تقدير حجية القرينة

سلطة قاضي الإلغاء في تقدير حجية القرينة:

إن دلالة الوقائع الثابتة على الوقائع غير الثابتة ليست ملزمة للقاضي، فالخصم يعرض على القاضي الوقائع الثابتة التي يريد أن يجعلها أساسا لاستنباط ما يدعيه، ويكون للقاضي كامل الحرية في أن ينتقي منها ما يشاء، وأن يستنبط ما يختاره منها سواء كان هذا الاستنباط متفقا مع إرادة الخصم أو عكسها.

وما دامت القرينة القضائية تقوم على الاستنباط القائم على الظن والترجيح، ولما كان من الممكن الغلط في هذا الاستدلال، فقد انعقد إجماع الفقه على أن القاضي لا يتقيد بعدد القرائن ولا بتطابقها، فقد تقنعه قرينة واحدة قوية الدلالة، ولا تقنعه قرائن متعددة.

وأخيرا فإن قاضي الإلغاء يستطيع الأخذ بالقرائن كوسيلة لإثبات أي واقعة مادية، أما التصرفات القانونية فلا يمكن الاعتماد على القرائن في إثباتها إلا في الحالات التي يجوز فيها الاستناد إلى شهادة الشهود.

ثالثا- أهم القرائن القضائية الدالة على الانحراف بالسلطة:

مع بداية الربع الثاني من القرن العشرين لم يعد مجلس الدولة الفرنسية يكتفي بفحص نص القرار المطعون فيه، والأوراق المحفوظة بملف الدعوى فقط، بل بدأ بحثه يمتد إلى القرائن المحيطة بظروف النزاع إذا لم يجد في نص القرار أو أوراق الدعوى ما يعينه على اكتشاف الانحراف.

لقد أدرك القضاء الإداري بخبرته أن المدعي في دعوى الإلغاء لو ترك وشأنه اعتمادا على ملف الدعوى فإنه سوف ينوء حتما بعبء الإثبات، فباستثناء حالة اعتراف الإدارة، وهي حالة نادرة تماما، وكذلك حالة إعلان الإدارة عن هدفها المخالف لفكرة تخصيص الأهداف معتقدة صحته، فمن المؤكد أن المدعى سيلقى صعوبة بالغة في إثبات الانحراف بالسلطة.

وانطلاقا من حرص قاضي الإلغاء على إعلاء مبدأ المشروعية فإنه تجاوز ملف الدعوى في إثبات الانحراف بالسلطة إلى غيره من الأدلة التي يمكن للمدعي تقديمها، وهي مجموعة من القرائن من شأنها التشكيك في نوايا الإدارة وسلامة غاياتها من وراء إصدار القرار، بحيث ينتقل عبء إثبات عكس هذه القرائن إلى عاتق الإدارة ذاتها، فإذا سكتت ولم تقدم الإجابة الشافية التي تقنع القاضي اعتبر ذلك تسليما منها بادعاءات المدعي. وأهم هذه القرائن:

error: