدأ المشروعية أسبغت الصفة الإيجابية على الإجراءات القضائية الإدارية من خلال الدور الإيجابي الذي يقوم به القاضي في دعوى الإلغاء منذ رفعها، وإلى غاية الحكم فيها، بشكل يقترب فيه من دور القاضي الجزائي.

وعلى هذا الأساس فإنه وكما يقول أستاذنا الدكتور مسعود شيهوب لا يتعين على القاضي الإداري تكريس السلطات التي منحها له المشرع فقط، بل عليه أن يتوسع فيها ويضيف إليها حالات أخرى لضمان حد أدنى من التوازن بين أطراف الدعوى، فكما أن حماية المجتمع ليست مهمة الضحية في الدعوى الجزائية بل هي مهمة القاضي، فحماية مبدأ المشروعية أيضا ليست مهمة المدعي في دعوى الإلغاء بل هي مهمة القاضي الإداري أيضا.