خيار العيب في الفقه الإسلامي

  المبحث الأول : تمهيد في الخيار

المبحث الأول : تمهيد في الخيار ، وفيه خمسة مطالب :

 المطلب الأول : مفهوم الخيار في اللغة ، والاصطلاح :

   أولاً : الخيار في اللغة : اسم مصدر للفعل اختار ، وأصله من الخيرة ، وهي اسم من الاختيار ، كالفدية من الافتداء ، ويقال : اسم من تخيرت الشيء ، والخيار : طلب خير الأمرين من أي شيء(1) 0

   والخيار في اصطلاح الفقهاء يعني :

    بالنظر في كتب الفقهاء نجد مدلول الخيار متفق عليه ، وإن اختلفوا فيما يطلق عليه هذا المدلول نتيجة لتباينهم في مشروعية بعض الخيارات ، إلا أن التعريف الأقرب لتوصيف الخيار  يمكن أن يعرف بأنه : حق طلب خير الأمرين من الإمضاء ، أو الفسخ سواء كان لأحد المتعاقدين ، أو لهما  كليهما(2) 0

   ويمكن القول بأن الخيار : حق شرعي يثبت لمن ثبت له الحق أن يمضي العقد على ما هو عليه مع نفاذ آثاره المترتبة عليه ، أو فسخه 0

_________________________________

  • لسان العرب 4/267 ، والمصباح المنير 1/185 0

  • العناية شرح الهداية 6/253  ، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل 4/226 ، وتحفة المحتاج في شرح المنهاج 4/332 ، والروض المربع شرح زاد المستقنع 1/322 0

 

 

 المطلب الثاني : أنواع الخيار ، ومشروعيتها :

   عندما نتحدث عن أنواع ، ومشروعية الخيار في فقه المعالات يجب أن نعلم أنَّ الفقهاء عندما يتحدثون عن مشروعية الخيار فهم يتناولونها بشكل جزئي حسب أقسام الخيار ؛ ولذلك نجد خلافاً بين الفقهاء في اعتبار مشروعية بعض الخيارات ، لكني لن أتعرض لخلاف الفقهاء في مشروعية كل نوع ؛ لأن ذلك ليس في نطاق البحث ، وعليه يمكن بيان أنواع الخيارات ، ومشروعيتها كالتالي :

   أولاً : خيار المجلس ، ونعني به : حق كلٍّ من المتعاقدين في إمضاء العقد ، أو فسخه مدة بقائهما في مجلس العقد(1) 0

   وهذا القسم من الخيار هو ما يصدر به فقهاء الشافعية ، والحنابلة أقسام الخيار ؛ لأنه يأتي حين إنشاء العقد ، والأدلة على مشروعيته ما يأتي :

   *  قوله – صلى الله عليه وسلم – : ” البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما “(2) 0

   * قوله – صلى الله عليه وسلم – : ” البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، أو يقول أحدهما لصاحبه  اختر “(3) 0

___________________________

(1) معجم لغة الفقهاء 1/202 0                    

(2) أخرجه البخاري من حديث حكيم بن حزام – رضي الله عنه – 3/58/2079 ، ومسلم عن ابن عمر     – رضي الله عنهما – 3/1163/1531 0

(3) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما –  3/64/2109 0

 

   * قوله – عليه الصلاة والسلام – : ” إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار           ما لم يتفرقا ، وكانا جميعاً ، أو يخير أحدهما الآخر ، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ، ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع “(1) 0

   وممن أثبت خيار المجلس ابن عمر – رضي الله عنهما –(2) ، وسعيد بن المسيِّب(3) 0

   * وهناك الدليل العقلي : فإن الحاجة داعيةٌ إلى إثبات خيار المجلس حتى يتروَّى العاقدان في إمضاء البيع من عدمه ؛ لأن البائع ، أو المشتري  قد يظهر لهما ، أو لأحدهما أن المصلحة في عدم إتمام البيع فلو أمضينا البيع بمجرد العقد فقد يلحق الضرر بهما أو بأحدهما ، والضرر مرفوع شرعاً(4) 0

_________________________

(1) أخرجه عن ابن عمر- رضي الله عنهما- البخاري 3/64/2112 ، ومسلم 3/1163/1531 0

(2) عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – بن الخطاب العدويِّ القرشي ، أسلم بمكة ، أول مشاهده الخندق ، من كبار علماء الصحابة وفقهائهم ، ومن المكثرين لرواية الحديث ، توفي سنة ثلاث وسبعين ،  ينظر : أسد الغابة 3/236 وما بعدها ، والاستيعاب في معرفة الأصحاب 3/950 وما بعدها 0

(3) سعيد بن المسيِّب بن حزن بن أبي وهب المخزوميِّ القرشي المديني ، من كبار علما التابعين ، أثنى عليه ابن عمر – رضي الله عنهما – ، وروى عن عدد من الصحابة ، وبالأخص عن أبي هريرة – رضي الله عنه – جمع بين الحديث ، والفقه ، والعبادة ،  والورع  ، توفي سنة اثنتين وتسعين  ، وقيل : غير ذلك ، ينظر : وفيات الأعيان 2/375 ، وطبقات الفقهاء 1/57 0

(4) الكافي في فقه الإمام أحمد 2/27 ، وشرح منتهى الإرادات 2/35 0

 

   ثانياً : خيار الشرط(1) :

    ومعناه : أن يشترط المتعاقدان ، أو أحدهما الخيار عند إنشاء العقد ، أو بعده في زمن خيار المجلس ، أو الشرط مدةً محددة(2) 0

   وخيار الشرط متفقٌ على مشروعيته(3) ، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر – رضي الله عنهما- أن رجلاً (4) ذكر للنبي – صلى الله عليه وسلم – أنه يخدع في البيوع ، فقال له     – عليه الصلاة والسلام –  : ” إذا بايعت فقل : لا خلابة “(5) ، ولا خلابة أي :          لا خديعة (6) 0

_________________________

(1) الشرط في اللغة : العلامة ، وفي الاصطلاح الأصولي : ما يلزم من عدمه عدم الحكم ، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته ،  ينظر : لسان العرب 7/329 ، وروضة الناظر وجنة المناظر 1/179 ، والإحكام في أصول الأحكام 2/309 ( بتصرف ) 0

(2) تحفة الفقهاء 2/65 ، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل  4/473 ، وتحفة المحتاج في شرح المنهاج 4/341 ،  والروض المربع 1/324 0

(3) المصادر السابقة 0

(4) هو الصحابي الجليل حبان بن منقذ – رضي الله عنه –  بن عمرو بن عطية الأنصاري الخزرجي المازني ، شهد أحداً ، وما بعدها ، كان في لسانه ثقل ، وكان يخدع في البيوع ، فجعل له النبي – صلى الله عليه وسلم – الخيار ، توفي في خلافة عثمان – رضي الله عنه – ، ينظر : أسد الغابة 1/666 0

(5) أخرجه عن ابن عمر – رضي الله عنهما – البخاري 3/65/2117 ، ومسلم 3/1165/1533 0

(6)  لسان العرب 1/363 ، والقاموس المحيط 1/81 0

 

   ثالثاً : خيار الغبن :

   والغبن لغة : الخديعة ، وأخذ الغير على غفلة ، وغبنه أي : أنقصه في الثمن(1) 0

   والغبن في الشرع : وهو بيع السِّلعة بسعرٍ غير سعرها الثابت المقوَّمة عليه على نحو يخرج عن العادة (2)  ، ويثبت في ثلاث صور :

   الصورة الأولى : تلقِّي الركبان :

 والركبان هم : القادمون من السفر ليبيعوا بضاعتهم(3) ، فنهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن تلقِّيهم ، ودليل النهي عن تلقِّيهم ، وإثبات الخيار لمن غُبن في سلعته قوله – عليه الصلاة والسلام – : ”  لا تلقوا الجلب(4) ، فمن تلقَّاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار (5) ، فالنهي يفيد التحريم ، ويثبت الخيار حتى يستدرك المغبون ما لحقه من غبن(6) 0

_______________________________

(1) لسان العرب 13/310 ، والقاموس المحيط 1/1219 0

(2) البحر الرائق 6/125 ، والمجموع 12/327 ، والروض المربع 1/327 ، ( بتصرف ) 0

(3) كشاف القناع 3/211 0

(4) الجلب ما تجلبه من بلد إلى بلد ، واجتلبه أي : ساقه من موضع لآخر ، ينظر : القاموس المحيط 1/68 ، و المصباح المنير 1/104 0

(5) أخرجه عن أبي هريرة – رضي الله عنه –  مسلم  3/1157/1519 0

(6) المجموع شرح المهذب 12/327 ، وكشاف القناع 3/211 0

 

   الصورة الثانية : بيع النَّجش :

   والنَّجش في اللغة : من نجشت الصَّيد إذا أثرته(1) 0

   والنَّجش في المعنى الاصطلاحي : من يثير كثرة الثمن ليظهر المبيع على غير حقيقته السِّعرية دون قصد شرائها ، لكن ليغرَّ غيره(2) 0

   وروى ابن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” نهى عن النَّجش  “(3) 0

   فالمشتري الذي يقوم بشراء سلعة وهو يجهل سعرها الحقيقي ، فيقوم البائع ، أو آخر سواء بمواطأة البائع ، أو من تلقاء نفسه بزيادة سعر السِّلعة زيادةً تخرج عن العادة بحيث يغبن فيها المشتري فإن هذا البيع يثبت الخيار للمشتري بين رده ، أو إمساكه(4)  0

_______________________

(1) مقاييس اللغة 5/394 ، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير 2/594 0

(2) تبيين الحقائق 4/67،وحاشية الدسوقي3/68، والمجموع 13/14،وشرح منتهى الإرادات 2/41 0

(3) أخرجه عن ابن عمر – رضي الله عنهما – البخاري 3/69/2142 ، ومسلم 3/115/1515 0

(4) وهناك تفصيل عند بعض الفقهاء في الرد ، والمعتبر فيه ، إلا أنهم يتفقون في النهي عنه ، ومشروعية الخيار فيه كمبدأ ، ينظر :  الكافي في فقه أهل المدينة 2/739 ، والمجموع 13/15 ، والمبدع في شرح المقنع 4/77 0

 

   الصورة الثالثة : غبن المسترسل :

   والاسترسال في اللغة : الاستئناس ، والاطمئنان(1)  0

   ومعنى الاسترسال في الاصطلاح الفقهي  : من جهل قيمة الشيء ، ولا يحسن المماكسة من بائع ، أو مشترٍ(2) 0

   فمن كان هذا شأنه ، وعلم بعدها أنه غُبن في قيمة المبيع سواء كان البائع ، أو المشتري فإن ذلك يثبت الخيار(3) 0

   رابعاً : خيار التدليس :

   والتدليس في اللغة : مصدر دلَّس ، مأخوذ من الدَّلس ، وهي : الظُّلمة(4) 0

   وفي الاصطلاح : فعل ما يزيد في ثمن المبيع دون أن يكون ذلك من عادة المبيع ،      أو أصل حاله ؛ لتغرير المشتري(5)  0

   وقيل : التَّدليس في البيع : كتم العيب عن المشتري مع علمه به مما يوهم المشتري   عدمه(6)  0

_________________________

(1) لسان العرب 11/283 0

(2) حاشية الروض المربع 4/436 ، ومعجم لغة الفقهاء 1/246 0

(3) الكافي في فقه أهل المدينة 2/739 ، والمجموع 13/15 ، والمبدع في شرح المقنع 4/77 0

(4) القاموس المحيط 1/546 ، والمصباح المنير 1/198 0

(5) الروض المربع 1/327 ، والموسوعة الفقهية الكويتية 11/128 0

(6)  القاموس الفقهي 1/132، ومعجم لغة الفقهاء 1/126 0

   وقد ثبت النهي عن عمل ذلك في قوله – صلى الله عليه وسلم – : ” لا تصرُّوا(1) الإبل  والغنم ، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك ، وإن شاء ردَّها ، وصاعاً من تمر”(2) ، فهذا الحديث دليل على مشروعيَّة خيار التَّدليس 0

   والخيارات السَّابقة  – كما نرى – قامت أدلةٌ من السنة على مشروعيتها ، وقبل الخوض في خيار العيب الذي يدور عليه موضوع البحث نتحدث عرضاً عن مجوعة من الخيارات التي أثبتها الفقهاء ، والتي تتيح المجال في إثبات العقد ، أو فسخه للضَّرر المترتب عليها ، وهي على النحو التالي :

   * خيار بتخبير الثمن : إذا ظهر الثمن أقلَّ ،أو أكثر مما أخبر به ،ويثبت في أنواع أربعة :

النوع الأول : في التولية ، وهي : البيع برأس المال 0

النوع الثاني : في الشركة ، وهي بيع بعضه بقسطه من الثمن 0

النوع الثالث : في المرابحة ، وهي بيعه بثمنه ، وربح معلوم 0

النوع الرابع : في المواضعة ، وهي : بيعه براس المال ، وخسران معلوم(3) 0

________________________

 (1) التصرية : ترك حلب البهيمة حتى يجتمع لبنها في ضرعها ، ينظر : المصباح المنير 1/339 ، ومعجم لغة الفقهاء 1/433 0

(2) أخرجه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – البخاري 3/70/2148 ، ومسلم 3/1155/1515 0

(3)  ينظر ما تقدم في خيار التخبير بالثمن : الروض المربع 1/331 ، ومعجم لغة الفقهاء 1/113 0

 

   * خيار يثبت لاختلاف المتبايعين : يثبت في الاختلاف في عين المبيع ، أو قدر الثمن أو صفة المبيع ، أو تأجيل الثمن ، أو في تضمين شرط صحيح ، أو فاسد(1) 0

   * خيار الرؤية إذا رأى المشتري المبيع رؤيةً متقدمةً : فإن ظهر عند القبض على خلاف ذلك فله خيار الخلف في الصِّفة إن ظهر المبيع مخالفاً للصِّفة التي وقع عليها    العقد(2) 0

________________________

(2) شرح منتهى الإرادات 2/54 ، أخصر المختصرات 1/168 0

(3) تحفة الفقهاء 2/81 ، وشرح منتهى الإرادات 2/56 0

                 المبحث الثاني : خيار العيب

المبحث الثاني : خيار العيب ، وفيه ثلاثة عشر مطلباً :

المطلب الأول : مفهوم خيار العيب ، وفيه فرعان :

   الفرع الأول : العيب في اللغة :

   العيب في اللغة مصدر عاب يعيب ، ورجل عيَّاب إذا كان يعيب الناس ، وامرأة عيَّابة     أي : وقّاعة في الناس ، والمقصود : حصول الخلل ، أو الفساد في شيء(1) 0

   وفُسِّر بأنه : ما تخلو عنه أصل الفطرة السليمة(2) 0

   الفرع الثاني : مفهوم خيار العيب المتعلق بالمبيع :

   بعد أن عرفنا مفهوم الخيار في المبحث الأول ، ومفهوم العيب في اللغة يمكننا تعريف خيار العيب في المبيع :

   خيار العيب في الاصطلاح يعني : ما عدَّه التجار منقصاً لقيمة المبيع في عرفهم(3) ،   أو بشكل أوسع هو : حق المشتري بردِّ المبيع عند وجود صفة تنقص عينه ، أو قيمته بما يفوت الغرض منه(4) 0

____________________________

(1) العين 2/263 ، وتهذيب اللغة 3/150 ( بتصرف ) 0

(2) تبيين الحقائق 4/31 0

(3) البحر الرائق 6/98  ، والروض المربع 1/328 0

(4) الموسوعة الفقهية الكويتية 39/267 0

   ويلاحظ من التعاريف السَّابقة أن الذين عرفوا خيار العيب معظمهم عرفه بما يثبت به الخيار فجاء تعريفه ضابطاً للعيب الذي يعطي المشتري حق الخيار 0

   وعليه فإن التعريف الذي يعبر عن مفهوم خيار العيب فيما يتعلق بالمبيع تحديداً بمعنى شامل هو : حق من انتقل إليه المبيع المعيب بين إمضاء العقد ، أو فسخه 0

   * وإضافة الخيار إلى العيب من إضافة المسبِّب إلى السبب ، أي : الخيار الذي ثبت بسبب العيب(1) 0

   * ولخيار العيب تسميات أخرى في كتب الفقهاء ، حيث جاء في تسميته ما يعرف بالخيار الحكمي ،  وهو : ما موجبه ظهور عيب في المبيع أو استحقاق(2) ، ويسمى :  خيار النقيصة  كذلك(3) 0

____________________________

(1) درر الحكام شرح غرر الأحكام 2/160 0

 (2) منح الجليل 5/112 0

(3) المصدر السابق ، وتحفة المحتاج 4/351 0

 

المطلب الثاني : أقسام العيب في ما يتعلق بالبيع :

   أولاً : أقسام العيب من حيث النوع : ينقسم العيب من حيث النوع إلى قسمين :

   الأول : عيب في المثمن ، والثاني : عيب في الثمن (1) 0

   ثانياً : أقسام العيب من حيث الأثر: يمكن تقسيم العيب من حيث الأثر إلى ثلاثة أقسام :

   القسم الأول : عيب هامشي ، وهو ما لا يصحبه نقصٌ في القيمة ، أو الثمن(2) 0

   القسم الثاني: العيب اليسير ،وهو ما كان النقص فيه ممكن التقويم من جهة أهل التقويم 0

   القسم الثالث : العيب الفاحش : وهو عكس الثاني ، بحيث يعد النقص فيه خارجاً عن إمكان التقويم(3) 0

______________________

 (1) الحاوي الكبير 7/281 0

(2) تحفة الفقهاء 2/93 0

(3)  التعريفات للجرجاني 1/160 0

المطلب الثالث : مشروعية خيار العيب ، وفيه توطئة ، وأربعة فروع :

   توطئة : خيار العيب مشروع باتفاق الفقهاء(1) ، وقبل الخوض في أدلة مشروعيته سأتناول حكم بيع السِّلعة المعيبة ؛ لأنه هو السبب المنشئ لمشروعية خيار العيب 0

  الفرع الأول : حكم بيع السِّلعة المعيبة :                                                                                                      

   ممَّا لا شك فيه أن البيع مبنيٌّ على الأمانة ، والثقة بين المتعاقدين ، والأدلة من القرآن والسنة بيَّنت القواعد ، والأسس التي ينبغي أن يلتزم بها المتعاقدان عند إنشاء العقد ، ومن تلك الأسس تحريم بيع السِّلعة المعيبة ؛ لأن ذلك من أكل المال بالباطل الذي نهى عنه الله – تعالى – في قوله : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ))(2) 0

   كما أن النهي جاء في السنة الشريفة لتعزز النهي عن الاتجار بالسِّلع المعيبة ، كما في قوله – صلى الله عليه وسلم – : ” المسلم أخو المسلم ، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً وفيه عيب إلا بينه له “(3) ، وقال – صلى الله عليه وسلم – : ” من غشَّنا فليس منا “(4) 0

_____________________________

(1) تحفة الفقهاء 2/93 ، والكافي في فقه أهل المدينة 2/709 ،  ومنهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه 1/100 ، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 4/405 0

(2) النساء ، الآية : 29 0

(3) أخرجه عن عقبة بن عامر – رضي الله عنه – البخاري موقوفاً 3/58 ، وأحمد 28/653/17451 ،  ابن ماجة 2/755/2246 ، واللفظ له ،  والحاكم 2/12/2157 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ” وقال ابن جرير الطبري : ” في إسناده نظر ” ، وفي سند أحمد ( ابن لهيعة ) ، وفي سند الحاكم ( محمد بن سنان ) ، نسبه أبو داود للكذب ، وقال الدارقطني : ” لابأس به ” ، ينظر : البدر المنير 6/546 ( بتصرف ) 0

(4) أخرجه مسلم عن أبي هريرة – رضي الله عنه – 1/99/101 ، وأوله : ” من حمل علينا السلاح فليس منا 00 ” 0

   فالأدلة متظاهرة في تحريم بيع السِّلعة المعيبة ، أما إذا علمه المشتري ، وأنجز العقد  ،       أو رضي به ابتداءً ، وكان جائز التصرف فالتفريط قد حصل من جهته 0

   الفرع الثاني : أدلة مشروعية خيار العيب :

   في النصوص السَّابقة المذكورة في خيار الغبن ، والتدليس ما ينبني عليها المبدأ الذي ينشئ حق خيار العيب للمشتري(1) ، وقد اتفق الفقهاء على إثبات هذا النوع من الخيار ؛ لأن سلامة العوضين مطلوب عرفاً ، فيكون بمنزلة ( المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً )(2) 0

   ومن أدلة ثبوت خيار العيب أيضا- صلى الله عليه وسلم – : ” الخراج بالضَّمان “(3) ، وهذا الحكم جاء في حادثة الرجل الذي ابتاع غلاماً ، فاستغله ، ثم وجد به عيباً ، فرده ، فقال البائع :لقد استغل عبدي ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم- :” الخراج بالضمان ” 0

   وفيه دلالة على ثبوت خيار العيب بإقرار النبي – صلى الله عليه وسلم – فعل المشتري 0

   ومن أدلة ثبوت خيار العيب القياس على المصراة في الحديث المتقدم في خيار الغبن(4) ،

___________________________

(1) تقدمت في ص 19 – 20 0

(2) تحفة الفقهاء 2/93 ، والكافي في فقه أهل المدينة 2/709 ،  ومنهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه 1/100 ، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 4/405 0

(3) أخرجه عن عائشة – رضي الله عنها – أبوداود 3/284/3508 ، والترمذي 3/573/1285، وقال :   ” حديث حسن صحيح ، والعمل عليه عند أهل العلم”  ، والنسائي 7/2254/4490 ، وابن ماجة 2/754/2243 ، وأحمد 43/137/25999 ، والحاكم 2/18/2176 0

(4) تقدم في ص 20 0

بجامع أن حدوث ما يمنع الاستفادة من المبيع من العيب المخل به ،  فثبوت الخيار في التصرية ينبه على ثبوته بحدوث العيب(1) 0

   الفرع الثالث : الحكمة من إثبات خيار العيب في المبيع :

   من المعلوم أن إقدام المشتري على الشراء إنما هو للاستفادة بمنفعة السلع بشتى أنواع التصرف المباحة ، والمنطق العقلي يستلزم تسلمه للسلعة سالمة من كل العيوب المؤثرة التي تعيق تمتع المشتري بما ابتاعه ؛ لأن الأصل في العقد سلامة العوضين ، والعيوب مخالفة للظاهر ، ومتى فات الغرض من المبيع فإن من حق مشتريه رده على بائعه ، وأخذ الثمن(2) 0

   الفرع الرابع : الإخبار بعيب السلعة : 

   من ضوابط إنشاء العقود ، وأدبياتها إجراؤها على نحو من الشفافية ، والمصداقية بين المتعاقدين ؛ لتحصل البركة ، ويعود النفع على الجميع ، وقد نصت الأدلة على ذلك ، قال – تعالى – : ((((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ))(3)  ، وفي قوله – صل الله عليه وسلم -: ” البيعان بالخيار        ما لم يتفرقا ،فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ،وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما”(4) 0

_________________________

(1) المغني 4/109 0

(2) المغني 4/109 0

(3) النساء ، الآية : 29 0

(4) أخرجه عن حكيم بن حزام – رضي الله عنه – البخاري 3/58/2079 ، واللفظ له ، ومسلم 3/1164/1532 0

فقد دلت الآية ، والحديث على وجوب التعامل المبني على الصدق ، وإظهار حقيقة العوضين حتى يتم الرضا الحقيقي المترتب عليهما 0

   وعليه فإن على البائع إبلاغ المشتري بعيب المبيع إن كان يعلمه خاصةً إذا كان العيب مؤثراً يثبت به الخيار ؛ إذ أن  كتمانه يعرض صاحبه للإثم حتى لو رضي به المشتري فيما بعد ؛ لأن الأمانة توجب الإبلاغ بالعيب ابتداءً بغضِّ النظر عن رضا المشتري ، أو عدمه ، حتى لو كان الإخبار من طرف آخر ، فلا شك أن من أبرز الالتزامات التي نبه عليها ديننا الحنيف النصيحة لكل مسلم ، وقد جاء ذلك جلياً في قوله – صلى الله عليه وسلم – :     ” الدين النصيحة ” ، قلنا لمن يارسول الله ؟ قال : ” لله ، ورسوله ، وأئمة المسلمين ، وعامتهم “(1) ؛ وهذا يعطينا عمقاً في مدى سعة الشريعة في تحقيق المقاصد الشرعية العائدة بالنفع على المجتمع 0

   ونطبق الأمر كذلك فيما لو علم طرف آخر غير المتعاقدين وجود عيب في السِّلعة المبيعة ، وغلب على ظنه جهل المشتري بها ، وعدم إبلاغ البائع له بالعيب فإن من الواجب عليه أن يقوم بدوره في إعلام المشتري ، وإن غلب على ظنه أن البائع أبلغ المشتري ، فلا مانع أن يتأكد من علم المشتري منفرداً به تجنباً لحصول الظغينة ، ويكون الإعلام قبل الشراء إن تيسر له ، أو بعده(2) 0

________________________

(1) أخرجه عن تميم الدَّاري – رضي الله عنه – مسلم 1/74/55 0

(2) ينظر فيما تقدم تحفة المحتاج 4/315 ( بتصرف ) 0

المطلب الرابع : العقود التي يثبت فيها خيار العيب :

   عند الحديث عن العقود التي يدخلها خيار العيب نجد الحنفية قد تناولوا هذا الموضوع بشكل مفصَّل على النحو التالي :

   أولاً : عقد البيع الصحيح يثبت فيه خيار العيب سواء في الثمن ، أو المثمَّن ؛ وحديثنا في المثمَّن ؛ لأن السَّلامة في المبيع أمرٌ مطلوب ، ويحترز بعقد البيع الصحيح عن الفاسد ؛ لأنه ينفسخ دون الحاجة للخيار 0

   ثانياً : عقد الإجارة ، فلو حدث العيب في العين المؤجرة ثبت خيار العيب ، سواء كان العيب قديماً ، أو حديثاً ، ويتميَّز حق الخيار في الإجارة أنه ينسحب الرد فيها على ما قبل القبض وبعده 0

   ثالثاً : القسمة ، بمعنى أنه لو وجد الشريك في نصيبه بعد القسمة عيباً قديماً ثبت له خيار العيب(1) 0

   هذا ما يتعلق بالمعاملات المالية ، وهناك مواضع أخرى يدخلها خيار العيب ليس هنا مجال بحثها نذكرها إجمالاً ، وهي :

1 – العيوب المتعلقة بالمهر 0

________________________

(1) ينظر ما تقدم من العقود التي يثبت فيها خيار العيب في رد المحتار 4/593 ، والموسوعة الكويتية 20/126 ، وما بعدها 0

2 – العيوب المتعلقة ببدل الخلع 0

3 – العيوب المتعلقة ببدل الصلح عن دم العمد(1) 0

ويمكن أن نسلك في العقود التي يدخلها خيار العيب التقسيم الآتي :

   القسم الأول : العقود التي يثبت فيها خيار العيب بلا خلاف ، وهي المتمثلة في عقود المعاوضات 0

   القسم الثاني : العقود التي لا يثبت فيها خيار العيب ، وهي العقود التي تتناول عقود التبرعات ، كالهبة ، والوصية 0

   القسم الثالث : العقود التي تجمع بين المعاوضات ، والتبرعات كهبة الثواب ، ففي ثبوت خيار العيب فيها خلاف في تغليب أي الجانبين(2) 0

    والذي أميل إليه في القسم الثالث ثبوت الخيار فيها ؛ لأن المعاوضة فيها أمرٌ مقصود 0

________________________  

(1) ينظر ما تقدم من العقود التي يثبت فيها خيار العيب في رد المحتار 4/593 ، والموسوعة الكويتية 20/126 ، وما بعدها 0

(2) هذه التقسيمات ذكرها ابن رشد في بداية المجتهد 3/191 0

                               

 

المطلب الخامس : وقت خيار العيب :

   المدة التي يحق للمشتري فيها استخدام حق الخيار حصل فيه الخلاف بين الفقهاء على عدَّة أقوال :

القول الأول : – وهو مذهب الحنفية ، والحنابلة في المعتمد عند كليهما – أن خيار العيب يثبت على التراخي ، ما لم يوجد دليل الرضا  كاستخدام المبيع زمناً مع علمه بالعيب(1) 0

   القول الثاني : – وهو مذهب الشافعية ، وقول عند الحنفية ، ورواية عند الحنابلة – أن خيار العيب إنما يثبت على الفور بحسب العادة ، وخصَّ الشافعية الفورية في المبيع المعين ، دون ما في الذمَّة  كبيع السلم ؛ لأنه لا يملكه إلا وقدر رضي بعيبه(2) 0

   القول الثالث : – وهو قول المالكية – ويفيد اقتصار حق استخدام خيار العيب على يوم أو يومين(3) 0

   دليل القول الأول : أن خيار العيب على التراخي ؛ لأنه ثبت لدفع ضرر متحقق ، فكان على التراخي كالقصاص ، والإمساك ليس دليلاً على الرضا(4) 0

______________________  

(1) رد المحتار 5/32 ، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 4/426 0

 (2)  رد المحتار 5/32 ، تحفة المحتاج 4/368 ، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 4/426 0

 (3) حاشية الدسوقي 3/121 0

 

   أدلة القول الثاني : استُدلَّ للقول الأول بدليلين :

   الأول :أن الأصل في البيع اللزوم ، وثبوت خيار العيب بالإجماع يكون بقدر المحقق منه ، وذلك يكون بلزوم الفور في الخيار ؛ تقليلاً لمخالفة أصل اللزوم في عقد البيع ، والتأخير في الخيار نوع تقصير لايصح ؛ لأن عدم الرضا يجب تكييفه على المبادرة في الخيار حيث كان التأخير دليل الرضا 0

   الثاني : القياس على حق الشُّفعة(2) ، حيث أن الشفيع عند علمه بحقه في الشُّفعة تلزمه المبادرة ، وإلا سقط حقه في الشُّفعة بجامع أن كليهما خيارٌ ثبت بالشرع لدفع الضرر ، وليس للتروِّي (3) 0

   دليل القول الثالث : – وهو توقيته بيوم أو يومين – ودليلهم نفس دليل القول الثاني إلا أنهم قيدوه باليوم أو اليومين ؛ لأن إمساكه بعد ذلك دليل الرضا 0

 والفرق بين اليوم ، واليومين أنه إن حصل الخيار في يوم فأقل لم يحتج لردِّه إلى اليمين بعدم حصول رضاه ، بخلاف اليومين فترد عليه اليمين(4) 0

   الترجيح :الذي يظهر لي أن استدلال المالكية أقرب الأقوال صحة ؛ إذ أنه يوافق العرف ،

________________________  

(1) المجموع 12/138 ، وما بعدها ، والروض المربع 1/330 0

(2) الشُّفعة في اللغة : من الشفع بمعنى الضم ، وشرعاً : استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بثمنه الذي استقر عليه العقد ، ينظر : المصباح المنير 1/317 ، وكشاف القناع 4/134 0

(3) المجموع ، والمبدع 5/64  

(4) حاشية الدسوقي 3/121 0

والعقل ، فليس من المعقول إجراء الخيار على الفور ، وتقييده بالعادة قد لا ينضبط ، وليس من المعقول أيضا أن يترك الخيار مفتوحاً دون تحديد ؛ لأن السِّلع خاصَّةً معرَّضة للتداول ، والاستثمار ، والانتقال بين الأيدي ، والتلف ، وجعل الخيار على التراخي يتنافى مع المقصود من عملية التبايع ، ويزيد من احتمالات النزاع ، وحصول الضرر على البائع ، وتحديده بيوم أو يومين بعد العلم بالعيب يعتبر ضابطاً يعرف به أن ما بعد ذلك دليل الرضا 0

  

المطلب السادس : العيب المثبت للخيار ، وفيه فرعان :

   الفرع الأول : معيار العيب المثبت للخيار 0

   المبدأ ، والمعيار الذي يقوم عليه حق خيار العيب هو العيب الذي يوجب نقصاً في قيمة المبيع بحسب عادة التجار ، وكون العادة في هذا المبيع السلامة منه ، أما العيب الذي لا يؤثر في المبيع بالنقص فلا يعدُّ عيباً يلزم منه الخيار 0

   يمكن القول : إن العيوب المتعلقة بالمبيع تظهر في نوعين :

  النوع الأول : وهو النقص الذي يعتري ظاهر المبيع بفوات جزئه ، أو تغييره ، دون أن يتناول العيب باطن المبيع ، ومثل له الفقهاء بعدة أمثلة منها : العمى ، والشلل  ، والبكم ،والصَّمم والخرس ، ومجموع الأمراض  والجروح ذات الأثر السلبي ، ونحو ذلك 00

   النوع الثاني : ما كان النقص مؤثراً في طبيعة المبيع دون أن يكون للعيب أثرٌ في شكل المبيع ، ومثلوا لذلك بكفر الأمة ، وزناها ، ووجود الشيب فيها ، وكونها حبلى ، وإباق(1) الرقيق ، وسرقته ،  وبوله في الفراش ، وجنونه 0(2) 0

   وفي الدواب ما يتدانى فخذاها ، ويتباعد حافراها ، ويلتوي ، أو ما يقع ذنبه ، وكذا ارتفاع العظم ، أو ما أصابه انقطاع عصب ، ونحو ذلك 00

_________________________

(1)  الإباق : يطلق على المملوك إذا هرب من سيده ، ينظر : المصباح المنير 1/2 0

(2)  تحفة الفقهاء 2/93 – 94 -95  ، وتبيين الحقائق 4/31 – 32 ، وشرح مختصر خليل 5/126 ، ونهاية المحتاج 1/100 ، والروض المربع 1/328 0

وفي المستلزمات الاعتيادية  كالأواني المهشمة ، أو الملبوسات المخرقة ، أو البيض الفاسد ، وفي الأعمال كالأبنية ، والحوائط المتصدعة 00 (1) 0

   ويلاحظ أن المعيار الذي حدَّده الفقهاء مثلوا له في معظم الصُّور بما يقع من عيب في الرقيق ، وهو أمر قد يقول عنه البعض : إنه غير ملائم لعصرنا الحاضر ، لكننا نقول : إن اختلاف التطبيقات من زمن لآخر لا يؤثر فيما تناوله الفقهاء من أمثلة ؛ لأن العبرة بالمبدأ الذي ضبطوا به المعايير المحددة للعيوب التي تعطي حق الخيار ، أمَّا الصور فتتعدد في ثبوت الخيار باختلاف أحوال الناس ، وتغير زمانهم ، وبالتالي فإن أيَّ عيب يلحق بأي سلعة ينطبق عليها المعيار الذي سبق بيانه يثبت به خيار العيب 0

   الفرع الثاني : الوسائل المعتبرة في إثبات العيب 0

   هناك عدَّة وسائل في إثبات العيوب يمكن حصرها فيما يلي :

   أولاً : العيوب المعلوم وجودها في ملك البائع عياناً ، ومن أمثلته : الأصبع الزائدة في يد الرقيق ، أو التصدُّع في الجدران بعد عقد البيع بفترة بسيطة ؛ فإن المشتري حالة النزاع         لا يكلف بإقامة الإثبات على وجود هذا العيب في ملك المشتري ؛ لأنه من الأمور التي      لا يمكن حصول مثلها في ملك المشتري بيقين (2) 0

   ثانياً : العيوب التي لا يمكن إثبات وجودها في ملك البائع إلا بالبينة ، فتحتاج من المشتري أن يثبتها بالبينة ، أو أن تستند لسبب كالأمور التي يحيط بها علماً أهل الخبرة ،

________________________ 

(1)  بدائع الصنائع 5/275 ، والمبدع 4/94 0

(2) بدائع الصنائع 5/275 ، و بداية المجتهد 3/194 ، ومنهاج الطالبين 1/100 ، والمبدع 4/98 0

 

كشراء دواء فاسد ، أو أرض لغرض الزراعة ، وهي غير صالحة للزراعة ، فهذه الأمور ، ونحوها لا يكفي فيها مجرَّد الادِّعاء ، ولكن حتى يثبت الخيار لا بد من إقامة البينة على حصول العيب عند البائع ، وهو ما يتطلب استشارة أهل الخبرة حسب اختصاصهم (1) 0

   ثالثاً : هناك من العيوب ما لا يطلع عيه إلا النساء ، ويكتفى بقول واحدة من الثقات ، وإن كانتا اثنتين فهو أولى  ؛ لأن قولها حجة فيما لا يطلع عليه الرجال(2)  0

   رابعاً : العيوب التي لاتثبت إلا بالتجربة ، فلا بد في إثباتها من شهادة رجلين ، أو رجل وامرأتين (3)  0

________________________

(1) بدائع الصنائع 5/275 ،و بداية المجتهد 3/194 ، ومنهاج الطالبين 1/100 ، والمبدع 4/98 0

(2)  المجموع 20 / 287 ، والموسوعة الكويتية 20/122 0

(3)  المصدران السابقان 0

 

 

المطلب السابع : حق رد المبيع :

   مشروعية الرد : يحق للمشتري إن وجد عيباً في سلعته ، وثبت حصول هذا العيب عند البائع أن يرد السلعة إليه(1) ؛ لأن مقتضى العقد يقتضي سلامة العوضين ، وقد جاء في الحديث :   ” أن النبي – صلى الله عليه وسلم – اشترى مملوكاً ، فكتب : ” هذا ما اشترى محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم –  من العدَّاء بن خالد(2) ، اشترى منه عبداً ،      أو ( أمة )(3)  لا داء ، ولا خِبثَة ، ولا غائلة(4) ، بيع المسلمِ المسلمَ “(5) 0

___________________________  

 (1) تحفة الفقهاء 2/99 ، والوسيط 3/121 ، والكافي في فقه أهل المدينة 2/709 ، وما بعدها 00 ، والمبدع 4/98 ( بتصرف ) 0

(2)  العداء بن خالد – رضي الله عنهما – بن هوذة بن ربيعة ، أسلم بعد الفتح وحنين ، ينظر : الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3/1237 0

(3) شك من أحد رواة السند ، وهو عبَّاد بن ليث ، ينظر : السنن الكبرى 5/535/10782 0

(4) الداء : العاهة في الخلق ، والخبثة : سوء الخلق ، والغائلة قيل : سكوت البائع على عيب المبيع وهو يعلمه ، مأخوذ اغتال الرجل إذا خدعه والتدليس ، وقيل : الإباق ، أو السرقة ، ينظر : غريب الحديث للخطابي 1/258 ، و فتح الباري 4/310 0

(5)  أخرجه البخاري ، وصدر به باب إذا بين البيعان ، ولم يكتما ونصحا 3/58 ، ورواه الترمذي 3/512/1216 ، وابن ماجة 2/756/2251  ، والدارقطني 4/51/3080 ،  والبيهقي 5/535/10782 ، واللفظ له ، وتخريج الجميع عدا البخاري ، والبيهقي أن البائع هو النبي – صلى الله عليه وسلم – وعلق ابن حجر عليه بأنه يحتمل أن رواية البخاري وقع فيها القلب ، وقيل : إن رواية البخاري جاءت بالمعنى ؛ لأن اشترى وباع بمعنى واحد ، ولزم من ذلك تقديم اسم النبي – صلى الله عليه وسلم – على اسم العداء ، ينظر : فتح الباري لابن حجر 4/310 0

 

 المطلب الثامن : شروط ثبوت خيار العيب :

   حتى يثبت خيار العيب لابد من توافر أربعة شروط :

   الأول : أن يكون العيب معتبراً  0

   الثاني : حدوث العيب في ملك البائع 0

   الثالث : عدم علم المشتري بالعيب عند العقد 0

   الرابع : ألا يشترط البائع البراءة من العيوب 0

   بيان الشرط الأول : أن يكون العيب معتبراً  ، أي مؤثراً في قيمة المبيع بالنقص ،        أو يفوت به غرضٌ صحيح للمشتري ، مع اعتبار أن الأصل في المبيع السلامة من العيب ، أما لو كان العيب في المبيع من لوازمه مع معرفة المشتري فلا يثبت فيه الخيار  ، والعيب المعتبر هنا هو الظاهر بعد أن كان خفياً ، ومردُّ اعتبار النقص هنا هو عرف التجار ، أو أهل الخبرة فيما يعتبر عيباً(1) 0

   مسألة : هل يشترط إجماع أهل الخبرة على اعتبار العيب ، أم لا ؟ 0

   اختلف الفقهاء حول هذه المسألة على قولين :

   القول الأول:- وهو مذهب الحنفية – أنه لابد من توافر الإجماع على عدِّ الشيء معيباً ،

_________________________

(1) تحفة الفقهاء 2/93 ، والمبدع 4/84 ، والموسوعة الكويتية 20/117 0

 

ولعل ذلك مردُّه أن العيب المتعارف عليه لا يخفى على أهل الخبرة فإن اختلفوا فيه كان ثبوت العيب محتملاً ، فلا يثبت به خيار(1) 0

   القول الثاني :- وهو مذهب الشافعية – أنه يكتفى بقول واحد ، وقيل : شهادة اثنين ، ولو اختلف المتعاقدان في حصول العيب ، ولم يكن ثمَّة من يرجع إليه في تقدير ذلك فالقول قول البائع مع يمينه ، ولعل مردَّ قولهم أن العيب الظاهر يكتفى فيه بقول خبير واحد ،      أو شهادة اثنين ، ولا حاجة للإجماع فيه ؛ لأنه متعذر ، وعند الاختلاف مع عدم وجود خبير يرد القول إلى البائع مع يمينه ؛ لأن الأصل السلامة في المبيع(2) 0

   الترجيح : الذي يظهر لي أن القول الثاني للشافعية ، وهو شهادة اثنين أقرب للصواب ؛ لأن الإجماع – كما قال الحنفية – متعذر ، والاكتفاء بقول واحد لا يقود إلى غلبة الظن في اعتبار العيب ، أما شهادة اثنين فقد اعتبرت في أمور شتى ، فتكون محل الاعتبار في مجال تقدير العيوب 0

   وقول الشافعية أن قول البائع مع يمينه هو المعتبر عند الاختلاف إن لم يكن هناك من يلجأ إليه من أهل الخبرة قولٌ لا غبار عليه في نظري ؛ لأن الأصل سلامة المبيع  0

   بيان الشرط الثاني : حدوث العيب في ملك البائع :

   لتحقق هذا الشرط لابد من دراسة أحوال تسلم المبيع المعيب ، وبيان ذلك كالآتي :

___________________

(1)  رد المحتار 5/5 ، والموسوعة الكويتية 20/118 0

(2) الاكتفاء بقول واحد هو اختيار البغوي صاحب التهذيب ، والقول بشهادة اثنين هو اختيار المتولي صاحب التتمة ، ينظر : المجموع 12/313  ، والموسوعة الكويتية 20/118-119 0

أولاً : العيب المقارن للعقد :

    من حق المشتري رد المبيع المتعيب بإجماع الفقهاء ، وكذا العيب السابق على القبض حيث أنه يدخل في ضمان البائع (1) 0

ثانياً: حدوث العيب بعد التسليم :

إذا ظهر في المبيع عيب حادث ، أو كان خفياً ، فهل له الرد به ، أم لا ؟ على قولين :

   القول الأول : – وهو قول الجمهور من الحنفية ، والشافعية ، والحنابلة – أنه لا يثبت له خيار ؛ لأن المبيع صار من ضمانه ، ولا دليل على حصول العيب في ملك المشتري(2) 0

   واستثنى الحنفية عقد الإجارة ، فإن خيار العيب يثبت بالعيب الحادث ؛ لأنها عقد على المنافع وهي تحدث شيئاً فشيئاً ، والعيب يمنع الانتفاع ، فيدخل في ذلك العيب الحادث(3) 0

   القول الثاني : – عند المالكية – عندهم ما يسمى بعهدة الرقيق(4) ، وتكون ثلاثة أيام ،

__________________________  

(1) تحفة الفقهاء 2/100 ، ومنهاج الطالبين 1/100 ، وكفاية الأخيار في حل غاية الاختصار 1/244 ، والمبدع 4/86 0

(2) العناية شرح الهداية 7/227 ،  والمجموع شرح المهذب 12/131 ، والمغني 4/114 0

(3) العناية شرح الهداية 9/144 ، وتحفة الفقهاء 2/351 0

 (4) عهدة الرقيق معناها : شراء المملوك دون أن يشترط البائع البراءة من العيب ، فما أصاب المشتري العيب في الأيام الثلاثة فهو من مال البائع ، وللمشتري الرد بلا بينة ، فإن وجد العيب بعد الثلاث لم يرد إلا ببينة ، ذكره الخطابي  ، نقلاً من : جامع الأصول 1/598 0

فما أصاب المبيع من عيب خلالها فهو من ضمان البائع إلا في الجنون ، والجذام ، والبرص ، فإن ظهر خلال سنة ثبت الخيار ، واستدلوا بحديث : ” أن النبي – صلى الله عليه وسلم – جعل عهدة الرقيق ثلاثة أيام “(1) 0

   كما أنهم استدلوا بأن ذلك هو عمل أهل المدينة(2) 0

   الترجيح : يظهر لي أن القول الراجح هو قول الجمهور ؛ لأنه لا دليل على حصول العيب في ملك البائع ، وإنما هو عيب حادث في ملك المشتري ، فكان من ضمانه ، وأما استدلال المالكية بالحديث فالحديث لا يصح كما بينت في حاشيته ، فلم يصح به الاستدلال ، وأما عمل أهل المدينة فليس بحجة عند غيرهم ، والعبرة في الرد بالعيب بالنقص الظاهر 0

   ثالثاً : ظهور العيب بعد قبض المشتري :

   إن ثبت حصول العيب في ملك البائع ( العيب القديم ) ففي المسألة خلاف بين الفقهاء على أقوال :

   القول الأول : – وهو مذهب الحنفية ، وقول عند الشافعية – المنع من الرد  ؛ لأن المبيع خرج من ملك البائع معيباً بعيب واحد ، وفي رد المشتري يكون فيه عيبان ، وشرط الرد

_________________________

(1) أخرجه أحمد عن عقبة بن عامر 28/609/17385 ، وابن ماجة عن سمرة بن جندب 2/754/2244  ، والبيهقي عن عقبة بن عامر 5/528/10752 ، والحاكم 2/26/2199 بلفظ : ” عهدة الرقيق أربع ليال ” ، والحديث ضعيف بإرساله ، فالحسن أحد رواته لم يسمع من عقبة عامر ، وفي سماعه من سمرة مقال ، وقال الإمام أحمد ليس فيه حديث صحيح ، وضعفه الألباني ، ينظر : المغني 4/114 ، وضعيف الجامع الصغير وزيادته 1/559/3832 0

(2) شرح مختصر خليل 5/153 ، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد 3/194 0

 

أن يكون على الوجه الذي أخذ أول مرة ، ولم يوجد ، واشترط الشافعية استناد العيب إلى سبب متقدم ، وهذا القيد حتى نصل إلى اليقين في حصول العيب بيد البائع قبل انتقاله للمشتري(1) 0

   القول الثاني : – وهو قول المالكية – حيث فصَّلوا في حق الرد : فإن كان العيب يسيراً      لاينقص من الثمن  إلا بقدر العيب كوجع غير مخوف في البهيمة فله الرد على البائع بالعيب الذي كان به بما ينقص من الثمن ، ولا شيء عليه ، وإن كان العيب ينقص من الثمن ، ولا يفسد المبيع ردَّه ، وردَّ ما نقصه العيب الحادث عنده ، وإن كان عيباً مفسداً رجع بأرش العيب الذي وجد به ، وقيل : إن له الخيار في العيب المفسد إن حدث عنده بين أن يرد المبيع ، وما نقصه العيب الحادث عنده ، وبين أن يمسكه ويرجع بأرش العيب الذي وجده به(2) 0

   الترجيح : ويظهر لي أن القول الثاني مع تفصيل المالكية هو الأرجح ؛ لأن حق المشتري في استلام المبيع سليماً من العيوب ، وليس لزاماً عليه رده بالحالة الأولى كما اعتذر بذلك الحنفية ؛ لأن الخراج بالضمان ، وحصول عيب ثانٍ فيه له أحكامٌ يأتي بحثها ، لكن في الجملة لا يمنع ذلك المشتري من حق الرد ، وتفصيل المالكية أقرب للظاهر ، والعرف 0

   ثالثاً : من ضوابط العيوب المؤثرة أيضا بقاء العيب في المبيع بعد التسليم حتى ردِّه إلى البائع ، وذلك بأن يستمر وجوده في محل العقد بعد القبض ، وإن خفي العيب عند التسليم وظهر ثانية فلا بد من استمراره إلى حين الرد ، وفي هذا احتراز من أنه لا يكتفى بثبوت

_________________________  

(1) تحفة الفقهاء 2/100 ، ومنهاج الطالبين 1/100 0    

(2) الكافي في فقه أهل المدينة 2/715 0

 

قدمه عند البائع ، أو ظهوره قبل العقد ، أو بعد العقد ، وخفائه بعد التسليم ؛ لأن الخيار شرع مع وجود العيب ؛ لأنه سببه ، فإن ثبت زواله فلا مُبرِّر لثبوت الخيار(1) 0     

   رابعاً : من ضوابط الرد أيضا أن لا يمكن إزالة العيب بدون مشقة ، فإن أمكن إزالته بدون مشقة لم يثبت خيار العيب كالملصقات في الأقمشة التي يمكن إزالتها دون إفسادها ، لكن لو غرَّ البائع المشتري بالتهوين من شأن العيب ، ثم ظهر عكس ذلك فحق الخيار ثابت للمشتري ما لم يحدث عيب آخر في ملكه فله ردُّ المبيع بقيمة العيب الحادث عنده ،        أو إمساكه مع أخذ الأرش(2) 0  

   بيان الشرط الثالث : أن يكون المشتري غير عالم بالعيب 0

   إذا كان المشتري غير عالم بالعيب قبل العقد أو أثناء العقد أو بعده عند القبض فله الخيار بين إمضاء البيع ، أو فسخه ، إلا أن يكون عالماً به ، أو علم به عند القبض ، ثم أمضى البيع على ذلك فلا خيار له ؛ لأن ذلك دليل رضاه بالعيب ، ويسقط حقه في رد المبيع ،   أو أخذ الأرش 0

   ويبقى أن نعرف أن العيوب الظاهرة التي لا يخفى مثلها على عامة الناس لا تتيح للمبتاع حق الخيار  ، وكذا لو أخبره البائع بالعيب في السِّلعة ، بخلاف العيوب الخفية ، أو التي تحتاج في معاينتها على الخبرة فهذه تثبت له حق الخيار 0

   ولو رأى المشتري العيب لكنه يظن أنه ليس بعيب ، أو علمه عيباً ، لكن حسب أنه        لاينقص من قيمة المبيع فالحكم فيه كالتي قبلها إن كان عيباً ظاهراً يعلمه كل الناس لم يكن

_________________________

(2) بدائع الصنائع  ، وتحفة المحتاج ، والموسوعة الكويتية 20/120 -121 0

(3) رد المحتار 5/16 ، والموسوعة الكويتية 20/121 0        

له الخيار ، وإن كان مما لا يطلع عليه إلا ذوو الخبرة كان له الخيار(1) 0

    بيان الشرط الرابع : البيع بشرط البراءة من العيوب ، وفيها عنصران :

   العنصر الأول : مفهوم اشتراط البراءة من العيوب :

   اشتراط الراءة من العيوب تعني : اشتراط البائع على المشتري عدم ضمان العيوب بحيث   لا يحق للمشتري حق ردِّ السلعة إن ظهر بها عيب ظاهر ، أو خفي(2) 0

   العنصر الثاني : مسالك الفقهاء حول اشتراط البراءة من العيوب :

   إذا باع أحد سلعة بشرط البراءة من العيوب ، كأن يقول البائع للمشتري : بعتك هذه السلعة على أني بريء من كل عيب يختص بها ، فللفقهاء في تحرير المسألة اتجاهان :

   الاتجاه الأول : في حكم هذا الشرط 0

   حكم البيع بشرط البراءة فيه اختلاف بين الفقهاء بيانه كالتالي :

   المذهب الأول : وهو جواز هذا الشرط مطلقاً  – وهو مذهب الحنفية – سواء كان البائع يعلمه مسبقاً ، أم لا ، واستثنوا من ذلك ما لو ظهر المبيع مملوكاً بطريق غير مباح ، كما لو كان مسروقاً ، فمن حق المشتري حينها أن يرد السلعة على البائع ، وهو ما يسمى بعيب الاستحقاق(3) 0

______________________

 (1) ما تقدم بيانه في الشرط الثالث : بدائع الصنائع 5/276 ، ومنهاج الطالبين 1/100 ،والمبدع 4/85 ، والموسوعة الكويتية 20/123-124 0

(2)  بدائع الصنائع 5/173 ، ورد المحتار 5/165 0 

(3) بدائع الصنائع 5/173 ، ورد المحتار 5/165 0

 

   أدلة الحنفية :

   الدليل الأول : استدل الحنفية على ذلك بما روي أن رجلين اختصما للنبي – صلى الله عليه وسلم – في إرث ، ولم تكن لأحدهما بينة على الآخر ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – :” إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إلي ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته(1) من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعةً من النار “(2) ، فبكى الرجلان عند ذلك ، وجعل كل واحد منهما حقه للآخر ، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” أما إذا فعلتما فاقتسما ، وتوخَّيا الحق ، ثم استهما ، ثم تحالَّا “(3) ، وفي الحديث دليل على استحلال المعاملة بين المسلمين إذا تمت بالتراضي ، والإسقاط الذي يقطع المنازعة دون أن يتخللها مفسد(4) 0

   الدليل الثاني : استدلوا بأن اشتراط الإبراء إنما هو إسقاط وليس تمليكاً ، والإسقاط        لا يفضي إلى الجهالة ، والمشتري إذا قبل هذا الشرط كان دليلاً على الرضا ، ورفع النزاع ، وهذا يرفع حق خيار العيب(5) 0

______________________ 

 (1) أي : أبلغ ، وأفطن ، وأعلم ، ينظر : لسان العرب 13/380  ، وغريب الحديث للقاسم بن سلام  2/232 0

(2) إلى هنا : الحديث أخرجه عن أم سلمة – رضي الله عنها – البخاري 9/25/6967 ، ومسلم 3/1337/1713 0

(3) تكملة القصة أخرجها  أحمد 44/307/26717 ، وأبو داود 3/301/3584 ، واللفظ له ، وأخرجها الحاكم ، وقال : ” صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ” 4/107/7034 0

(4) بدائع الصنائع 5/172 0

(5) رد المحتار 5/165 0 

 

   المذهب الثاني : – وهو قول المالكية – فلهم قولان في المذهب :

   الأول : – وهو المعتمد – أن البائع يبرأ من كل العيوب التي لا يعلمها 0

   دليل هذا القول : ما رواه الإمام مالك(1) أن عبدا لله بن عمر – رضي الله عنهما – باع غلاماً لزيد بن ثابت(2) – رضي الله عنه – ، وباعه بالبراءة ، فذكر زيد بالغلام عيباً ، فاختصما لعثمان – رضي الله عنه – فقضى على ابن عمر أن يحلف أنه باع الغلام ، وما به داء يعلمه ، فأبى ابن عمر الحلف ، واسترجع الغلام ، فشفي عنده ، فباعه بعدها بألف ، وخمسمائة درهم”(3) 0

   وقال مالك : ” ومن باع عبداً ، أو وليدةً من أهل الميراث ، أو غيرهم بالبراءة فقد برئ من كل عيب ، ولا عهدة عليه إلا أن يكون علم عيباً ، فكتمه لم تنفعه البراءة “(4) 0

   وجه الدِّلالة أن البيع بشرط البراءة من العيوب التي لا يعلمها البائع جائز ؛ إذ أن عثمان

_____________________

(1) الإمام مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي المدني ، إمام دار الهجرة ، وأحد الأئمة الأربعة ، أخذ عن ربيعة الرأي ، وسمع الزهري ، ونافعاً ، له الموطأ ، توفي سنة تسع وسبعين ومائة بالمدينة ، ينظر : وفيات الأعيان 4/137 0

 (2) الصحابي الجليل زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري النجاري ، استصغره النبي – صلى الله عليه وسلم – يوم بدر ، وكانت أول مشاهده أحد ، وقيل : الخندق ، وكان من أوكل إليه ألمر من أبي بكر – رضي الله عنه – بجمع القرآن ، وهو أحد كبار فقهاء الصحابة ، توفي سنة خمس وأربعين ، وقيل غير ذلك ، ينظر : الاستيعاب في معرفة الأصحاب 2/537 ، وما بعدها ، وأسد الغابة 2/346 ، وما بعدها 00

(3)  أخرجه الإمام مالك عن سالم بن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما –  2/613/4 0

(4) موطأ الإمام مالك 2/612 0

لم يحكم بفساد الشرط ، وإنما أراد التثبت من عدم علم ابن عمر بالعيب ، وهذا دليل على صحة اشتراط البراءة من العيوب المجهولة للبائع ، وعدم الصحة مع الكتمان(1) 0

   القول الثاني عند المالكية : أن غير الرقيق لا يصح معه اشتراط البراءة من العيوب ، أما الرقيق فإن لم يظهر به عيب خلال ستة أشهر ، وهو في ملك البائع صحت معه البراءة ؛ لأنه لو كان ثـمَّة عيب لظهر في هذه المدة ، والعقد صحيح ، واشتراط البراءة لا يصح(2) 0

   المذهب الثالث : – وهو ما انتهى إليه مذهب الشافعية – أن شرط البراءة من العيوب إنما يصح في العيوب الخفية المتعلقة بالحيوان مما لا يعلمه البائع فقط دون سائر العيوب الأخرى الظاهرة ، أو الباطنة(3) 0

   أدلة الشافعية :

   الدليل الأول : استدل الشافعية لقولهم بأن الأصل أن الإبراء من المجهول لا يصح ، والإبراء عندهم تمليك ، وتمليك المجهول لا يصح ؛ لأنه من الغرر المنهي عنه شرعاً ، واستثنوا صورة العيب الخفي في الحيوان الذي لا يعلم به البائع بحديث مالك السابق في قصة الصحابيين الجليلين ابن عمر ، وزيد بن ثابت – رضي الله عنهم – وقضاء عثمان – رضي الله عنه – بينهم الذي يفيد صحة البراءة من العيب – كما قدمنا – وقيس الحيوان على ذلك 0

_______________________

(1) القوانين الفقهية 1/175 0

(2) حاشية الدسوقي 3/60 ، والقوانين الفقهية 1/175 0

(3) المجموع 12/355 ، والحاوي الكبير 5/271 0

    الدليل الثاني : وهو ما ورد عن الشافعي – رحمه الله – (1) حيث فرق بين الحيوان ، وغيره بأن الحيوان متغير في طباعه ، وصحته ، وسقمه ، ومن النادر أن يسلم من العيوب ، فكانت الحاجة داعية إلى صحة البراءة من العيوب الخفية فيه ؛ لصعوبة الوقوف عليها(2) 0

   المذهب الرابع : – وهو مذهب الحنابلة – ولهم ثلاث روايات :

    إحداها : أن الخيار إنما يثبت بعد العقد فلا يسقط قبله ، وفيه إبراء من مجهول فلا يصح كما ذكر الشافعية ذلك(3) 0

   الرواية الثانية : أن البراءة من العيوب جائزة إلا إذا علم البائع العيب فكتمه ، ودليل هذه الرواية قصة ابن عمر مع زيد بن ثابت – رضي الله عنهم – المتقدمة(4) 0

   الرواية الثالثة :  أن البراءة من العيوب لا تصح إلا أن يخبره بالعيوب كلها ، ودليل هذه الرواية أن العيب مُرفق بالعقد كالأجل ، والخيار ، فلا يثبت مع الجهل(5) 0

______________________

(1) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي ، ولد سنة خمسين ومائة ، من أعلام الفقهاء ، درس على الإمام مالك ، ومحمد بن الحسن ، وينسب إليه الفقه الشافعي ، أشهر كتبه ( الأم ) وهو مذهبه الجديد في مصر ، توفي سنة أربع ومائتين ،ينظر : طبقات الفقهاء 1/71 ، ووفيات الأعيان 4/163 0

(2) المجموع 12/355 ، والحاوي الكبير 5/271 0

(3) المجموع 12/355 ، والحاوي الكبير 5/271 0

(4) واختارها ابن قدامة ، ينظر : المغني 4/135 0

(5) واختار هذه الرواية شيخ الإسلام ، ينظر : الإنصاف 4/369 ، وما تقدم في مذهب الحنابلة من روايات ينظر فيه كذلك  : المبدع 4/60 ، والإنصاف 4/369 0

 

 

   الترجيح : الذي يظهر لي بعد عرض مذهب الفقهاء ، وبيان أدلتهم أن القول الأقرب للصواب هو صحة اشتراط البراءة من العيوب إذا كان البائع لا يعلمها ، أو أخبر بها المشتري قبل العقد ؛ وذلك لما يلي :

1 – اشتراط البراءة من العيوب مع جهل البائع بها يرفع عنه تحمّل الالتزامات ، ورضا المشتري بذلك إمضاء لإرادته ، وهذا فيه تحقيق للأصل الشرعي في العقود المالية  ؛ لكونها قائمة على الحل 0

2 – موافقة هذا القول لكثير من الأحاديث التي تفيد وجوب بيان العيوب التي يعلمها البائع ومن ذلك قوله – صلى الله عليه وسلم – : ” المسلم أخو المسلم ، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً وفيه عيب إلا بينه له “(5) ، وفيه دلالة على تحمّل البائع لمسئولية العيوب في المبيع إذا كان يعلم بها ؛ لأن البيان لا يأتي إلا بعد علم ، والجاهل بالعيب لا التزام عليه 0

3 – قضاء عثمان – رضي الله عنه – الذي تقدم يدل على صحة اشتراط البراءة من العيوب عند الجهل بها 0

   أما إطلاق الحنفية في صحة البراءة من العيوب مطلقاً فغير مسلم ؛ لأن كتمان العيوب في المبيع مخالف للحديث الذي قدمناه ، ومعارض لمقاصد الشرع التي جعلت المعاملات قائمة على أساس الصدق ، والأمانة ، والنصيحة  كما هو ظاهر في كثير من النصوص الشرعية المتقدم ذكرها(1)  ، وأما تخصيص الشافعي ذلك بالحيوان دون غيره ؛ لأن الحيوان تخفى فيه العيوب ، وهي تعرض له في أوقات متعددة فهو تقييد لا دليل عليه ، وعمل ابن عمر ، وقضاء عثمان – رضي الله عنهم – يفيد العموم دون تخصيص ، والعيب محتمل حصوله في

__________________________

(1) تقدم في ص 28-29 0

 أيِّ سلعة ، والمبيع الذي وقع عليه العقد ظاهر  ، والجهالة إنما فيما قد يعرض له من عيوب والبراءة منها إسقاط لأثرها للخروج من التنازع 0

4 – أن في رضا المشتري بشرط البراءة من العيوب مع جهالة البائع لها ، أو مع بيانه لها    إن كانت موجودة يخرج العقد من حصول الغرر ، والجهالة المنهي عنهما 0

   فرع : الآثار المترتبة على اشتراط البراءة من العيوب :

   الأثر الأول : اشتراط البراءة من العيوب ، هل هو للعيوب الحاصلة عند القبض ، أم تتعداها لما قبله ؟ 0

   اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين :

   القول الأول : – وهو مذهب الشافعية ومحمد بن الحسن من الحنفية – أن الشرط إنما يظهر أثره على العيوب الحادثة عند العقد ، وعليه فإن للمشتري ردَّ المبيع الذي حصل عيبه قبل العقد وبعده ؛ لأن اشتراط البراءة من العيوب إنما ينصرف إلى العيوب التي قد تنشأ وقت العقد(1) 0

   القول الثاني : – وهو مذهب الحنفية باستثناء محمد بن الحسن –  أن اشتراط البراءة من العيوب ينصرف إلى العيوب الموجودة قبل القبض ، وأثناء العقد ، وبعده ؛ لأن المتبادر أن غرض البائع إسقاط حق المشتري في الخيار ، وإمضاء العقد(2) 0

__________________

(1) بدائع الصنائع 5/276-277 ، ومنهاج الطالبين 1/101 0

(2) بدائع الصنائع 5/276 – 277 0

   الترجيح :  الصحيح فيما يظهر لي القول الثاني ؛ لأن اشتراط البراءة عند الإطلاق ينصرف إلى كل العيوب السابقة للعقد وأثناءه ، واللاحقة عليه 0

   الأثر الثاني : تقييد اشتراط البراءة بعيب مسمَّى ، أو من عيوب متعددة ومحددة ،   أو إطلاقها 0

   في هذه المسألة عدة عناصر :

   أولاً : تقييد العيب بما هو قائم وقت العقد ، فهذا لا يدخل فيه العيب الحادث بعد العقد وقبل القبض ؛ لأن التقييد يحصر العيب فيما سمي ، فلا يتناول غيره 0

    ثانياً : إن أطلق البائع البراءة من كل عيب ففيه خلاف بين الفقهاء على قولين :

   القول الأول : – وهو قول أبي حنيفة ، وقول عند الشافعية ، وقول لأبي يوسف(1) – أن البراءة تشمل العيب القائم ، والحادث ، ولا فرق عند الحنفية بين أن يشترط البائع البراءة لنفسه  كأن يقول : بعتك جملي على أني بريء من كل عيب ، وبين أن تكون للمبيع ، كأن يقول : بعتك الجمل على أنه بريء من كل عيب ؛ لحديث الرجلين اللذين اختصما للنبي – صلى الله عليه وسلم – (2) ؛ لأن القصد واحد في الأمرين ، وهو رفع  البائع الضمان عن نفسه ، والبراءة من المجهول جائزة(3) 0

________________________

(1) أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري ، من أصحاب الحديث ، وغلب عليه الرأي ، أخذ عن ابن أبي ليلى ، وأبي حنيفة ، وله كتاب الخراج ، ولي القضاء في عصر هارون الرشيد ، توفي سنة ثمانين ومائة ، طبقات الفقهاء 1/134 ، ووفيات الأعيان 6/378 0

(2) تقدم الاستدلال به في ص 46 0

(3) بدائع الصنائع 5/172 ، والمجموع 12/363 0

  

   القول الثاني  : – وهو قول مالك ، وأحمد(1) ، ومحمد بن الحسن من الحنفية(2) – أن البراءة تتعلق بالعيوب القائمة دون الحادثة ؛ لأن العيوب الحادثة غير مقصودة في العادة خصوصاً في عقل المشتري ، واشترط المالكية مع ذلك بيان العيب بصورة تنفي الجهالة ، والغرر(3) 0

   الترجيح : الذي أميل إليه هو القول الأول ، فمرد الخلاف أن أصحاب القول الأول أخذوا بظاهر اللفظ الذي يفيد الإطلاق ، بينما أصحاب القول الثاني أخذوا بمظنة الحال ، وعند الاختلاف نرجع إلى مدلول اللفظ ، وهو يفيد الإطلاق ، فيكون أثره ممتداً للعيوب القائمة ، والحادثة  0

   الأثر الثالث : إن أضاف البائع البراءة إلى عيب يحدث في المستقبل لم يصح ؛ لأن اشتراطه فاسد وغير معتبر ؛ والإبراء مما لا يحتمل الإضافة إلى زمن مستقبل ، والخيار إنما يثبت بعد البيع فلا يسقط بإسقاطه(4) 0

_______________________

(1) هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ، أبو عبد الله الشيباني ، من أعلام أئمة الحديث ، والفقه ، إليه ينسب المذهب الحنبلي ، له المسند ، والتفسير ، والناسخ والمنسوخ ، توفي في سنة إحدى وأربعين ومائتين ، ينظر : وفيات الأعيان 1/63 ، وما بعدها 0

(2) محمد بن الحسن الشيباني ، تفقه على أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، صاحب التصايف كالجامع الكبير ، والجامع الصغير  ، وناشر علم أبي حنيفة ، توفي سنة تسع وثمانين ومائة : ينظر : طبقات الفقهاء 1/135 ،  ووفيات الأعيان 4/185 0

(3) بدائع الصنائع 5/172 ، والكافي في فقه أهل المدينة 2/713 ، وبداية المجتهد 3/200 ، والروض المربع 1/322 0

(4) المجموع 12/363  ، والروض المربع 1/322 0

 

المطلب التاسع : طبيعة العقد حالة ثبوت خيار العيب ، والآثار المترتبة عليه :

   الفرع الأول : طبيعة العقد :

   لا يكتسب عقد البيع ، ونحوه مما يثبت فيه خيار العيب صفة الإلزامية إذا ثبت أن ثمَّة عيب بالمعقود عليه ؛ لأن من مقاصد العقد قيامه على سلامة المعقود عليه ، فإذا انتفت انتفى معه الإلزام بنفاذ العقد(1) 0

   الفرع الثاني : الآثار المترتبة على العقد مع ثبوت خيار العيب :

   إذا ثبت للمشتري حق خيار العيب فقد اتفق الفقهاء أن للمشتري حق إمضاء العقد ، وإمساك المبيع ، أو فسخ العقد ورد المبيع إلا في العيب اليسير الذي لا ينفك عنه المبيع عند المالكية فلا أثر له(2) ، لكنهم اختلفوا في حق المشتري الحصول على الأرش عند إمساك المبيع ، وقد سلك الفقهاء في ذلك مسلكان :

   المسلك الأول : – وهو مذهب الحنفية ، والشافعية – ومفاد قولهم : تخيير المشتري بين إمضاء العقد ، وإمساك المبيع بكامل الثمن دون الرجوع بالأرش إلا في حالة تعذُّر الردِّ على البائع ، وبين فسخ العقد ، ورد المبيع المعيب ، واسترداد الثمن ، ووافقهم المالكية في ذلك فيما لو كان العيب يسيراً(3) 0

   دليلهم :استدلوا على ذلك :أن المشتري إن اختار فسخ العقد رجع كل بماله دون ضرر ،

_____________________

(1) تحفة الفقهاء 2/93 ، والمقدمات الممهدات 2/100 ، وكفاية الأخيار 1/244 ، وكشاف القناع 3/218 0

(2)  تحفة الفقهاء 2/93 ، والمقدمات الممهدات 2/100 ، وكفاية الأخيار 1/244 0

(3) تحفة الفقهاء 2/93  ، والمقدمات الممهدات 2/100  ، وكفاية الأخيار 1/244 0

وإن اختار إمساك المبيع فذلك دليل الرضا ، وليس له حق المطالبة بمقابل النقصان ؛ لأنه لما كان حقه الحصول على مبيع سليم بكامل الثمن لم يكن مجبوراً على إمساكه ببعض الثمن طالما أن لديه القدرة على رده(1) 0

   المسلك الثاني : – وهو مذهب المالكية – حيث فرقوا في العيب بين أحوال ثلاثة :

   الحالة الأولى : أن يكون العيب يسيراً لا ينفك عنه المبيع فلا أثر له في نفاذ العقد 0

   ودليلهم : أن مثل هذه العيوب شائعة ، وغير مؤثرة فلا اعتبار لها 0

   الحالة الثانية :أن يكون العيب كثيراً ، وفي هذه الحالة اتفقوا مع أصحاب المسلك الأول 0

   الحالة الثالثة : أن يكون العيب متوسطاً : فإن كان متعلقاً بالعقارات كان للمشتري حق الرجوع بالأرش عند الإمساك دون حق الرد ، وإن كان العيب متعلقاً بالعروض  فظاهر المذهب أنه يجب على المشتري  الرد  ، وقيل : إن حكمها كحكم العقار(2)  0

   المسلك الثالث : – وهو مذهب الحنابلة في المشهور – وهو نفس المسلك الأول إلا أن الحنابلة هنا أعطوا المشتري الحق عند إمساك المبيع في الحصول على الأرش ، سواء رضي البائع بدفعه ، أو لم يرض بشرط ألا يترتب على هذا الأرش الوقوع في الربا كشراء حلي فضة بزنته دراهم فضة(2) 0

_____________________

(1) تحفة الفقهاء 2/93  ، والمقدمات الممهدات 2/100  ، وكفاية الأخيار 1/244 ( بتصرف ) 0

(2)  المقدمات الممهدات 2/100  ، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد 3/194-195 0

(3) الكافي في فقه الإمام أحمد 2/49 ، والمبدع 4/86 0          

دليلهم : أن نقص المبيع يعتبر نقصاً في أصله ، وكل جزء من الثمن في مقابلة  كل جزء من المبيع ، فإذا تعيب بعضه رجع بمقابله من الثمن ، وقد يكون في ردِّه ضررٌ على المشتري بعد حصول المنفعة ، أو حصول عيب آخر فيه من فعله فله حق الرجوع بأرش العيب الحادث في ملك البائع ؛ لأن الرضا عند المشتري في العقد غير متوافر ، وذلك ينافي أساس العقد(1) 0

   وفي الرواية الثانية : أنه لا أرش لممسك حتى لا يلزم البائع بما لم يرض به(2) 0

   الترجيح : يظهر لي أن قول الحنابلة فيما يخص الأرش أقرب للصحة ؛ لأن حقيقة الرضا بالمبيع الناقص منعدمة ، أو غير تامة ، ويمكن أن يرد على أصحاب المسلك الأول بأن العدل يقضي بأن يأخذ المشتري ما يقابل العيب من المبيع إذا أراد إمساك المبيع لمصلحته ؛ لأنه ليس في كل الأحوال يكون رد المبيع مصلحة محضة للمشتري ، فقد يرى إمساكه ، وذلك حقه ، لكنه حق لا يكتمل إلا بحصوله على عوض العيب بما يقابله من الثمن المدفوع عند البائع ، وإلا كان أكلاً للمال بالباطل بغير طيب نفس ، وكلاهما منهي عنه ، وأما تفصيل المالكية فهو وجيه فيما يتعلق بالعيب اليسير ، وأما قولهم في العيب الكثير والمتوسط ففيه نفس الرد عن المسلك الأول ، ولأن العيب المتوسط كالعيب الكثير في ظهور انعدام الرضا فيلحق به 0

   الفرع الثالث : شروط رد المعقود عليه ، أو فسخ العقد :

حتى يتسنى للمشتري أن يمارس حقه في رد المعقود عليه ، أو فسخه فلابد من تحقق الشروط التالية :

   الشرط الأول : استخدام حق الخيار : فإن حصل الرضا بالعيب صار العقد لازماً 0

__________________________

(1)  الكافي في فقه الإمام أحمد 2/49 ، والمبدع 4/86 0

(2) المصدر السابق 0       

   الشرط الثاني : بقاء المعقود عليه على صفته حين القبض : فإن تغير المعقود عليه بحصول عيب جديد فيه كان ذلك سبباً في تعذُّر الرد 0

   الشرط الثالث : ألا يترتب على الفسخ تفريق الصفقة(1) قبل قبض المبيع كله ، مع عدم رضا البائع  ؛ لحصول عيوب ناتجة عن تفريق الصفقة مؤداها يفضي بالضرر على البائع سواء كان التفريق في المبيع على شيء واحد كالثوب ، أو شيئين كالدارين(2) 0

   والعيوب المقترنة في تفريق الصفقة إما أن تكون في شيء واحد ، فيكون في ذلك إضرار بالبائع بإلزامه بالشركة ، وهو عيب ظاهر ، وإما أن يكون التفريق في عدة أشياء ففيه ضرر إضافي للضرر السابق ، وهو بيع الجيد بثمن الرديء ؛ لأن الجمع بين الجيد والرديء صفقةً من عادة التجار لبيع الرديء بوساطة الجيد ترويجاً له(3) 0

   وتفريق الصفقة له تفاصيل عند الفقهاء نستعرضها كالآتي :

   أولاً : عند الحنفية : أن قبض البعض يقوم مقام عدم القبض ؛ لأن الصفقة لا تتم إلا بقبض جميع المعقود عليه سواء وجد العيب في المقبوض ، أو في غيره ، وعن أبي يوسف إن كان العيب في المقبوض فله رده بحصته(4) 0

______________________

(1)  الصَّفق من الضرب باليد ، ويطلق على ضرب أحد العاقدين يده على صاحبه ، ثم استعملت الصفقة في العقد ، ويراد به هنا : بيع ما يجوز بيعه ، وما لا يجوز بيعه في قد واحد ، ينظر : المصباح المنير 1/343 ، ونهاية المحتاج 3/478 ، والكافي في فقه الإمام أحمد 2/20 ، والقاموس الفقهي 1/213 0

(2) نهاية المحتاج 3/478 ، والموسوعة الكويتية 20/131 – 132 0

(3) الموسوعة الكويتية 20 /132 0

(4) بدائع الصنائع 5/287 ، وتحفة الفقهاء 2/75 0

 

   ثانياً : عند المالكية : وفي تفريق الصفقة عند المالكية تفصيل بين بقاء السليم غير المعيب ، وبين فواته ، فإن كان سليماً فله رده بحصته بشرطين :

   الأول : أن يكون المعيب من النصف فما دون ، فإن كان أكثر فإما أن يمسك الجميع ، أو يرد الجميع ، أو يسمك البعض بجميع الثمن 0

   ثانياً : ألا يكون المعيب وجه الصَّفقة ، فإن كان فليس له إلا رد الجميع ، أو الرضا بالجميع باستثناء ما كان أحد مزدوجين 0

   أما إذا كان المعيب فائتاً فله رده ، وأخذ حصته من الثمن ؛ فإن رد الجميع رد قيمة الهالك ورجع بالثمن ، وقيمة الفائت ورد العين والرجوع فيها لا فائدة فيه 0

   ولم يتناول المالكية التفريق في الشيء الواحد ؛ لأنهم يجعلونه من العيب الحادث المتوسط الذي يعطي الخيار بين الإمساك ، وأخذ الأرش القديم ، أو الرد ، ودفع الأرش الحادث       ما لم يقبله البائع بالحادث(1) 0

   ثالثاً : عند الشافعية ، والحنابلة في رواية : أن المشتري ليس له رد بعض المبيع المعيب ؛ لأنه وقت الرد لا يمكن الرد كما تملك ، سواء كان شيئاً واحداً ، أم شيئين تتصل منفعة أحدهما بالآخر ، أو ممَّا ينقصهما التفريق 0

   ولو كان الشيئان المختلفين إن ظهر العيب بأحدهما ، أو بهما فليس له رد أحدهما دون الآخر ، مع الإشارة إلى أن الشافعية يفرقون بين تعدُّد الصَّفقة ، وتفردِّها ، فإن تعدّدت الصفقة بتعدُّد البائع ، أو تعدُّد المشتري ، أو تفصيل الثمن فله رد أحدهما في الأظهر ؛ لعدم حصول التفريق ، أما إذا تفردت الصَّفقة فليس له رد البعض دون الآخر(2) 0

______________________

(1) الكافي في فقه أهل المدينة 2/711-712 ، وشرح مختصر خليل 5/22 – 148 0

(2) مغني المحتاج 2/444 ، والكافي في فقه الإمام أحمد 2/50 – 51 0

   الترجيح : الذي يظهر أن تفصيل الشافعية ، والحنابلة أقرب للصَّواب ؛ لما فيه من رفع الضَّرر المترتب من تفريق الصفقة سواء في حال الانفراد ، أو التعدُّد 0

   * حالة تفرق الصَّفقة مع تعدُّد العاقد : وذلك فيما لو اشترى شخصان سلعة واحدة ، وظهر لهما عيب في المبيع ، فهل ينفرد أحدهما بالفسخ دون صاحبه ، أم لا ؟ 00

   اختلف الفقهاء حول هذه المسألة على أقوال :

   القول الأول – وهو قول أبي حنيفة – أنه لا ينفرد أحدهما دون صاحبه ، وحجته أن الرد    لم يكن على نفس الوصف الذي تم شراء السلعة ، وقبضها ، حيث صدر هنا عيب زائد ، وهو عيب الشركة الذي يترتب عليه الضرر بالبائع(1) 0

   القول الثاني : – وهو قول أبي يوسف ، ومحمد بن الحسن – أن أحدهما ينفرد بالفسخ دون صاحبه ، وحجتهما أنه رد المبيع بحاله التي اشتراها(2) 0

   وقول الصاحبين قريبٌ منه مذهب الشافعية ، والحنابلة ، وصوَّروها فيما لو اشترى رجل من اثنين سلعة ، ووجد بها عيباً فله الرد عليهما ، فإن كان أحدهما غائباً أبقى نصيبه في يده حتى يحضر بقسطه من الثمن ، ورد الباقي على الحاضر ، ولو أراد أن يمسك نصيب أحدهما ويرد على الآخر نصيبه فله ذلك ؛ لأنه يرد على البائع جميع ما باعه(3) 0

__________________________

(1)  بدائع الصنائع 5/283 – 284 0

(2) بدائع الصنائع 5/283 – 284  0

(3) منهاج الطالبين 1/102 ، والمغني 4/122 0

   الترجيح : الذي يظهر لي أن القول الثاني هو الراجح ؛ لأن حق المشتري في نفي الضرر المترتب على العيب أسبق من حق البائع من حصول ذلك الضرر ، فمراعاة المشتري إذن تكون أولى بالاعتبار 0

   الشرط الرابع : حصول العلم بفسخ العقد 0

   وفي اشتراط هذا الشرط خلاف بين الفقهاء على قولين :

   القول الأول : – وهو قول الحنفية – أنه لابد من علم البائع بفسخ المشتري ، فإن       لم يعلمه لم يعتبر فسخه ، وكان الفسخ موقوفاً بعلم البائع في مدة الخيار ، وإن مضت المدة دون علمه نفذ العقد ، ولا فرق عند الحنفية فيما لو كان الرد قبل القبض ، أو بعده ، إلا أنهم اشترطوا إن كان الفسخ بعد القبض فلا بد أن يتم بالتراضي ، أو حكم القضاء ؛ لأنه رفع لعقد بسبب العيب بخلاف ما لو كان الفسخ قبل القبض فلا يشترط له ذلك ؛ لأنه متقررٌ عدم اعتبار حضور  من لا يعتبر رضاه فيه ؛ لعدم تمام العقد(1) 0

   القول الثاني : – وهو مذهب الشافعية ، والحنابلة – أن العلم بالفسخ ليس شرطاً    معتبراً ، ولا يفتقر إلى رضا البائع ، أو حضوره ، ولا لحكم حاكم مطلقاً ؛ لأنه لدفع ضرر

________________________

 (1) بدائع الصنائع 5/272-273 0

متحقق ، فكان للمتضرر حق الفسخ دون الرجوع للبائع ؛ ولأن الرد بالعيب يرفع العقد من أصله ، فلا حاجة إذن من حصول الرضا ، أو حكم القضاء(1)  0

   الترجيح : الذي يظهر لي صحة القول الثاني ؛ لأن دفع الضرر لا يحتاج إلى حصول الرضا ، أو حكم الحاكم ؛ لما يؤديه من إلحاق الضرر  وحصول المماطلة المحتملة من البائع 0

   مسألة : كيفية الفسخ :

   أولاً : من حيث الصيغة : جرى الخلاف بين الفقهاء في الصيغة التي يتم بها الفسخ على قولين :

   القول الأول : – وهو قول الحنفية – أن الفسخ قبل القبض يتم باللفظ الصريح ،      أو ما يقوم مقامه من المشتري ، وإن كان الفسخ بعد القبض فلا بد من تلاقي إرادتي العاقدين بفسخ من له الخيار ، وقبول الآخر ، وإلا كان القضاء هو الفيصل بينهما ؛ لأن الفسخ رفع للعقد  ، والعقد لا ينعقد بأحدهما دون الآخر ، وهذا بخلاف ما قبل القبض لأنه من السهل الرد ؛ لأنه كالامتناع من القبض ، وهو حق لمن له الخيار(2) 0

   القول الثاني : – وهو قول الشافعية والحنابلة – فحق المشتري في الفسخ لا يفتقر إلى رضا البائع ، أو حضوره ، ولا لحكم حاكم ؛ لأنه حق للمشتري بسبب العيب فلم يفتقر إلى رضا البائع ، أو حكم الحاكم مع إضافة عند الشافعية ، وهي ما إذا كان الحاكم والخصم في

_______________________

(1) المجموع مع المهذب 9/200 ، والكافي في فقه الإمام أحمد 2/29 0

(2) بدائع الصنائع 5/281 0

بلد واحدة وجب الذهاب إلى أحدهما ، أو أشهد على الفسخ ، وهذا راجع أن خيار العيب عند الشافعية يثبت على الفور(1)  0

   الفرع الرابع : حق الرد ، والأثر المترتب على عليه :

   يعتبر الرد عند جمهور الفقهاء فسخاً يرفع حكم العقد من أصله ،  وفرق الحنفية بين         ما إذا كان الرد بالتراضي بعد القبض فيكون فسخاً في حق العاقدين بيعاً في حق غيرهما ، وبين ما إذا كان الرد بالتقاضي فيكون فسخاً في حقهما ، وحق غيرهما(2) 0

   ويظهر هذا الأثر في مسألة تعدد البيع على مبيع معيب بعيب قديم :

   فإذا انتقل المبيع من يد مشتريه فرُدَّ عليه بعيب ، ففيه تفصيل عند الفقهاء بيانه كالتالي :

   أنه إن رُدَّ بقضاء كان من حق المشتري الأول ردُّه للبائع الأول ؛  لأنه فسخ للعقد من أصله فصار كأن لم يكن ، وإن كان الرد بالتراضي فلا يرد على البائع الأول ؛ لأن الفسخ بالتراضي عقد جديد لا شأن للبائع الأول به ، فلا يثبت به حق عليه ، وقيل يثبت الرد في عيب حدث يقيناً في ملك البائع الأول كالأصبع الزائدة ، والأصح الأول ، هذا إذا كان الرد بعد القبض ، وإن كان قبله فلا ردَّ في غير العقار ؛ لعدم جواز بيع المبيع قبل القبض ، واختلفوا في العقار ، فعند أبي حنيفة هو بيع جديد ، فيجوز بيعه قبل قبضه ، ولا يرد على البائع الأول ، وعند محمد هو فسخ لا يجوز بيعه قبل قبضه ، وعند أبي يوسف هو بيع في حق الكل  ، وإذا تعذر الرد بهلاك ، أو وقف ، ونحوه فله الأرش ؛ لتعذُّر الرد 0

   وينبغي ألا تكون هناك دلالة الرضا بالعيب من المشتري الأول كأن يبيع السلعة للمشتري

__________________

(1) منهاج الطالبين 1/101 ، وكفاية الأخيار 1/245 – 246 0

(2) تبيين الحقائق 4/37  ، وكفاية الأخيار 1/245 ، والمغني 4/120  0

الثاني وهو يعلم ما فيها من عيب ففي هذه الحال ليس له حق الرد ؛ لأن رضي بعيب السلعة بتصرفه فيها ، فيبطل حق الخيار في شأنه(1) 0

   الفرع الخامس : حق استبقاء المبيع المعيب ، وفيه ثلاث عناصر :

   العنصر الأول : مشروعية حق الاستبقاء :

    إذا اختار المشتري إمساك السلعة المعيبة عنده فذلك حقه ؛ لأن الرضا الذي يعتمد عليه العقد بشكل أساسي ليحكم بصحته توافر لدى المشتري باختيار فتمَّ العقد صحيحاً ، والدليل كما قدمنا أن النبي – صلى الله عليه وسلم – جعل الخيار للمتعاقدين في جوانب متعددة ، وجعل له حق إمساك السلعة –  كما ثبت في حديث المصرَّاة(2) ، فإذا اختار المشتري استبقاء السلعة فذلك حقه الشرعي باتفاق الفقهاء(3) 0

   العنصر الثاني : الأثر المترتب على إمساك السلعة :

   إذا ثبت حق المشتري في رد السلعة المعيبة ، لكنه أراد إمساكها عنده ، فهل له حق المطالبة بعوض العيب ، وهو ما يسمى في الاصطلاح الفقهي بالأرش(4) ، أم لا ؟ على قولين :

   القول الأول : – وهو مذهب الحنفية ، والشافعية ، ورواية عن أحمد – أن المشتري ليس

___________________________ 

(1) تبيين الحقائق 4/37  ، وكفاية الأخيار في حل غاية الاختصار 1/245 ، والمغني 4/120                ( بتصرف ) 0

(2)  تقدم في ص 20 0

(3) بدائع الصنائع 5/290 ، وكفاية الأخيار في حل غاية ، والمبدع 4/86 0

(4) الأرش هنا هو : قسط ما بين قيمة الصحة والعيب ، ينظر : الروض المربع 1/329 ، ويأتي بيانه 0

 

له مطالبة البائع بفارق النقص الحاصل بسبب العيب ، فليس له إلا الإمساك ، أو الرد بدون أرش إلا في حالة تعذر الرد ، واستدلوا على ذلك بما يلي :

   أولاً : استدلوا بحديث المصرَّاة حيث جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – الخيار للمشتري بالإمساك أو الرد ، ولم يجعل له بالإمساك عوضاً عن العيب الذي لحق المبيع 0

   ثانياً : أن مطالبة البائع بالأرش إلزام له بما لم يرض به ، حيث أنه ما أخرج المبيع من ملكه إلا بالثمن المدفوع ، وإلزامه بالأرش فيه إلزام له بما لم يلتزم به ، وفيه إنقاص للثمن الذي تحصَّله من البيع(1) 0

   القول الثاني :  – وهو مذهب المالكية ، والحنابلة في المعتمد – أن للمشتري حق الرجوع على البائع بأرش العيب الحادث في المبيع ، وردو أدلة القول الأول بما يلي :

   أولاً : ما استدل به أصحاب القول الأول من حديث المصراة يجاب عنه بأن المصراة      لا يوجد بها عيب ، والخيار ثبت للتدليس ، وليس بسبب فوات شيء من المبيع حتى يستحق أرشاً 0

   ثانياً : أن فوات جزء من المبيع يقابله جزء من الثمن ، والمشتري دفع العوض في مقابلة كل المبيع وهو في حالة السلامة التي ابتنى عليها الرضا ، فإذا كان ثمَّة عيب كان من حق المشتري أن يرجع بنقصه على البائع(2) 0

   مع ملاحظة أن المالكية يفرقون في عيوب الدار بين قليل لا يرد به ، ولا أرش ، وبين متوسط له الرد أو الإمساك بالأرش ، أو كثير يجوز به الرد والرجوع بثمنه أو إمساكه بدون أرش ، ومرد القليل ، والكثير إلى العرف(3) 0

___________________________

(1) كفاية الأخيار 1/245 ، والمبدع 4/86 0

(2) شرح مختصر خليل 5/131 ، والمبدع 4/86 ، والمغني 4/111 0

(3) شرح مختصر خليل 5/131-132 0

   الترجيح : الرأي الثاني هو الراجح في نظري ؛ لأن ما عللوا به ، وردوا به أدلة القول الأول ظاهرٌ في كفِّ الضرر الذي يلحق المشتري من عيب المبيع الذي اشتراه ، وهو ما يتوائم مع  مقاصد الشرع ، وقواعده 0

   العنصر الثالث : طريقة تقدير الأرش : يكون تقدير قيمة الجزء الفائت عن طريق تقويم المبيع سالماً ومعيباً ، ثم يؤخذ قسط ما بينهما من الثمن ، كأن يقوَّم المعيب بمائة ، ومعيباً بخمسين ، والثمن المدفوع مائتين ، كان النقص بالعيب نصف القيمة خمسين يرجع بها المشتري على البائع من المائتين ، فيصبح سعر المبيع معيباً مائة وخمسين(1) 0

_________________________

 (1) شرح مختصر خليل 5/145 ، والمغني 4/112 0

المطلب العاشر : موانع الرد :

   هناك عدَّة حالات تمنع الرد عند توافرها مع تفصيلات للفقهاء فيها ، وتنقسم هذه الموانع إلى موانع طبيعية ، وموانع شرعية ، وموانع عقدية 0

   المانع الأول : المانع الطبيعي : عند تلف المبيع ، وتعذُّر الرد ، وحينئذ إن كان التلف قبل القبض رجع المشتري على البائع بالثمن إن كان أقبضه إياه ؛ لأن المبيع هنا من ضمان البائع ، وإن كان التلف بعد القبض امتنع الرد ، ورجع على البائع بنقصان الثمن في المبيع المعيب 0

   واختلف الفقهاء في حق الرجوع إن تلف المبيع المعيب بالاستهلاك بعد اتفاقهم على حق الرجوع إذا تلف المبيع بآفة سماوية على قولين :

   القول الأول : – وهو مذهب أبي حنيفة – ليس له الرجوع بنقصان الثمن ؛ لأن التلف حصل بفعل مضمون منه لو وجد في غير ملكه ، وقد انتفى الضمان لملكه ، فكان كالمستفيد به عوضاً (1)  0

   القول الثاني : – وهو قول المالكية ، والحنابلة ، – أن تلف المبيع بالاستهلاك لا يمنع حق الرجوع بنقصان الثمن ؛ لأن المشتري له حق التصرف في المبيع ، وطالما أنه لم يعلم بالعيب ، ولم يرض به ، فله حق الرجوع بنقصان الثمن(2) 0

   مسألة : تلف المبيع بنفس العيب ، أو بعيب غيره 0

   اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال :

   القول الأول : – وهو مذهب الحنفية ، والشافعية – أنه لا فرق بين حصول التلف

_______________________

(1) بدائع الصنائع 5/289 ، و تحفة الفقهاء 2/74 – 75 0

(2) الكافي في فقه أهل المدينة 2/703 ، والمبدع 4/90 0

بسبب العيب ، أو غيره في إثبات حق الرجوع بنقصان الثمن ؛ لأن مجرد وجود العيب ، وعدم الرضا به يعطي المشتري حق الرجوع(1) 0

   القول الثاني : – وهو قول المالكية – فقد فرقوا بين التلف بالعيب نفسه ، وبغيره ، فإن كان التلف بسبب العيب ( وهو ما يسمونه بالفوت ) رجع بكل الثمن  ؛ لأن العيب أثر في السلعة حتى أدى إلى تلفها ، فقد جاء العيب على العين كاملة ، فللمشتري حينئذٍ حق الرجوع بكامل الثمن ، أما لو تلفت السلعة بغير العيب فمذهبهم نفس القول الأول(2) 0

   القول الثالث : – وهو مذهب الحنابلة – أن العبرة بنية البائع ، فلو نوى التدليس على المشتري رجع عليه المشتري بكامل الثمن  ، أما إذا لم ينو التدليس فيرجع بنقصان الثمن ؛ لكونه تسبب في فوات المنفعة عن المشتري في الأولى بخلاف الثانية(3) 0

   الترجيح : الذي يظهر لي أن قول المالكية أقرب للصواب ؛ لأنه أعطى في الفوات الكلي بسبب العيب حقَّ الرجوع الكامل ، وفي التلف بغير العيب مقدارَ النقصان الحاصل بسبب العيب ، أما قول الحنفية ، والشافعية فلا يحقق العدل في تلف السلعة بسبب العيب نفسه ، فالرجوع بنقصان الثمن وحده لا يكفي ؛ لكون العيب أتى على السلعة كاملة ، فكان الحق أن يكون العوض شاملاً للعيب ، وأثره ، أما استناد الحنابلة لنية البائع فلا عبرة به ؛ لأن التلف حصل في عقد معاوضة ، وأحدث ضرراً ، فينبغي تعويض الضرر بما يلائمه بغض النظر عن نية البائع 0

   المانع الثاني : المانع الشرعي : ما تولد عن المبيع المعيب ، أو ما يسمى ( بالزيادة المنفصلة ، والمتصلة ) هل تعطي حق الرد للمشتري  ، أم لا ؟ 0

________________________

(1)  بدائع الصنائع 5/283 ، وتحفة المحتاج 4/388 0

(2) شرح مختصر خليل 5/138 0

(3) المبدع 4/89 – 90 0

أولاً : في الزيادة المنفصلة :

   * الزيادة المنفصلة قبل القبض لا تمنع الرد بلا خلاف ؛ لأنها من ضمان البائع ، مع ملاحظة عدم رد الأصل وحده دون الزيادة ، إلا عند الحنابلة فإنه يرد الأصل دون الزيادة لحصولها في ملكه(1) 0

   * الزيادة المنفصلة بعد القبض فيها خلاف بين الفقهاء على النحو التالي :

   اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال :

   الأول : – وهو مذهب الحنفية – أن الزيادة المنفصلة التي تولدت من العين المعيبة  كالثمرة والولد إن كانت قبل القبض فلا تمنع الرد بالعيب ، أما بعد حصولها بعد القبض فإنها يمنع الرد وإن  كان العيب حاصل في الزيادة فقط دون الأصل لم يكن له رد المبيع ؛ لأن الزيادة قبل القبض تبعٌ للمبيع فلا يحتمل الفسخ إلا إذا حصل للمبيع نقصان بسبب الزيادة ، كولد الأمة فله الرد للنقصان ، وله رد الزيادة المنفصلة خاصة بحصتها من الثمن ؛ لأنها صارت لها حصة من الثمن ، وهي ليست بمبيعة ؛ لانعدام ثبوت حكم البيع فيها ، فهي مملوكة بسبب مستقل ولو كان العيب بالمبيع دون الزيادة بعد القبض فله رد المبيع بحصته من الثمن وقت البيع ، وعلى قيمة الزيادة وقت القبض ، وإذا رد المبيع فالزيادة للمشتري بغير ثمن عند أبي حنيفة(2) ،

________________________  

(1)  تحفة الفقهاء 2/100 ، وكفاية الأخيار في حل غاية الاختصار 1/245 ، و

 (2) النعمان بن ثابت بن زوطى الكوفي  ، الفقيه صاحب المذهب الحنفي ، إمام أهل الرأي ، ولد سنة ثمانين ،  أخذ الفقه عن حماد عن إبراهيم النخعي ، وأدرك أربعة من الصحابة أنس ، وابن أبي أوفى ، أبو الطفيل ، وسهل الساعدي – رضي الله عنهم – ، ولم يلق أحداً منهم ، توفي سنة خمسين و مائة ، ينظر طبقات الفقهاء 1/86 ، وما بعدها ، ووفيات الأعيان 5/406 ، وما بعدها 00

لكنها لا تطيب له ؛ عملاً بحديث : ” الخراج بالضمان ” المتقدم(1) ، وعند الصاحبين  تكون للبائع ، لكنها لا تطيب له إن اختار المشتري الرد بالعيب ، فإن اختار المبيع ، فالزيادة       لا تطيب له بلا خلاف ؛ لأنها ربح ما لم يضمن ولا يقابلها عوض ، وإن وجد عيباً في المبيع  وكانت الزيادة هالكة فله رد المبيع بجميع الثمن ، وإن كانت قائمة رد معها الزيادة ، وذلك عند الصاحبين(2) 0

   القول الثاني : – وهو قول المالكية والشافعية – أن الزيادة المنفصلة غير مؤثرة في الرد ، وأنها للمشتري ، واستثنى المالكية من ذلك الولد ، فإنه يرد للبائع ، وليس للمشتري إلا الرد الزائد مع الأصل ، أو الإمساك(3) 0

   وهناك تفصيل عند المالكية في أوجه الزيادة كالتالي :

   الوجه الأول : زيادة لحوالة الأسواق 0

   الوجه الثاني : زيادة في حالة البيع 0

   الوجه الثالث : زيادة من غير جنس المبيع كشراء نخل لا ثمر به ، ثم يثمر في ملك     المشتري 0

   والأوجه السابقة لا توجب خياراً 0

________________________

(1) أخرجه الترمذي 3/528/1234 وقال حديث حسن صحيح ، والنسائي 7/295/4629 ، وابن ماجة 2/737/2188 ، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن أجده ، ولفظه عند الترمذي : ” لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع ، ولا ربح ما لم يضمن ، ولا بيع ما ليس عندك ” ، وينظر تصحيح الحديث كذلك : نصب الراية 4/18 0

(2) ما تقدم من تفصيل عند الحنفية ينظر في : بدائع الصنائع 5/285 ، وتحفة الفقهاء 2/100 0

(3) بداية المجتهد 3/199 ، وتحفة المحتاج 4/385

   الوجه الرابع : زيادة في عين المبيع بنماء حادث كسمن الدابة 0

   الخامس : زيادة في المبيع من صنع المشتري كصبغ الثوب 0

   فإذا حدثت زيادة عند المشتري ، ولم يحدث عنده عيب خير بين الإمساك والرد ، فإن اختار الإمساك قوم المبيع تقويمين ، سالماً ومعيباً ، ويؤخذ الثمن بنسبة ذلك ، وإن اختار الرد قوم تقويمين كذلك ، فيقوَّم بما كان قبل الزيادة ، وبعدها ، ويكون المشتري شريكاً للبائع بنسبة الثمن ، وإن زاد المبيع ، وحصل فيه عيب قوم بالعيب القديم ، ثم بالزيادة ، ويشارك المشتري البائع في قدر الزيادة(2) 0

القول الثالث : – عند الحنابلة – حيث جعلوا الزيادة المنفصلة على نوعين :

   النوع الأول : أن تكون في غير المبيع كالكسب ، والأجرة فهي للمشتري في مقابل     ضمانه ؛ لأنه لو هلك كان من مال المشتري 0

   النوع الثاني : أن تكون من المبيع كالولد ، والثمرة فالمذهب أنه للمشتري ، ويرد الأصل بدونها للحديث السابق ، وعنه لا يرده إلا مع نمائه ؛ لأن الزيادة جزء من الأصل(2) 0

   والذي يترجح عندي أن الأمر مردُّه إلى حديث : ” الخراج بالضمان ” ، وطالما أن الزيادة المنفصلة هي من ضمان المشتري لو تلفت ، فهي للمشتري ؛ لأنها نماء  كسبه حال ملكه ، وهي منفصلة عن الأصل ، فكانت حقاً له 0

__________________________

(1) المقدمات الممهدات 2/102 – 104 0

(2) المبدع شرح المقنع 4/88  ، والكافي في فقه الإمام أحمد 2/49 0

ثانياً : الزيادة المتصلة :

   هل يثبت بها الرد أم لا ؟ تفصيل عند الفقهاء بيانه :

   الفقهاء من الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة – ذكروا بأن الزيادة المتصلة كالسمن    لا تمنع الرد ؛ لأنها من جنس المبيع ، ولعدم إمكان إفرادها ، والملك قد تجدد بالفسخ ، فكانت تابعة للأصل(1) 0

  وهل يلزم البائع قيمتها للمشتري ؟ روايتان عند الحنابلة المشهور : لا يلزمه حتى لا يلتزم معاوضة لم يلتزمها ، وفي رواية : يلزمه ؛ لحدوث الزيادة في ملك المشتري(2) 0

   وعند المالكية تفصيل  في الرد بالزيادة المتصلة مفاده : إن كانت الزيادة مثل الصَّبغ في الثوب يثبت بها الخيار إما الرد ، أو الإمساك والرجوع بقيمة الثوب ، وإن كانت الزيادة المتصلة في البدن كالسمن فقولان في المذهب ، أحدهما يثبت به الخيار ، والآخر :          لا يثبت(3) 0

   المانع الثالث : المانع العقدي : ومفاده أن كلا العاقدين ملتزم بما يوجبه العقد من التزامات ، وحق الخيار مرهون بعدم الإخلال بهذه الالتزامات ، فلو تعيب المبيع بعيب حادث من فعل المشتري امتنع الرد ؛ لأنه لا ذنب للبائع في حصول هذا العيب ، وقد خرج المبيع من يده سليماً  فلاحق للمشتري بالرجوع في النقص(4) 0

_____________________

(1) بدائع الصنائع 5/302 ، وتحفة الفقهاء 2/101 ، وبداية المجتهد 3/199 ، ومغني المحتاج 2/446 ، والمبدع 4/87 0

(2) المبدع 4/87 0

(3) بداية المجتهد 3/199 0

(4) المبدع 4/92 0

المطلب الحادي عشر : إقرار ، واختلاف المتعاقدين في إثبات العيب :

   إثبات الخيار بين المتعاقدين إما أن يتم من خلال إقرار البائع بوجود العيب عنده ، وحينئذٍ   لا إشكال في قيام حق الخيار للمشتري ، أما لو كان ثـمَّة اختلاف بين المتعاقدين في ثبوت العيب فإنا نلجأ إلى طرق الإثبات المتعامل بها قضائياً ، وسأعرض بشيء من الإيضاح عن طرق إثبات العيب في المبيع كالتالي :

   أولاً : إن كان العيب معلوماً حاله عند عامة الناس بكونه حدث في ملك البائع فإنه يكفي في إثباته شاهدان عدلان 0

   ثانياً : إن كان العيب مما لا يدركه إلا أهل الخبرة والاختصاص اشترط شهادة اثنين منهم ، إلا أن المالكية اختلفوا في اشتراط العدالة فيهما ، فقيل بلزومها ، وقيل بعدم ذلك ، وقيل : لا يشترط العدد والإسلام فيهما(1) 0

   ثالثاً : إن احتاج أحد الخصمين في إثبات حصول العيب عند الطرف الآخر ، فإن كان الأمر مما يحتاج إلى برهان ، وبينة لزم المدعي إثباتها ، إلا إذا كان الحال يشهد بحصول العيب في ملك أحدهما فالمعوَّل في الحكم على ما ظهر حصوله في ذلك الملك ، بمعنى أنه لو كان العيب حادثاً  كالجرح الطري ، وادَّعى المشتري حصوله في ملك البائع لم يلتفت لقوله ، لكن يوجه القاضي للبائع سؤاله بحدوث ذلك في ملكه ، فإن أجاب بنعم قضى عليه ، إلا أن يدَّعي الرضا ، أو الإبراء ، وإن أنكر حدوث العيب عنده سأل القاضي المشتري : ألك بينة ؟ فإن أقامها قضى له ، وإن لم يكن له بينة استحلف البائع على عدم حصول العيب في ملكه وإن كان العيب ظاهراً في القدم كالأصبع الزائد فلا اعتبار لقول البائع في عدم حصوله في ملكه ، ولا يكلف القاضي المشتري بإقامة البينة ؛ لتيقن ثبوته عند البائع ، وإن ادَّعى البائع رضا المشتري ، أو الإبراء طلب من المشتري إقامة البينة على عدم صحة قوله ،

______________________

(1) بداية المجتهد 3/199 0

فإن لم يستطع توجهت إليه اليمن ، وعند الحنابلة قول بعدم ردِّ اليمين فيما علم حدوثه عند أحدهما ، وقيل : تلزم اليمين ؛ لاحتمال حصول العيب عند من توجهت إليه اليمين(1) 0

   وإن كان حدوث العيب عند أحدهما محتملاً ، كالخرق في الثوب فعند الحنابلة روايتان :

   الأولى : يقبل قول المشتري مع يمينه ؛ لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت ، فكان القول قول من ينفيه 0

   الثانية : يقبل قول البائع مع يمينه ، وهي أنصُّها ؛ لأن الأصل سلامة المبيع ، وعدم استحقاق الفسخ(2) 0

    وكيفية اليمين تكون على البتِّ ؛ لأن الأيمان كلها على البتِّ إلا على النفي في فعل الغير وفي روايةٍ على نفي العلم 0

   رابعاً : إذا ردَّ المشتري السِّلعة بعيب ، وأنكر البائع أنها سلعته قبل قوله بخلاف           ما لو ردَّت إليه بخيار شرط فإن القول قول المشتري ؛ لأنهما اتفقا على استحقاق فسخ العيب ، والرد بالعيب بخلافه(3) 0

   وتخضع باقي النزاعات لطرق الإثبات العامة في القضاء من الإقرار ، والشهادة ، والبينة ، وتوجيه اليمين في حق المدعى عليه ، وهي أمور متعارف عليها قضاءً  0

______________________

(1) تحفة المحتاج 2/99 ، ومنهاج الطالبين 1/102 ، والمبدع 4/93 0

(2) المبدع 4/93 0

(3) المصدر السابق 4/94 0

  

المطلب الثاني عشر : سقوط خيار العيب :

   هناك عدَّة أحوال تبنى آثارها على إسقاط خيار العيب عند توافرها ، وهذه الأحوال تكمن في الآتي :

   الحالة الأولى : فسخ العقد بين طرفيه لأي سبب من الأسباب ، مع اعتبار أثر رد المبيع     إذا تعيب بعيب جديد ، وقد تناولنا ذلك بالتفصيل في موضعه(1) 0

   الحالة الثانية : زوال العيب قبل الرد سواء كان ذلك بفعل البائع نفسه كإصلاحه ،     أو زوال العيب تلقائياً  ، كشفاء المبيع من المرض ، ولذلك شروط يلزم تحققها :

   الشرط الأول : عدم حصول ضرر بالمشتري كأن يريد بيع السلعة مباشرةً 0

   الشرط الثاني : حصول زوال العيب في فترة وجيزة تسمح للمشتري من الاستفادة من منفعة السلعة 0

   الشرط الثالث : عدم حصول عيب آخر بتدارك العيب الأول ، كأن يلزم من إصلاح العيب إحداث عيب آخر 0

   الحالة الثالثة : ما لو كان هناك مصلحة في إبقاء المبيع ، كما لو كان المشتري ولياً لصغير وكان من حظه الإبقاء على المبيع ، ويلحقه الضرر بتفويته ، أو في حال ما لو كان المشتري مفلساً ، وكان في رد المبيع إضرار بالغرماء ، مع اعتبار أن تكون قيمة المبيع أكثر من ثمنه حتى لا يلحق الضرر بالمشتري 0

   الحالة الرابعة : رضا المشتري بالعيب في السِّلعة صراحة ، نحو أن يقول : أمضيت ، أو أجزت وهو عالم بالعيب راضٍ به عن طيب نفس ، أو عن طريق الإبراء منه ؛ لأن الخيار حق له ، وقد رضي بإسقاط هذا الحق 0

____________________

(1) تقدم في ص  56 0

مسألة : هل يصح شرط العوض لإسقاط الخيار ؟ 0

   ذكر الشافعية هذه المسألة ، وأجابوا بعدم جواز بذل العوض لإسقاط الخيار ؛ لأنه خيار فسخ أشبه خيار التروِّي في كونه غير  متقوَّم ، ويفارق الأرش ؛ لأنه ليس عوضاً لترك الخيار إنما هو تقويم لنقصان المبيع بما يقابله من الثمن(1) 0

   الحالة الخامسة : الرضا الضمني بالعيب ، كأن يتصرف المشتري في المبيع تصرفاً يفيد الرضا كاستعمال المبيع ، والانتفاع به مع العلم بالعيب ، أو عمل شيء في المبيع يتلفه كحرقة ، أو إخراج المبيع عن ملكه بالبيع ، أو الهبة ، فكل هذه التصرفات بعد العلم بالعيب دالة على الرضا الضمني الذي يسقط حق المشتري في الخيار (2) 0

   لكن لو رد البيع إلى البائع بسبب خيار شرط ، أو رؤية ، فإن كان قبل القبض فللمشتري الرد سواء بالتراضي ، أو بالتقاضي ، وإن كان بعد بعد القبض ، وقبله البائع فلا رد عند الحنفية والحنابلة(3) ، وعند المالكية أن تصرف المشتري في المبيع إن كان بعوض سقط خياره ، وإن كان بغير عوض فله الأخذ بنقصان لثمن استدراكاً للعيب الفائت(3) 0

   وقريبٌ من مذهب الحنفية مذهب الشافعية حيث أن التصرفات التي لا يمكن استعادة المبيع بسببها كالوقف تمنع الرد ، والتصرفات التي يرجى منها عود المبيع تسقط الخيار(4) 0

_______________________  

(1) كفاية الأخيار 1/246 0

(2)  ينظر ما تقدم في سقوط الخيار : بدائع الصنائع 5/289 وما بعدها 00، والمقدمات الممهدات 2/110 ، ومنهاج الطالبين 1/100 ، والمبدع 4/92 0

 (3) تحفة الفقهاء 2/90-91

(4) كفاية الأخيار 1/245 0

   الترجيح : والراجح في نظري ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة أن ما بعد القبض والرضا يمنع الرد ؛ لأن مناط الحكم في إسقاط الخيار مردُّه للرضا من المشتري بالعيب عند علمه به     فلا حق له في التعويض حتى لو تصرف في المبيع بغير عوض – كما يرى المالكية –          إذ أن التعويض إنما شرع مقابل النقص الذي لم يرض به ، أما وأنه قد رضي به فلا حق له في العوض 0

المطلب الثالث عشر : انتقال خيار العيب:

   اتفق الفقهاء على أن صاحب خيار العيب إذا مات قبل استخدام حقه في الخيار ، ولم يكن هناك ما يدل على رضاه بالعيب كان لوارثه استخدام هذا الحق ؛ لأنه متعلق بدفع ضرر يتضرر منه الوارث ، فكان له استخدام هذا الحق كما كان لمورثهم ، وخالف في ذلك الظاهرية ، واستدلوا بقوله – تعالى –  :  ((  وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا  ))(2) ، وعليه فإن الورثة يلزمهم حكم العقد ؛ لأن الأصل رضا البائع ، والخيار ليس مالاً حتى يورَّث(3) 0

   الترجيح : الذي يظهر أن رأي الجمهور هو الأصوب ؛ لأن الخيار يترتب عليه آثار مالية مبنية على عقد المعاوضة ، والقول بأن الأصل الرضا أمر محتمل خاصة عند من يرى أن الخيار على التراخي ، ولعله لم يطلع على العيب ، والآية عامة ، ولا تدل على محل النزاع ، والحقوق المالية يتعدى أثرها على الورثة 0

__________________________

(1) التاج والإكليل  6/321 ، والمغني 4/122 ، و الموسوعة الفقهية الكويتية 20/148

(2) سورة الأنعام ، الآية 164 0

(3) المحلى بالآثار 7/261 0

 

 

          المبحث الثالث : التطبيقات المعاصرة لخيار العيب

 

المبحث الثالث : التطبيقات المعاصرة لخيار العيب ، وفيه مطلبان  :

المطلب الأول : المشاهدات المعاصرة لمعالجة العيوب الناشئة في السلع :

   لا تخرج التطبيقات المعاصرة من حيث الأحكام الفقهية عمَّا تناقله الفقهاء المتقدمون ، فقد أتوا على تفصيلات تتعلق بالعيوب ، وحق الخيار ما تعجز عنه التنظيمات الحديثة 0

   ومع التطور المتسارع في مقتنيات العصر الحديثة ، وتعدُّد العيوب التي تتناولها السلع نجد أن العلاقة بين المنتجين والمستهلكين بشأن العيوب تختلف من منتج لآخر ، ومن بلد لآخر حسب التنظيمات المختلفة إلا أن المراقب لما عليه الوضع بين المنتجين والمستهلكين نجد أن نطاق العيوب ، ومعالجتها يظهر في قسمين نعرض لهما ، ونبين مدى مطابقتها للتشريع الإسلامي ، وذلك على النحو التالي :

   القسم الأول : المنتجات المستهلكة ، والمتداولة بين التجار والمستهلكين ، أو بين الأفراد فيما بينهم ، كبيع السيارات المستعملة ، والآلات المختلفة كالجوالات وغيرها من المنتجات التي يكثر فيها حصول العيب بسبب تدوالها واستخدامها بين الناس ، أو بسبب قدمها 0

   وهذا القسم إذا ثبت وجود العيب في السِّلعة ، واستطاع المشتري أن يثبت حدوثها في ملك البائع ، فإننا أمام فئتين من الناس ، فمنهم من يقوم بردِّ السِّلعة لبائعها دون التمعُّن في إمساكها والمطالبة بالأرش ، والبعض يهتم بإبقاء السلعة في يده والمطالبة بالتعويض عن النقص الحاصل في السلعة ، وهذا يتماشى تماماً مع أحكام الفقه الإسلامي في حق المشتري بين أن يمسك السِّلعة المعيبة بأرشها ، وبين ردها للبائع 0

   القسم الثاني : المنتجات الحديثة التي لم يسبق استهلاكها ، وهذه المنتجات التي تخرج من المنتج إلى المستهلك إن ثبت فيها العيب إما أن يضمن البائع إصلاحها ، أو إبدال المستهلك غيرها ، أو رد الثمن حسب شروط العقد ، أو المتعارف عليه ، إلا أن العادة جرت أن المقتنيات الضرورية  كالأدوات الكهربائية ، والسيارات ، وكذا  كلما اتجهنا إلى الصناعات الثقيلة نجد أن الشركات ابتداءً تضع أنظمة يلتزم بها أطراف العقد ، فهي إما أن تسترد السِّلعة إن كان العيب فادحاً ، وإما أن تقوم بإصلاح الضرر عن طريق قطع الغيار  ، وإما أن تبدل البائع سلعةً أخرى ، ونجد في الطرف الآخر أن المشتري يرضى بهذه البدائل ،      ولا يلجأ إلى التقاضي ، والمطالبة بالأرش ؛ لأن الأعمال التجارية خصوصاً في عصرنا الحاضر تتطلب قدراً من السرعة ، والإنجاز ، والرفع للقضاء، أو تقدير الأرش قد يقع فيه من التأخير أو المماطلة في دفع الأرش ما يدفع المشتري إلى الرضا بما تتعاطى به الشركات مما قدمنا 0

   والذي أراه أنه طالما لم يكن في ذلك أكل للمال بالباطل ، وأن الشركات ، أو المنتج يصلح الضرر ، أو يبدله بما لا يضر المشتري ، وما جرى عليه عرف الناس من قبول ذلك تسهيلاً للتعاملات ، وتبادل المنافع فإن ذلك يجوز طالما أن الرضا قد توافر لدى المشتري ، وإلا فله حق التقاضي ، والمطالبة بالرد ، أو الأرش مع الإمساك ؛ لأن ذلك حقه الشرعي 0

  

المطلب الثاني : التطبيقات المعاصرة في اشتراط البراءة من العيوب ، وفيه ثلاثة فروع :

الفرع الأول : اشتراط البراءة من العيب فيما يتعلق بالمصارف الإسلامية :

   تشترط كثير من الهيئات المصرفية في بيوعها القائمة على المرابحة أنها تشترط على المشتري التعامل بالسِّلع الجديدة تقليلاً لحدوث العيوب في تلك السلع ، لكن في بعض الأحيان يتقدم بعض العملاء للطلب من المصرف شراء سلعة مستعملة ، فيشرط عليه المصرف في المقابل البراءة من العيوب اللاحقة بها كونها محتملة العيوب ؛ لأنه سبق استهلاكها 0

   وقد تكلمنا بالتفصيل عن اشتراط البراءة من العيوب ، ونطبق هنا القول بأن المصرف يبرأ من العيوب التي لا يعلمها عند العقد – خاصةً وأن العميل هو الذي طلب شراء السلعة من خلال المصرف – ، بخلاف العيوب المعلومة لديه فإنها تدخل في ضمانه 0

الفرع الثاني : العيوب التي تلحق المبيع بسبب طول التخزين :

   إذا كانت السِّلعة المستوردة لعميل معين تستلزم التخزين لقترة محدودة حتى لا يلحقها التلف فإن العميل إذا أصر على استلام البضاعة في موعد يتجاوز مدة التخزين ، وكانت البضاعة معرضة للتلف ، فمن حق الطرف الذي يقوم بعملية التخزين اشتراط البراءة من العيوب التي تلحق السلعة بعد الزمن المحدد للتخزين(1) 0

الفرع الثالث : استخدام عبارة : البضاعة المبيعة لا ترد ولا تستبدل :

هذه العبارة من أشهر العبارات التي تستخدمها المحلات التجارية في فواتيرها ، أو بعض ___________________________

(1) ينظر ما تقدم البيع باشتراط البراءة من العيب في الفقه الإسلامي وتطبيقاته المعاصرة

د. إبراهيم عماري 2/10/1433 هـ ( موقع العلم ) 0

   الملصقات على أبواب المحلات ، وهذه العبارة تغلق على المشتري طريق استبدال السلعة ، أو ردها ، وهذا التصرف من قبل أصحاب تلك المحلات تصرف فيه جور ؛ لأنه شرط غير صحيح يؤدي إلى الضرر ، ويفرض على المشتري الالتزام بإمساك البضاعة – وإن كانت معيبة – 0

   وعليه فإن اشتراطه هذا لا يبرئه من العيب في السلعة إن لم يرض بها المشتري ، وللمشتري حق الفسخ والرد ، أو الاستبدال ببضاعة جديدة ، أو الإمساك ، وأخذ الأرش ؛ لأن الثمن المدفوع مقابل لكامل السلعة في حال سلامتها ، ومع تعيبها تفقد جزءاً من ثمنها (1) 0

_________________________

)1)  الفتوى رقم 17388 ، والتي نشرته صحيفة الرياض في عددها رقم 9821 الصادرة بتاريخ 16/12/1415ه  ، نقلاً عن موقع العلم 0

 

                                      – الخاتمة –

   الحمد لله الذي حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وبعد 00

   ففي خاتمة بحثي المتواضع الذي تناولت فيه خيار العيب سأقوم بعرض ملخص للبحث ، مع بيان ابرز النتائج التي توصلت إليها ، والتوصيات المتعلقة بالبحث :

أولاً : ملخص البحث :

   قمت في بحثي هذا بدراسة خيار العيب ، تناولت في المبحث الأول : تقسيمات الخيار ، ومشروعيتها بشكل عام ؛ لتكون تمهيداً لدراسة خيار العيب ، ثم انتقلت في المبحث الثاني لدراسة تفصيلية لخيار العيب شملت مفهومه ، ومشروعيته ، والحكمة منه ، وتطرقت إلى التفاصيل المتعلقة بشروطه ، وأحكام الرد والاستبقاء والأرش ، كما تناولت ما يتعلق مسقطات الخيار ، ووراثته ، مع التعرض لأقوال الفقهاء في كل ما تقدم ، ومناقشتها ، والترجيح عند الاختلاف 00  ، ثم تناولت في المبحث الثالث بعض التطبيقات المعاصرة المتلعقة بخيار العيب ، والبراءة منه 0

أهم نتائج البحث : من أبرز النتائج التي استخلصتها من هذا البحث ما يلي :

1 – التعريج على أقسامة الخيار في المعاملات المالية عموماً ، والتعرف على مدلولاتها اللغوية ، والاصطلاحية ، والوقوف على مشروعيتها ممَّا يعطي تمهيداً مسبقاً للدخول في موضوع البحث 0

2 – التعرف على مدلول خيار العيب 0

3 – الوقوف على مشروعية خيار العيب ، والأدلة الدالة على مشروعيته 0

4 – بيان الحكمة من ثبوت خيار العيب 0

5 – الوقوف على التفصيلات الفقهية المتعلقة بخيار العيب من الشروط ، والرد ، والمسقطات ، وغير ذلك من الأحكام 00

6 – الوقوف على خلاف العلماء في المسائل المتنازع حولها ، ومحاولة الترجيح فيما ظهر لي صوابه 0

7 – مراعاة العلماء في تناولهم لخيار العيب كل حسب فهمه لحالة الضرر المبني عليها حكم الخيار ؛ كونه منشأ التفاصيل المتعلقة بخيار العيب 0

8 – مراعاة الشريعة لطرفي العقد ، واعتماد حالة التراضي كمصدر لصحة العقود ونفاذها 0

9 – أسبقية الشريعة في وضع الضوابط التي تحمي المستهلك من الغش ، والخداع ، والتدليس وحصول العيوب في السلعة ما لم تصل إليه التنظيمات الحديثة 0

10 – توافق الفقهاء في عديد من المسائل المتعلقة بالخيار خاصة ما يتعلق بالمشروعية ، والأحكام الظاهرة ، ونجد الخلاف متعلقاً بجزئيات محدودة ترجع إلى تقدير الضرر ، والمصلحة للمتضرر من طرفي العقد 0

11 – استعراض بعض التطبيقات المعاصرة للعيوب ، وحق الخيار فيها، وبيان ما يتفق منها مع الشرع ، وما يخالفه 0

ثالثاً : توصيات الباحث :

  لعل أهم ما يستوقف الباحث عند دراسة مسألة فقهية يجد مدى عمق الشريعة في تفاصيل

   الأحكام ؛ ولذا أرى أن أبرز التوصيات المتعلقة بالبحوث الفقهية عموماً ، وببحثي خاصةً وهي تكمن في الآتي :

1 – الاعتناء بدراسة الفقه الإسلامي في مواجهة المد المتشدد ، أو الآخر المميِّع ، وإبراز دور الفقه في إعلاء شأن الأمة 0

2 – الاهتمام بالدراسات الفقهية – خاصة –  ذات التطبيقات المعاصرة 0

3 – العيوب المتعلقة بالمعاملات الفقهية ، أو الأنكحة تحتاج لفيض من الدراسات في وقتنا المعاصر ؛ لخفائها ، وقلة الخبرة ، والكفاءة في كشفها 0

4 – توجيه الباحثين للنقد البناء ، والطرح الهادف في كتابة البحوث الفقهية على وجه الخصوص 0

5 – كثرة الغش ، والتدليس في زماننا تحتاج لدراسات دقيقة في بيانها ، وجعلها في مطويات عامة تتاح لعامة الناس حتى يكونوا على بينة من أمرهم 0

6 – الاهتمام بالأخذ من المصادر الأصيلة عند كتابة البحث الفقهي ، وعدم اللجوء إلى المراجع المكملة إلا عند الاقتضاء 0