تقدير يمين الخصوم

الفرع الثاني: سلطة قاضي الإلغاء في تقدير يمين الخصوم.

تعرف اليمين بأنها “قول يتخذ فيه الحالف الله شاهدا على صدق ما يقول، أو على إنجاز ما يعد ويستنزل عقابه إذا ما حنث”، كما عرفت بأنها: ” استشهاد الله عز وجل على قول الحق مع الشعور بهيبة المحلوف به وجلاله والخوف من بطشه وعقابه”.

واليمين إما أن تكون حاسمة يوجهها الخصم العاجز عن الإثبات إلى خصمه محتكما إلى ضميره طالما أعوزه الدليل، وهي وسيلة للإعفاء من الإثبات. وإما يمين متممة يوجهها القاضي إلى أحد الخصوم ليستكمل بها الأدلة، ويلجأ إليها بطلب من الخصوم أو من تلقاء نفسه، ويقصد بها إنارة القاضي وإراحة ضميره عندما تكون الأدلة المقدمة في الدعوى غير كافية.

وكلا من اليمين الحاسمة والمتممة تعتبر دليلا من أدلة الإثبات أمام القضاء العادي نص عليهما القانون المدني في المواد من 343 إلى 350.

غير أن اليمين الحاسمة مستبعدة أمام القاضي الإداري لاعتبارات تتعلق بطبيعة الدعوى الإدارية، التي تكون الإدارة أحد أطرافها، وممثلة بشخص عادة ما لا تكون له صلة بالنزاع، ولا يدخل ضمن اختصاصه الإداري، ونظرا لأن القضية الإدارية تكون ذات عدة أبعاد وتدخل ضمنها عدة نشاطات لا يمكن تبين من توجه إليه اليمين. ولكن هذا لا يمكن توجيه اليمن لممثل الإدارة، والذي غالبا ما يكون رئيس قسم المنازعات، أو محاميا وهما بطبيعة الحال لا علاقة لهما بالنشاط محل النزاع القضائي ولا معنى لحلفهما على أمور لا علاقة لهما بها، وما دام الأمر كذلك وتحقيقا للمساواة بين أطراف الدعوى، فإنه يمتنع أيضا توجيه اليمين الحاسمة للأفراد.

أما اليمين المتممة التي يوجهها القاضي الإداري لأحد الخصوم، لاستكمال اقتناعه، لم تشر إليها النصوص، وأغلب الفقه استبعد توجيهها لممثل الإدارة لنفس الاعتبارات التي استبعد من أجلها اليمين الحاسمة.

وانقسم الفقه بين مؤيد ومعارض لتوجيه اليمين المتممة للأفراد فالمعارضون يرون عدم جواز توجيه اليمين المتممة للأفراد إعمالا لمبدأ المساواة بين طرفي الدعوى، وعلى هذا الأساس تستبعد اليمين تماما من الإثبات الإداري.

بينما يرى الاتجاه الغالبة أنه لا مانع من توجيه القاضي الإداري اليمين المتممة للأفراد لتنويره واستكمال عقيدته والاستئناس بها، فهذه اليمين وان كانت مستبعدة اتجاه الإدارة لأنها لا تتفق مع طبيعتها، فهي تتفق وطبيعة الأفراد والقاضي يعامل كل طرف بما يتفق وطبيعته وظروفه، وهذه التفرقة بين الإدارة والأفراد مراعاة الاختلاف طبيعتيهما لا تتضمن إخلالا بمبدأ المساواة أمام القضاء.

ورغم أن المشرع الجزائري خصص المواد من 189 إلى 193 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية لأحكام اليمين أمام جميع الجهات القضائية، إلا أنه لم يحل عليها فيما يتعلق بوسائل تحقيق الدعوى الإدارية، الأمر الذي يدعو إلى القول برفض المشرع الجزائري لتبتي اليمين كوسيلة من وسائل الإثبات الإداري، وهو ما يستشف من نص المادة 189 على أن القاضي يأمر بأداء اليمين في المواد التي يجوز فيها ذلك.

إنني لا أرى ضيرا من توجيه اليمين المتممة لعضو الإدارة أثناء استجوابه حول واقعة هو المختص بها، إذ لا مبرر هنا لاستبعادها، وعلى هذا الأساس لا تثور إشكالية مدى جواز توجيهها للأفراد، فيجوز توجيهها لهم لأنه يجوز توجيهها للإدارة أيضا في الحالات التي لا تتعارض مع طبيعتها.

وهكذا فإن اليمين الحاسمة مستبعدة من الإثبات في الدعوى الإدارية عموما ودعوى الإلغاء خصوصا، بينما أرى أنه من المفيد الاعتراف بجواز توجيه اليمين المتممة للأفراد بشأن إثبات أي واقعة، ولعضو الإدارة بشأن أي واقعة تدخل ضمن اختصاصه وحده، خاصة في ظل سكوت المشرع الجزائري من جهة وفي ظل اعتماده لنظام الإثبات الحر من جهة أخرى وذلك من خلال نص المادة 863 على جواز تعيين رئيس تشكيلة الحكم لأحد أعضائها للقيام بكل تدابير التحقيق غير المنصوص عليها.

وقريب من هذا ما هو معمول به أمام القضاء في النظام الأنجلوسكسوني، حيث يستطيع القاضي أن يوجه اليمين إلى ممثل الإدارة كشاهد وليس كطرف في النزاع.

وقد يقول قائل أنّ في توجيه اليمين لعضو الإدارة مساس بهيبة الإدارة، وبمبدأ الفصل بين السلطات، لكن ذلك في الحقيقة غير صحيح على الإطلاق، فاليمين هي تفويض عضو الإدارة إلى ضميره، وليست اتهاما له ولا للإدارة التي يمثلها.