سلطة القاضي و الأطراف في تعديل بنود العقد

لائحة اعتراضية

المقـدمــــــة

تعد نظرية العقد من أهم النظريات التي جاء بها القانون المدني بأن عالجها ضمن باب مصادر الالتزام ، و أقر لها مبدأين كانا نقطة تحول بالنسبة لدور الإرادة في خلق التصرفات القانونية بأن جعلها هي من تحدد أثرها بما يتماشى مع حاجات الأشخاص و تحقيق أهدافهم المشتركة، أولهما مبدأ سلطان الإرادة الذي أقرته كل التشريعات بقولها أن العقد شريعة المتعــاقدين فلا يجوز نقضه أو تعديله، أما المبدأ الثاني فيتعلق بالقوة الملزمة للعقد إذ يجب تنفيذه طبقا لما اشتمل عليه و بحسن نية.

حقيقة لا يمكن نكرانها أن هذين المبدأين يضمنان ويحققان الاستقرار القانوني، إلا أن الفقه الحديث يرى أن عليهما أن يتمتعا بنوع من المرونة حتى يتكيفا مع مستجدات المجتمع المعاصر، وتترجم هذه المرونة بالسماح بوجود استثناءات يخول فيها للأطراف و للقاضي تعديل العقد.

ففي بعض الحالات يتراخى تنفيذ العقد  أو أنه في حد ذاته مستمر التنفيذ فتعترضه ظروفا غير التي كان عليها عند إبرامه تحط من فعاليته مما يحيده عن هدفه، الأمر الذي يدفع الأطراف إلى إعادة النظر فيه بالتعديل، ولعل أن البعض يعتبر ذلك اعتداءا على المبدأين لكن في حقيقة الأمر هو تعزيز لهما و إبراز لدورهما الإيجابي في استمرار العلاقة العقدية دون إعدامها .

فيمكن للأطراف عند إبرامهم للعقد أن يضعوا من الحلول العملية ما يرونها ناجعة للحفاظ على التوازن الاقتصادي بين الأعباء و الحقوق لكلا الطرفين بالاتفاق المسبق على إدراج بعض البنود كبندي التقييس و إعادة التفاوض، أو في مرحلة التنفيذ إن طرأت بعض الظروف و أثرت على العقد فللأطراف حرية التعديل دون الخروج عن المبادئ المقررة في تنفيذه  .

أما إذا لم يتفق الأطراف على التعديل رغم انهيار التوازن الاقتصادي للعقد فللطرف المضرور اللجوء إلى القضاء في أحوال معينة لأجل رفع الضرر.

إذ يجيز المشرع للقاضي تعديل العقد إذا اختل التوازن الاقتصادي له بسبب الاستغلال والغش طبقــا

لأحكام المادة 90 من التقنين المدني الجزائري، فقد يقع أحد المتعاقدين ضحية استغلال من المتعاقد معه مما يجعله يتحمل التزامات تفوق كثيرا ما اكتسبه من حقوق تحت وطأة طيش بين أو هوى جامح،كما يجيز له  تعديل الشروط التعسفية طبقا لأحكام المادة 110 من التقنين المدني، حيث لا يتمتع  الأطراف بنفس المراكز القانونية في بعض العقود، فيحتل أحدهما مركزا قويا لاحتكاره سلعة أو خدمة ضرورية للجمهور ،يمكنه من فرض ما يشاء من شروط قد تكون مرهقة للطرف الضعيف في العلاقة العقدية ،و ليس لهذا الأخير سوى الإذعان لشروط العقد كما هي دون مناقشتها، أو يمتنع عن التعاقد أصلا.

 و خول له المشرع كذلك إنقاص العقد إذا كان في شق منه باطلا أو قابلا للإبطال طبقا للمادة 104 من القانون المدني، هذا أثناء تكوين العقد.

وهناك حالات أخرى يظهر فيها الخلل عند مرحلة التنفيذ ،كما هو الحال عليه عند ظهور ظرف طارئ عام غير متوقع يهدد المدين بخسارة فادحة، وكذا في حالة تطبيق الشرط الجزائي على الطرف الذي أخل بالتزاماته التعاقدية،و منح الأجل القضائي لتنفيذ العقد ،فحيطة المشرع لمراقبة مضمون العقد تتجسد في منح القاضي سلطة التعديل في هذه الحالات الثلاث .

و عليه يمكن معالجة كل ما سبق بالإجابة على الإشكالية التالية :

ما هي الآليات التي يعتمدها الأطراف في تعديل العقد و ما مدى حريتهم عند التعديل ؟و ما هي إمكانيات تدخل القاضي في التعديل ؟

إذاً ستقتصر دراستنا من خلال هذا التساؤل العام على البحث في مدى قدرة الأطـراف و القاضي في تعديل مضمون العقد في مرحلتي تكوينه و تنفيذه،  وذلك بغية معالجة الاختلال الاقتصادي للعقد، مع تقديم كل الآليات و الكيفيات المتاحة للتعديل.

وقد تم إنجاز هذه الدراسة بهدف بيان أن التعديل كمفهوم قانوني يسعى إلى إبقاء وديمومة العلاقة العقدية، عكس الفسخ والبطلان، اللذان يهدفان إلى إنهاء هذه العلاقة.

كما يستقي هذا الموضوع أهميته من حماية المصلحة المشتركة لأطراف العقد ضمن التعديل الاتفاقي ،وحماية المصلحة العامة وذلك عن طريق حماية الفئات الضعيفة و كذا حماية المدين عند حدوث ظرف طارئ أو عند التأخر أو عدم تنفيذ الالتزام العقدي في إطار التعديل القضائي.

وبناء على ذلك نقسم الموضوع إلى فصلين:

نتناول في الفصل الأول سلطة الأطراف في تعديل العقد، وتوقفنا في مبحثين:

عند آلية التعديل الإتفاقي (المبحث I).

و كذا التعديل الإتفاقي و أثره على العقد (المبحث II).

وتطرقنا في الفصل الثاني إلى سلطة القاضي في تعديل العقد وقسمناه إلى:

سلطة القاضي في التعديل في مرحلة تكوين العقد (المبحث I).

و سلطة القاضي في التعديل في مرحلة تنفيذ العقد (المبحث II).

ولتحقيق هذه الدراسة من خلال الإشكالية المطروحة، اتبعنا المنهج التحليلي والمنهج الوصفي تماشيا مع طبيعة الموضوع.

 

 

خــطة البحــــــث

المقدمة

الفصل الأول: سلطة الأطراف في تعديل العقد

المبحث الأول: آليات التعديل الإتفاقي

   المطلب الأول:بند التقييس

   المطلب الثاني:بند إعادة التفاوض

المبحث الثاني:التعديل الاتفاقي و أثره على العقد

   المطلب الأول:حرية تعديل العقد و القيود الواردة عليها

   المطلب الثاني:أثر التعديل على مصير العقد

الفصل الثاني:سلطة القاضي في تعديل العقد

المبحث الأول:سلطة القاضي في مرحلة تكوين العقد

    المطلب الأول:سلطة القاضي في التعديل للاستغلال

   المطلب الثاني:سلطة القاضي في تعديل الشروط التعسفية لعقد الإذعان

    المطلب الثالث:دور القاضي بصدد تحول و إنقاص العقد

المبحث الثاني:سلطة القاضي في مرحلة تنفيذ العقد

    المطلب الأول:نظرية الظروف الطارئة

    المطلب الثاني:الشرط الجزائي

    المطلب الثالث:نظرة الميسرة أو الأجل القضائي     

الخاتمة.

الفصل الأول: سلطة الأطراف في تعديل العقد

  

   يقصد بتعديل العقد حسب الأستاذ روزي العمل القانوني الذي بمقتضاه يتفق الأطراف على أن يغيروا  أثناء فترة التنفيذ، واحدا أو أكثر من عناصر الاتفاق الذي يربطهم مع الاحتفاظ بالرابطة العقدية.

   بهذا التعريف أعتبر التعديل مفهوما قانونيا. له مجال خاص للتطبيق ونظام قانوني متميز. عن غيره من المفاهيم القانونية مثل التجديد و الصلح . و يرى جانب من الفقه انه العملية التي تحدث أثناء تنفيذ العقد ويكون من مقتضاها، دون أن تضع نهاية للعقد إدخال تغيير في أي عنصر من عناصره .

   إن الظروف التي ينشأ فيها العقد يفترض فيها أنها نفسها التي تصاحب تنفيذه، لذا فان تغير تلك الظروف من شانه أن يخل بالتوازن الاقتصادي للعقد. فيرتب عنه ضرر بأحد المتعاقدين أو كليهما و عدم تحقق الهدف المنشود منه، باعتباره وسيلة قانونية لتحقيق العمليات الاقتصادية، الأمر الذي يدفع بالأطراف للبحث عن آليات من أجل إعادة التوازن الاقتصادي للعقد، مع الإنقاص من حدة تلك الظروف دون إلحاق ضرر بالمتعاقدين في ظل احترام حرية التعديل و كذا حدود مضمون العقد و مستلزماته، لذا وجب تناول هذه النقاط في مبحثين نتعرض إلى الآليات التي يضعها المتعاقدين أثناء إبرام العقد لمعالجة مستجدات قد تطرأ عند تنفيذه  كمبحث أول ، و في مبحث ثان نتحدث عن مدى حرية الأطراف عند التعديل وضوابطه.

 

 

 

 

 

 

المبحث الأول : آليات التعديل الإتفاقي

إن للأطراف كامل الحرية في تعديل عقودهم بما يتوافق و مصالحهم المشتركة، سواء كان ذلك عند التنفيذ أو حتى قبل البدء فيه،  ومرد ذلك أنهم الأكثر دراية بالظروف المحيطة بالعقد أو التي قد تطرأ عليه و من شانها أن تحيده عن تحقيق الغرض المقصود منه .

لذلك يلجا الأطراف إلى التعديل بوضع حلول عملية لمواجهة الصعوبات التي قد تعترضهم أثناء مرحلة التنفيذ .

و تتمثل هذه الحلول العملية في إدراج بنود لتعديل العقد،  فإذا  تم الاتفاق عليها أثناء إبرام العقد تسمى “البنود التلقائية” وأهمها بند التقييس ، أما إذا تم الاتفاق عليها لاحقا عند التنفيذ فيطلق عليها “البنود غير التلقائية” كبند إعادة التفاوض، وهذا ما سنحاول التعرض له في هذا المبحث بالتطرق إلى آليتي التقييس وإعادة التفاوض .

المطلب الأول : بند التقييس

إن أهم البنود التي يلجأ لها الأطراف في مرحلة الإبرام قصد حماية التوازن الاقتصادي للعقد، خاصة في جانبه المالي هو بند التقييس، إذ يسعى  لحماية العملة النقدية وتوفير الثقة بين الأطراف مما يسمح لهم الابتعاد عن تهريب العملة التي تشكل العنصر الأساسي للتضخم [1]، كما أن هذا البند ينصب على العقود المستمرة أو المؤجلة التنفيذ و ذلك بتوقع قيمة الأداءات بدلالة معيار اقتصادي أو نقدي .

فبند التقييس هو “البند الذي يغير سعر الدفع بدلالة رقم مرجعي، هذا الرقم هو الذي يشكل قيمة السلعة أو الخدمة”، فهو بذلك آلية تسمح بالتغيير التلقائي لسعر الخدمات ، أو البضائع بدلالة رقم مرجعي ليتم الاتفاق عليه من قبل الأطراف و غالبا ما يتم تحديده بناءا على السلع الأكثر استعمالا كالعملة الصعبة و الذهب، وللإحاطة أكثر بهذا النوع من الآليات لا بد من معرفة شروط صحة بند التقييس و الجزاء المترتب عن عدم توافر أحد هذه الشروط.

 

 

الفرع الأول : شروط صحة بند التقييس

إن أساس بند التقييس هو الرقم المرجعي ، لذا فالأطراف ملزمون بالاتفاق عليه ، وحتى يكون بند التقييس صحيحا لا بد أن يكون للرقم المرجعي علاقة مباشرة بنشاط أحد أطراف العقد أو بمحله.

أولا: علاقة الرقم المرجعي بنشاط أحد أطراف العقد

إن ما جرى عليه العمل و الأكثر انتشارا أن يكون الرقم المرجعي على علاقة مباشرة بالنشاط المهني لأحد المتعاقدين ،كما أنّه لم يشترط أن يكون الرّقم المرجعي على علاقة مباشرة بالنّشاط المهني الرئيسي لأحد الأطراف، فالعناصر المهنية التي تمّ أخذها وجب أن تكون أساسية بالنّسبة للنّشاط الرئيسي أولا، و ذلك لارتباطها المباشر به، و ذلك حتى يمكن اعتبارها فعالة لصحة بند التقييس، ومثالنا في ذلك عقد بيع محل تجاري -مخبزة و حلويات- و يكون التقييس على أساس سعر الزبدة و الخميرة واللوز، وفي حالة تغيير النشاط المهني لا بد من الأخذ بعين الاعتبار النشاط المهني الممارس عند إبرام العقد .

ورغم اختلاف النشاط المهني للأطراف، إلا انه يكفي اختيار نشاط أحدهما كأساس لتوقع بند التقييس،  أما فيما يتعلق بتقدير العلاقة بين الرقم المرجعي المختار و النشاط المهني فتخضع إلى رقابة قضاة الموضوع.

ثانيا:علاقة الرقم المرجعي بمحل العقد

يجب أن يكون الرقم المرجعي على علاقة مباشرة بمحل العقد، ففي عقد القرض المتفق عليه مثلا لبناء أو شراء منزل، يمكن أن يكون الرقم المرجعي هو سعر البناء ،وهذا الأخير على علاقة مباشرة بمحل العقد،كما يمكن توسيع تطبيقه لحاجات مهنية كأن يكون البناء عبارة عن مطعم .

كما أنه لا يمكن تصور علاقة مباشرة بين الإيجار وأجرة البناء، وعليه فإن بند التقييس يكون صحيحا إذا تحققت العلاقة بين الرقم المرجعي والنشاط المهني لأحد المتعاقدين أو بمحل العقد، وفي حالة عدم احترام هذه الشروط تترتب جزاءات نتطرق لها في الفرع الثاني.

الفرع الثاني : الجزاءات المترتبة عن تخلف شروط صحة بند التقييس

إن أهم ما يراد به عند وضع بند التقييس هو ضمان فعاليته عند ظهور أي عقبة إقتصادية خاصة فيما يتعلق بانهيار أو صعود العملة ،لذا فان اشتراط العلاقة بين الرقم المرجعي ونشاط أحد المتعاقدين أو محل العقد أمر لابد منه، ومن باب أولى أن يكون بند التقييس مشروعا غير مخالف للنظام العام لذلك فان تخلف أي شرط يترتب عنه إما بطلان الرقم المرجعي أو استبداله .

 

أولا : بطلان الرقم المرجعي

إذا تبين للأطراف عند تنفيذ العقد أن الرقم المرجعي غير مشروع فان هذا يؤدي إلى بطلان بند التقييس، وهو الجزاء الأكثر انتشارا([2])ونكون أمام البطلان المطلق لبند التقييس إذا كان مخالفا للنظام العام أو مستحيلا أو محظورا بقوة القانون .

أما إذا كان العيب بعيدا عن اعتباره ماسا بالنظام العام، نكون أمام بطلان نسبي ونطبق في الحالتين الأحكام العامة المتعلقة بالبطلان النسبي أو المطلق فيما يخص الطرف المخول له إثارته ومدى سلطة القاضي في إثارته من تلقاء نفسه.

لكن هل بطلان بند التقييس يؤدي إلى بطلان العقد بكامله؟

لقد أجاب القضاء الفرنسي عن هذا التساؤل بقوله إن قيام الأطراف بإدراج شرط صريح غير قابل للتجزئة في العقد يترتب عنه بطلان بند التقييس والذي يمس بدوره العقد بكامله لأن رضا الأطراف قد أخذ بعين الاعتبار بند التقييس سببا لالتزامه، وإلغاء الشرط يستلزم معه إلغاء السبب وهذا يؤدي بالضرورة إلى انهيار العقد لغياب ركن فيه.

أما إذا اتفق الأطراف على اختيار رقم مرجعي غير مشروع ، فإن ذلك لا يؤدي إلى بطلان العقد بل يكفي حذف الجزء غير المشروع وفق نظرية إنقاص العقد طبقا للمادة 104 من القانون المدني الجزائري.

ثانياً : استبدال الرقم المرجعي.

غالبا ما يتفق الأطراف أثناء إبرام العقد على الاستبدال التلقائي للرقم المرجعي الباطل، و ذلك بتوقعهم لرقم مرجعي آخر احتياطي صحيح يحل محل الرقم المرجعي الذي تم إبطاله، أي أن الرقم المرجعي الاحتياطي يحل محل الرقم المرجعي الباطل بأثر رجعي، و ذلك بامتداده إلى الماضي.

كما تثار الصعوبة في حالة عدم اتفاق الأطراف على اختيارهم لرقم مرجعي احتياطي، فيكون بإمكانهم في هذه الحالة اختيار رقم مرجعي جديد، إلاّ أنه لا ينسحب بأثر رجعي([3])، أي لا يمتد أثره إلى الماضي ليحل محل الرقم المرجعي الباطل، عكس ما هو عليه في حالة الاتفاق المسبق للأطراف على اختيار رقم مرجعي احتياطي.

كما ترد صعوبة أخرى في حالة عدم توصل الأطراف إلى اتفاق حول اختيار رقم مرجعي جديد، فهل يجوز لأحد الأطراف اللجوء إلى العدالة للمطالبة بالاستبدال ؟

هناك من ينكر إمكانية تدخل القاضي للاستبدال، لأنه لا يملك سلطة الحلول محل الأطراف([4])، أي وجب على الأطراف رغم اختيارهم السابق لرقم مرجعي إدراج شروط تتضمن أرقام مرجعية أخرى مقاربة للرقم المرجعي المختار إذا ما تبين أثناء مرحلة التنفيذ أنه غير مشروع، و بالتالي إبعاد تدخل القاضي في استبدال الرقم المرجعي، مما يجسد المحافظة على إرادة المتعاقدين في اختيارهما للرقم المرجعي كأساس لبند التقييس، و بالتالي مراعاة النية المشتركة للأطراف و اقتصاد العقد.

و يتم استبدال رقم مرجعي غير مشروع برقم مرجعي مشروع إذا ما كانت للأطراف الرغبة في المحافظة على العقد و اقتصاده بما يتماشى و حاجاتهم ،كما يقوم الأطراف بزيادة في الالتزامات إذا كانت هناك تقلبات في العملة بسبب رقم مرجعي غير موجود، أو توقف عن النشر، أو باطل.( [5])

و عملية الاستبدال وسيلة يستخدمها الأطراف أيضا للمحافظة على العقد و استمراره من انخفاض العملة، و بالتالي تكريس الهدف من التعديل.

و عليه فأساس شرط التقييس هو الرقم المرجعي الذي تم اختياره، و الاتفاق عليه أثناء إبرام العقد و ذلك بتوقع الصعوبات الاقتصادية و الاجتماعية التي قد تعترض تنفيذ العقد مما يؤدي إلى التغير التلقائي للرقم المرجعي.

كما يهدف بند التقييس إلى إعادة تنظيم العقد مع تقلبات الرقم المرجعي و هذا في حالة وجود تضخم، أما في حالة الاستقرار النقدي فتنعدم قيمته، و يكون بند التقييس ذا أثر إيجابي على العقد إذا كان صحيحا بأن يكون له علاقة مباشرة بالنشاط المهني لأحد الأطراف أو بمحل العقد، إضافة إلى ذلك وجب أن يكون الرقم المرجعي مشروعـًا وموجودًا و فعالاً، كما يجوز للغير (قاضي، محكّم، خبير) التدخل بناء على طلب الأطراف لاستبدال رقم مرجعي غير مشروع برقم مرجعي مشروع أو إبطاله ،كما يضمن بند التقييس للأطراف العدالة العقدية و استقرارها و المحافظة على إرادة الأطراف تجسيدًا لمبدأ سلطان الإرادة.

 

 

 

 

المطلب الثاني : بند إعادة التفاوض.

قد يتفق الأطراف أثناء إبرام العقد على إدراج بعض الشّروط، إلاّ أنّ هذه الأخيرة قد لا تحقق الأهداف المرجوة منها، و ذلك لوجود صعوبة في البحث و الاتفاق على رقم مرجعي، ممّا يؤدّي إلى الاختلال في التوازن الاقتصادي للعقد، و هذا ما يدفع الأطراف أثناء تنفيذه إلى اللّجوء إلى شروط إعادة التفاوض.

و ينصب هذا النموذج من الشروط على العقــود ذات المدى الطويل، أو المستمرّة أو دورية التنفيذ التي قد تعترضها ظروف غير متوقعة، و التّي غالبا ما تأخذ بعين الاعتبار القوة الملزمة للعقــد، و تغيير الظّروف([6])، و يقتصر هذا الشـرط على تبادل المناقشات و الاقتراحات و الوصول إلى اتّفاق يخدم مصالح الأطراف، و هذا ما سنحاول تبيانه من خلال مرحلة إعادة التفاوض و النتائج المترتبة عنها .

الفرع الأول : مرحلة إعادة التفاوض.

تتضمن بنود إعادة التفاوض إلزام الأطراف بإعادة تنظيم العقد من جديد، إذا ما كانت هناك ظروف أدت إلى تغيير في المسائل الجوهرية للعقد، و بالتالي إلى الاختلال في التوازن العقدي.

إذن فبند إعادة التفاوض هو إلزام الأطراف بمناقشة و تبادل الاقتراحات في ظروف حسنة، نتيجة لتغيرات خارجة عن إرادتهم، و التي اعترضت العقد أثناء تنفيذه، ممّا يؤدي إلى إعادة تنظيمه مثل ما يحدث في الاتفاقات الجماعية للعمل.

و بند إعادة التفاوض يضع على عاتق الأطراف مجموعة من الالتزامات أهمها:

*إلزام الأطراف باتخاذ جميع التدابير المنصوص عليها في العادات و حسن النية، لأن سير المناقشات وجب أن يكون نزيها و جديا، أي وجب عليهم تقديم اقتراحات عادلة، يقوم بمقتضاها كل طرف بتقديم ما في وسعه لتسهيل التنفيذ للطرف الآخر([7])، و ذلك بتقديم اقتراحات تبين حسن نيته واتجاه إرادته إلى بقاء الرابطة العقدية المشتركة، دون تضحية بمصالحه لإعادة التوازن العقــدي.

كما أنّ إعادة تفاوض الأطراف و بإرادتهم و بحسن نيّة هو التزام ببذل عناية، يخول للأطراف الحرية الكاملة في الدخول في المناقشات أو رفض الاستمرار فيها دون تبرير ذلك([8])، إلاّ أنّ هذه الحرية قد تكون مصدّرًا لتعسّف أحد المتعاقدين في استعمال حقه في إعادة التفاوض.

*يقع على عاتق الطرفين عبء الإعلام بكل المسائل الجوهرية و الثانوية التي قد تصادف تنفيذ العقد، و ذلك في إطار احترام قانون الأطراف، و كذا احترام سرية المعلومات أثناء هذه المرحلة.

*إلزام الأطراف بالتعاون، و ذلك بتبادل الحد الأقصى للمعلومــات، حتى تبقى العلاقات قائمة على أسس صلبة، و ذلك لتسهيل تنفيذ العقد و الوصول إلى اتفاق يتماشى و مصالحهم، كما تشترط هذه المرحلة سير المناقشات في آجال معقولة، لأنّه قد ينجم عن تمديدها إلحاق ضرر بأحد المتعاقدين، و تنشئ هذه الشروط على عاتق الأطراف التزامًا مزدوجًا.

و نشير إلى أن العقد يستمر أثناء إعادة التفاوض في ترتيب جميع آثاره القانونية إلاّ إذا كان هناك شرط واقف.

الفرع الثاني : النتائج المترتبة عن  مرحلة إعادة التفاوض.

إن الأطراف ملزمون بمناقشة و تبادل الاقتراحات بغية إعادة تنظيم العقد ،إذا ما واجهت تنفيذه صعوبات خارجة عن إرادتهم ، أدت إلى الاختلال في التوازن العقدي .

إلا أن إلزام الأطراف بإعادة التفاوض قد ينجم عنه مجموعة من النتائج ، نعالجها في النقاط التالية :

أولاً : حالة نجاح المفاوضات.

إذا تم احترام شروط مرحلة إعادة التفاوض كما ذكرناه سابقا، و ذلك بتحمّل الأطراف كافة الأعباء الناجمة عن صعوبة تنفيذ العقد، آخذين بعين الاعتبار أهم الالتزامات الناتجة عن تنفيذ العقد، من التّعاون لتسهيل عملية التفاوض، و الامتناع عن كل إرادة تسعى إلى فشل المفاوضات([9])، و إعلام كليهما عن كل الصعوبات التي تعترض تنفيذ العقد، و كذا حسن النية و ما تفرضه من الثقة و الإخلاص من الطرفين، و أخذ المناقشات و الاقتراحات بجدية و نزاهة من كليهما.

فالنتيجة تكون حتما إيجابية،و هي المحافظة و الإبقاء على العقد دون إلحاق ضرر بأحد المتعاقدين.

ثانياً : حالة فشل المفاوضات.

مؤدى فشل المفاوضات في هذه الحالة أن الأطراف لم تسع إلى إنجاح المفاوضات كامتناع أحدهما عن التفاوض، أو تقديم اقتراحات تخدم مصالح أحدهما دون الآخر مما يسبب ضررًا للطرف الآخر.

و نكون أمام إخلال أحد المتعاقدين للالتزام بالنـزاهة ،إذا ما تمسك بفائدة قليلة من الإخلال بالتوازن العقدي للمطالبة بتعديل العقد، و نكون أمام نفس النتيجة في حالة رفض التفاوض، و قطع المفاوضات بسوء النية، كرفض الالتقاء أو الرد عن مراسلات الطرف الآخر، فيكون بذلك قد ارتكب خطئاً عقديًا، لأنهم ملزمون بالتمسك بإبداء اقتراحات جديــة، و ذلك في إطار التمسك بقيام بعمل كعرض جدي للمتعاقد الآخر، و لا يجوز لأحدهما استغلال هذه المرحلة لإفشالها.  

كما يجوز للطرف المتضرر من رفض التفاوض أو قطع المفاوضات اللجوء إلى العدالة للمطالبة بالتعويض على أساس الضرر الذي لحق به نتيجة فشل المفاوضات بسبب الطرف الآخر([10])، أي الرجوع إلى القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية طبقا لأحكام المادة 124 من التقنين المدني الجزائري كما أن العقد يستمر بصفة مبدئية في إحداث آثاره أثناء فشل المفاوضات، في حالة الظروف العادية.

أما إذا كانت الظروف التي يتم فيها التفاوض قد أدت إلى ظهور قوة قاهرة، فإنه يتم الوقف لاستحالة التنفيذ في هذه الحالة ،و يعمد الأطراف إلى إدراج بنود الفسخ إلى جانب بنود إعادة التفاوض في العقد، لأنه في حالة فشل المفاوضات، و عدم الوصول إلى اتفاق، يكون لهم حق فسخ العقد، كما ذهبت محكمة استئناف باريس في قرارها([11]) إلى فتح طريق جديد في حالة فشل المفاوضات، حيث أيدت إرادة الأطراف، و فرضت عليهم البحث عن اتفاق و ذلك بوضع شرط المحافظة من جهة، و من جهة أخرى فرضت على الأطراف أثناء التفاوض إضافة “ملاحظ” قادر على مساعدتهم للوصول إلى حل مشترك لإعادة تنظيم العقد ، و في حالة فشل هذه المفاوضات الموجهة فإن محكمة الاستئناف تحتفظ بالنظر في الحلول سواء بالإبطال أو فرض صيغة مقترحة.

و بقرارها هذا تكون محكمة الاستئناف قد ابتعدت على الأساس الذي انطلقت منه  و هو إرادة الأطراف ، و ذهب بعض الفقهاء([12]) إلى التساؤل عما إذا كان تسبيب قرار محكمة الاستئناف مؤسس إذ كيف يمكن للقاضي أن يفرض تعديل اتفاقا باسم الأطراف و حيث أن هناك فشل في المفاوضات .

و عليه فإن بند إعادة التفاوض يبقى وسيلة للمحافظة على استمرار العقد و تنفيذه، فالأطراف بإدراجهم شروطًا في العقد لتوقع ظروف غير متوقعة أرادوا حماية مصالحهم عن طريق استخدام آليات تمكنهم من ذلك سواء أثناء إبرام العقد (بند التقييس)،  أو أثناء تنفيذه (بند إعادة التفاوض)، و رغبتهم في تنفيذ العقد بما يقتضيه حسن النية و النــــزاهـة و التعاون و العدالة.

 

 

المبحث الثاني : التعديل الإتفاقي و أثره على العقد.

تنص المادة 106 من القانون المدني الجزائري على أن: ” العقد شريعة المتعاقدين لا يجوز نقضه، ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين …” و بالتالي فقد أعطى المشرع الجزائري صراحة حرية تعديل العقد للأطراف لجعله يتماشى و التغيرات التي طرأت و حتى يحقق أفضل النتائج المرجوة منه.

 لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل أن هذه الحرية مطلقة،أم أن لها ضوابط وقيود لا بد من احترامها عند تعديلهم لعقدهم؟

 وهذا ما سنحاول دراسته في المطلب الأول لننتقل في مطلب ثان إلى أثر هذا التعديل على العقد.

المطلب الأول: حرية تعديل العقد والقيود الواردة عليها.

حرية تعديل العقد أمر مكرس فعلا في القانون المدني الجزائري ، لكن ليس المقصود بالتعديل لأجل التعديل فقط بل لابد من مبررات ودوافع ، من بينها المحافظة على العلاقة العقدية في حال وإن طرأت ظروف لا تخدم العقد بالحالة التي هو عليها، كما يجب أن يكون هذا التعديل أيضا بقصد إعادة التوازن الاقتصادي له باعتبار ذلك عنصرا أساسيا بالنسبة للأطراف، لكن ما مدى هذه الحرية؟ هل هي مطلقة و يكفي فيها اتفاق الأطراف على التعديل ،أم أن لها قيودا تحد من سلطتهم عند تعديلهم للعقد؟

الفرع الأول: حرية الأطراف في تعديل العقد.

يستمد الأطراف حق حرية التعديل من مبدأ سلطان الإرادة المكرس في المادة 106 من القانون المدني الجزائري، إذ لا يجوز لأي من المتعاقدين أن ينفرد بتعديل العقد، لأن هذا الأخير هو ثمرة اتفاق بين إرادتين، فلا يمكن تصور أن يحصل التعديل من جهة واحدة.           

قياسا على حرية الأطراف في إبرام ما يشاءون من تصرفات قانونية بما يتماشى ومصالحهم المشتركة دون المساس بالنظام العام ،وكذلك الشكلية إن اشترطها القانون فإن للأطراف كامل الحرية في تعديل عقدهم ،بأن تكون إرادتهم جادة للقيام بالتعديل .

وحرية التعديل حق مخول لأطراف العقد لتمكينهم من القيام بالتعديلات التي يرونها مناسبة لمضمون العقد. سواءا كانت مسائل جوهرية أو ثانوية، سيما إذا لم تتحقق مصالح الأطراف من إبرام العقد الأصلي، فهنا تتجه إرادتهم رغم اختلاف وتنوع الأسباب والظروف إلى تعديل العقد ، باتفاق الأطراف على تغيير عنصر أو عدة عناصر في العقد الأصلي. وهذا ما ذهبت إليه المحكمة العليا([13]) حين قضت بأنه ليس للمستخدم الإنفراد بتعديل شروط العقد إذ قضت:

“حيث أنه يتبين من الحكم المطعون فيه ووثائق الدعوى أن المطعون ضده رسم بموجب قرار تثبيت رقم 805/90 في منصب سائق آلة الصقل إبتداءا من تاريخ 21/02/1990، وتم تحويله إلى ورشة أخرى كعامل يدوي بسيط إبتداءا من تاريخ 29/05/1995 أين رفض ذلك.

حيث أنه من الثابت فقها و قضاءا أن التغيير في وظيفة العامل لا يتم إلا بناءا على الإرادة المشتركة للطرفين. و من ثمة فإن تطبيق قاضي الموضوع للمادة 63 من القانون 90/11 في محله.

حيث أن المستخدمة لم تثبت أن لها صلاحية التصرف فرديا في تعديل شروط العقد و تنفيذ علاقة العمل بناءا على عقد العمل أو النظام الداخلي أو الاتفاقية الجماعية خاصة و أن الأمر يتعلق بالتنزيل من سائق آلة إلى عامل بسيط مما يجعل الوجه في غير محله.”

إن ما انتهت إليه المحكمة العليا هو تأييد الحكم الذي أقر مبد أ عدم جواز تعديل العقد بالإرادة المنفردة فيما يخص علاقة العمل وهذا تطبيقا لنص المادة 63 من القانون 90/11 المتعلق بعلاقات العمل التي تنص على أنه ” يمكن تعديل شروط عقد العمل وطبيعته بناءا على الإرادة المشتركة للعامل و المستخدم مع مراعاة أحكام القانون”، وبمفهوم المخالفة للنص فإنه لا يجوز تعديل شروط عقد العمل أو طبيعته إلا باشتراك إرادتي كل من العامل و المستخدم.

و التعديل عامل لاستقرار الرابطة العقدية وحمايتها، كونه يسمح بالابتعاد عن إنهاء العقد أو عدم تنفيذه و بالتالي يضمن العلاقات القانونية فيجسد استمرار وبقاء العقد وكذا الابتعاد عن خطر إنهائه كالفسخ مثلا، ويكرس الأطراف حرية التعديل كلما اقتضت المصلحة المشتركة للمتعاقدين ذلك، ويكون بأن يعبر أحد الطرفين عن رغبته في تعديل العقد لذا يشترط في المتعاقد الذي يبدي إرادته في التعديل بأن تكون هذه الأخيرة صحيحة خالية من عيوب الإرادة المنصوص عنها في القواعد العامة من استغلال و تدليس وإكراه، فإن اعترت إرادة الطرف الذي أبدى رغبته في التعديل أحد العيوب المذكورة ،فأن التعديل هو من يخضع إلى قواعد الإبطال ولا يمكن أن يشمل ذلك العقد كله.

وهذا ما ذهب إليه المشرع الجزائري في أحكام المرسوم التشريعي المؤرخ في 01 مارس 1993 المتعلق بالنشاط العقاري، حينما اعتبر السعر تقديري و كيفيات مراجعته من مشتملات بيع العقار على التصاميم، ويقع تحت طائلة البطلان في حالة تخلفه ويقوم المتعامل في الترقية العقارية ببيع بناية أو جزء منها لأحد المشترين قبل إتمام الإنجاز طبقا لأحكام المادة 09 من المرسوم المذكور أعلاه ويلتزم فيه المتعامل في الترقية العقارية بتقديم ضمانات أما المشتري فيلتزم بتقديم تسبيقات وسلف و دفعات مجزئة طبقا للمادة 10 من نفس المرسوم.

أما فيما يتعلق بالسعر التقديري فقد ترك المشرع للأطراف الحرية الكاملة لتحديده، إلا أنه في حالة اعتراض التنفيذ ظروف اقتصادية صعبة كانهيار العملة أو ارتفاع الأسعار خاصة بالنسبة للمواد كثيرة الاستعمال و التي من شانها أن تؤثر على سعر التكلفة، يتدخل الأطراف لتعديل السعر التقديري بإدراج شروط تتضمن كيفية مراجعته، وهذا البند مذكور حرفيا في المادة 10 من المرسوم بنصها – السعر التقديري وكيفية مراجعته إن اقتضى الأمر- وذلك بالاتفاق على اختيار أرقام مرجعية تتناسب وتغيرات تكاليف مواد البناء.

كما أن هذه الفئة من القيود ذات أهمية اقتصادية كبيرة وليس من العدل أن يستأثر البائع بمراجعة السعر التقديري لوحده نظرا لحرفيته.

 ولأجل ذلك وجب على المشتري اللجوء إلى أشخاص ذوي خبرة في الميدان لمراجعة السعر مع البائع و يجب على الطرف الآخر الذي عرض عليه التعديل الرد سواءا بالقبول أو الرفض، فإذا كان الرد بالقبول تم التعديل(1)، أما إذا كان الرد بالرفض لأسباب واهية نكون أمام حالة تعسف في استعمال الحق، وهذا لا يمنع بأن يكون مقترح التعديل هو من تعسف في استعمال حقه إذا كان اقتراحه للتعديل غير مبرر، وبدافع خدمة مصالحه على حساب مصالح الطرف الآخر، وبهذا يكون قد أخل بأهم مبادئ تنفيذ العقد ألا وهو حسن النية كما نصت عليه المادة 107 من القانون المدني لذا وجب إلزاما فرض قيود على حرية الأطراف لتعديل عقدهم لتفادي أي تجاوز.

الفرع الثاني: القيود الواردة على حرية التعديل.

سبق القول أن ترك حرية أطراف العقد بدون قيود فيما يخص تعديل العقد ،من شأنه أن يعقد الأمور أكثر ،بأن يبدي أحدهما رغبة في التعديل فيتعرض الآخر بحجة استعماله بحقه، وكما هو معروف في مجال التصرفات القانونية و التي تخضع إلى أربعة مبادئ وهي: النظام العام الذي يشكل الإطار العام للعقد الأصلي الذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يخرج عنه فما بالك عند التعديل لذا فهو خارج عن دراستنا، أما المبدأ الثاني وهو التعسف في استعمال الحق، وهو أنه ليس لأي شخص أن يستعمل حقه بشكل يخرج عن العادة و بالأوجه التي ذكرتها المادة 128 مكرر من القانون المدني، و المبدأ الثالث هو مبدأ حسن النية و الرابع فهو الشكلية كركن فيها.

 

أولا: الكتابة

بعيدا عن اعتبار الكتابة وسيلة إثبات، فإن الكتابة المقصودة هنا هي تلك التي اعتبرها المشرع ركن انعقاد، كما هو الحال في بيع العقار و التصرفات الواردة على المحل التجاري ،فتعديل هذا النوع من العقود يخضع لنفس القواعد التي فرضها المشرع على العقد الأصلي.

 و هذا ما كرسته المحكمة العليا (1)بإلزامية ورود التعديل في شكل معين إذا كان العقد الأصلي يتطلبه، إذ قضت بنقض و إبطال القرار الصادر عن مجلس قضاء الجزائــر بتـاريخ 07 نـوفمبر 1994، و الذي أيـد الحكـم الابتدائي الصادر عن محكمة حسين داي في 14 نوفمبر 1993 الذي قضى بدفع مبلغ إضافي نظرا لتوسيع الأشغال المتفق عليها في العقد الأصلي، في حين كان لزوما على المقاول عند توسيع تلك الأشغال في وقت لاحق أن يدرجها كتابة في العقد الأصلي.

  ومن ثمة فإن قضاة الموضوع بقضائهم هذا خالفوا حكم القانون المنصوص عليه في المادة 561 من القانون المدني الجزائري بقولها ” إذا أبرم العقد بأجر جزافي ….. و يجب أن يحصل هذا الإتفاق كتابة إلا إذا كان العقد الأصلي ذاته قد أتفق عليه مشافهة …”.

لكن هذا القيد يؤخذ بتحفظ كبير ذلك أن نص المادة 561 من القانون المدني المذكور ضمن أحكام المقاولة ولم يرد في الأحكام العامة للعقد، لذا فإن نقطة الاستفهام تبقى عالقة فيما يخص نطاق مجال القيد، خاصة و أن الأمر تكرر في نص المادة 324 مكرر عندما أخضعت جملة من العقود إلى الكتابة الرسمية لتضيف في الأخير مسألة شكل تعديل عقد الشركة الذي يجب أن يكون مطابقا لشكل العقد التأسيسي، فهل يقتصر القيد على عقدي المقاولة و الشركة أم أن الأمر سيان بالنسبة لكافة العقود!؟

لقد ذهب البعض إلى التفرقة بين أمرين بفرض الكتابة عند التعديل إذا تعلق الأمر بمسائل جوهرية إذا كان العقد الأصلي يشترط ذلك. أما إذا كان العقد الأصلي لا يشترط الشكلية في المسائل الثانوية فإن التعديل إذا وقع عليها لا يشترطها أيضا.

ثانيا: التعسف في استعمال الحق

إن تعديل العقد حق منحه المشرع لأطرافه حتى يحينوا عقدهم بالشكل الذي يتماشى و المستجدات التي طرأت، و لهذا ليس لأحد الأطراف أن يستعمل حقه على نحو غير مشروع، ويكون ذلك حسب ما نصت عليه المادة 125 مكرر من القانون المدني الجزائري بقولها:

” يعتبر استعمال الحق تعسفيا في الأحوال التالية:

  • إذا وقع بقصد الإضرار بالغير.

  • إذا كان يرمى إلى الحصول على فائدة قليلة بالنسبة للضرر الناشئ للغير.

  • إذا كان الغرض منه الحصول على فائدة غير مشروعة.”

ومثالنا في ذلك المؤجر الذي يقترح رفع الأجرة رغم علمه المسبق بتجاوزه للدخل الشهري للمستأجر، متخذا بذلك وسيلة لإنهاء عقد الإيجار، والأمر نفسه بالنسبة للبائع في الترقية العقارية في عقد البيع على التصاميم، حين يرفع السعر إلى أضعاف المبلغ المتفق عليه بحجة وجود أشغال جديدة مما يترتب عنه ضرر للمشتري، متجاوزا بذلك الاعتبارات العادلة للعقد والمصالح المشتركة للأطراف.

ولتطبيق نظرية التعسف في استعمال الحق يكفي نية الإضرار بالغير دون الحاجة إلى عدم مشروعية المصالح التي يرمي صاحب الحق إلى تحقيقها أي أن تكون للمتعاقد المحجم عن التعديل أو مقترحه نية الإضرار بالمتعاقد معه. أو يحقق من وراء ذلك منفعة قليلة بالنظر إلى الضرر الذي قد يصيب الطرف الآخر.

وفي هذه الحالة للطرف المتضرر اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أصابه على أساس المادة 125 مكرر من القانون المدني باعتبارها صورة من صور الخطأ. وإحدى تطبيقات المادة 124 من القانون نفسه.

ثالثا: حسن النية

تنص المادة 107 من القانون المدني الجزائري على أنه يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه وبحسن نية، وحسن النية مبدأ قانوني يقتضي من المتعاقد أن يجتاز في تنفيذ العقد موجبات الأمانة و النزاهة في التعامل. وكذا تعاون الأطراف في تنفيذ العقد. ([14])

أما عند التعديل فتكون حسن النية بتعاون الطرفين عن طريق تقديم تسهيلات من أجل القيام بالتعديل. بأن تجمعهما الجدية في إعادة تنظيم الرابطة العقدية وذلك بما تقتضيه متطلبات العقد وحاجاته.

وفي حالة رفض أحد المتعاقدين للتعديل رغم إمكانيته، يكون بذلك سيء النية، وسوء النية يفسد كل شيء حتى التعديل.

رابعا: أن يبقي التعديل على العقد الأصلي

 إن التعديل الذي يمس العقد دون أن يخلق عقدا آخر أمر لا بد من توافره فالتعديل الذي يغير مراكز المتعاقدين أو يزيل الالتزامات و الحقوق الأصلية للعقد مع خلق التزامات جديدة لا يعتبر تعديلا بل هو عقد جديد له سبب ومحل ، وبالطبع إرادة غير التي كانت في العقد الأول.

والمهم في التعديل هو المحافظة على استمرار و استقرار الرابطة العقدية الأصلية. فالتغيير في محل وسبب العقد يؤدي إلى التغيير في الطبيعة القانونية للتصرف أي التغيير في التكييف القانوني للعقد من عقد إيجار إلى عقد عارية بإلغاء بدلات الإيجار مثلا. فنكون أمام نشأة عقد جديد وليس تعديل في العقد الأصلي. ([15])

وعليه فإن حرية التعديل هي حق يمكن الأطراف من تعديل العقد كلما تعرض إلى اختلال في التوازن الاقتصادي أو أصبح بالصيغة التي هو عليها لا يخدم المصلحة المشتركة للطرفين وبغية إعادة تنظيمه. إلا أن هذا الحق ليس مطلقا بل هو مقيد بمبدأ حسن النية وعدم التعسف في استعمال الحق و الكتابة. وعدم الخروج عن العقد الأصلي.

        المطلب الثاني : أثر حرية التعديل على مصير العقد.

إذا كان التعديل إجراءً وقائيا يحمي العقد من مخاطر الفسخ و عدم التنفيذ، فإن حرية الأطراف في تغيير عناصر العقد الأصلي سواء بالزيادة أو الإنقاص أو الحذف يترتب عليه تغيير في مضمون العقد مع بقائه  ، مما يدفعنا إلى التساؤل عن مصير العقد الأصلي.

الفرع الأول : الإبقاء على الشروط الجوهرية.

رغم التغييرات التي قد ترد على عناصر العقد، إلا أنها لا تؤثر في جوهر العقد و من ثم استمراره، و ذلك في حالتين، حالة بقاء الشروط الجوهرية للعقد، و حالة بقاء الشروط الثانوية

تعتبر العناصر الجوهرية شروطا عامة مطلوبة لصحة العقد لا يتم إبرام العقد بدونها.([16])

فإذا تم استبدال محل العقد الأصلي بمحل آخر جديد مماثل له دون التأثير على المحل الأصلي، فهذا الاستبدال المماثل هو الذي يحافظ على الرابطة القانونية([17]). و غالبا ما نجد ذلك في حالة اتفاق الأطراف على استبدال المحل الأصلي بمحل جديد، و مثال ذلك في حالة استبدال الشيء المبيع بشيء آخر و دون اللجوء إلى مناقشة ثمن الشيء المبيع([18])، رغم أن الثمن يعد ركنا من أركان عقد البيع، و هو المبلغ الذي يتعهد بمقتضاه المشتري أن يدفعه للبائع مقابل الشيء المبيع، و هو عبارة عن القيمة التي يقدّر المتعاقدان بها المبيع و لا يشترط أن يكون معادلاً للقيمة الحقيقية أو التجارية.([19])

و بالتالي نجد أنفسنا أمام نفس الثمن الذي تم الاتفاق عليه أثناء إبرام العقد الأصلي، أي أمام عقد البيع الأصلي نفسه مما يؤدي إلى بقائه.

الفرع الثاني : الإبقاء على الشروط الثانوية للعقد.

إن استمرار الرابطة العقدية يترتب عليها ضمان عدم المساس بلواحق العقد،  سيما إن كانت من عمل الأطراف.

فإذا كانت التأمينات المقدمة من قبل الغير فإنها تختفي في حالة التعديل ليس بسبب انقضاء الرابطة القانونية، و لكن لكونها لا تتعلق بالمتعاقدين،([20]) فمثلا التأمينات التي قدمها شخص آخر غير المستأجر، وهو الكفيل العيني إذا كان قد قدم رهنا رسميا أو حيازيا، أو الكفيل الشخصي إذا لم يكن قد قدم تأمينا عينيا فلا يمكن أن يحتج عليه بعمل صدر من المستأجر لأن المادة 509 من التقنين المدني الجزائري، قد اشترطت صراحة موافقة الكفيل العيني أو الكفيل الشخصي لانتقال التأمين إلى الإيجار الجديد.

أما إذا قام أحد الأطراف بتقديم التأمين فهذا الأخير يبقى مبدئيًا إذ أن التعديل يفرض على كل من وافق عليه، و أن الرابطة القانونية التي بمقتضاها يتم تأييد التأمين تبقى قائمة.([21])

فإذا رجعنا إلى التفرقة بين النظام القانوني للعقد المعدل و التجديد، فإن لواحق العقد في الحالة الأولى تستمر تلقائيا، أما في الحالة الثانية، فإنها تختفي بسبب انقضاء العقد.([22])

أي أن الملحقات لا تنتقل إلى الالتزام الجديد في حالة التجديد، إلاّ إذا نص عليها القانون أو تم الاتفاق عليها من قبل الأطراف طبقا لأحكام المادة 291 من التقنين المدني الجزائري([23])، فمثلا المشرع الجزائري قد خالف القاعدة التي تفترض انقضاء التأمينات التي قدمها المستأجر في الإيجار القديم، بانقضاء هذا الإيجار تطبيقا لفكرة التبعية، فتنقضي التأمينات بانقضاء الدين المضمون، فالمشرع نص على انتقال التأمينات العينية إلى الإيجار الجديد في حالة تجديد الإيجار الضمني طبقا لأحكام المادة 509 من التقنين المدني الجزائري، مع تقييد انتقال التأمينات العينية التي قدمها المستأجر بقواعد الشهر العقاري.

ويراد بذلك أنه على المؤجر أن يقوم بإجراء قيد جديد للرهن الرسمي أو الرهن الحيازي بحسب مرتبته من تاريخ إجراءه وليس من تاريخ القيد الأول، حتى لا يترتب على انتقال التأمينات على هذا الوجه إضرارا بحقوق الغير الذي شهر حقه في الفترة بين قيد الرهن القديم وإجراء القيد الجديد. ([24])

أما الملحقات التي تم إدراجها من قبل الأطراف في العقد الأصلي فتبقى مستمرة أثناء تعديله، و ذلك بسبب استمرار الرابطة العقدية.

و عليه فإن مضمون العقد لم يتعرض للتغيير في الحالتين السابقتين، مما يترتب عليه بقاء العقد الأصلي كما تم اشتراطه من قبل.

و ختاما لفصلنا هذا نخلص إلى القول أن تعديل العقد الهدف منه إعادة تنظيم الرابطة العقدية بما يتماشى و المصلحة المشتركة للطرفين و كذا المستجدات التي من شأنها التأثير على الهدف المرجو منه ،و ذلك بإدراج آليات يتم الاتفاق عليها مسبقا في العقد أو في مرحلة تنفيذه .

كما أن للأطراف الحرية في التعديل مع الحفاظ على المبادئ المقررة بالنسبة للتصرفات القانونية من شكلية و عدم تعسف في استعمال الحق و حسن النية هذا كله دون الخروج عن المضمون الأصلي للعقد.

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني : سلطة القاضي في  تعديل العقد.

سبق القول انه طبقا للقوة الملزمة للعقد فإنه لا يجوز تعديله أو نقضه إلا باتفاق أطرافه،أي أنه لا يجوز للقاضي تعديل العقد أو إنهائه ،غير أن المشرع نظرا لاعتبارات العدالة و الصالح العام منح للقاضي في بعض الحالات استثناءا على القاعدة العامة سلطة تعديل العقد أو إنهائه .

و سلطة القاضي في تعديل العقد تعتبر من الموضوعات التي تكتسي أهمية خاصة في فقه القانون المدني ،و قد أثارت و لازالت تثير الكثير من الجدل و النقاش باعتبارها في رأي معارضيها تعد انتقاصا للحرية التعاقدية إذ أنها تشكل قيدا على حرية الأفراد في تعاقداتهم و سببا يؤدي الى عدم استقرار المعاملات المدنية .

وسلطة القاضي في تعديل العقد جاءت وليدة تطور التشريع و القضاء و فقه القانون و فلسفته ،فبعد سيطرة مبدأ سلطان الإرادة حدثت عوامل التطور الاقتصادي و الإجتماعي و السياسي التي أبرزت مخاطر الأخذ بالمبدأ على إطلاقه و ما يؤدي إليه من خلل في توازن العلاقات التعاقدية ،لذلك حرصت التشريعات الحديثة على إسناد للقاضي دور ايجابي في مجال المعاملات و أصبح ذو سلطة في حماية حقوق الأفراد و مصالح المجتمع يراقب العقد منذ نشأته حتى انتهائه.

 و منه يمكننا التساؤل ما هي الحالات التي يجوز فيها للقاضي تعديل العقد ؟ ،  و ما هي وسائل تعديل العقد و القيود الواردة عليه ؟ .

 

 

 

 

 

 

المبحث الأوّل : سلطة القاضي في مرحلة تكوين العقد.

سوف نحاول من خلال عرضنا لهذا المبحث تحديد الحالات التي بمقتضاها منح المشرع الجزائري للقاضي سلطة التعديل في مرحلة تكوين العقد ، و التي ستقتصر معالجتها على ثلاث حالات :

       الأولى :  سلطة القاضي في التعديل لرفع الغبن  .

       الثانية : سلطته في تعديل الشروط التعسفية لعقد الإذعان .

       والثالثة: نظرية تحول العقد و إنقاصه

 

المطلب الأول: سلطة القاضي في تعديل العقد للاستغلال.

قبل ذلك لابد من تحديد مفهوم الغبن و تمييزه عن الإستغلال .

الفرع الأول : الغبن و الإستغلال.

الغبن هو المظهر المادي للإستغلال ،و هو عدم التعادل بين ما يأخذه المتعاقد وما يعطيه وبمعنى آخر هو الخسارة التي تلحق أحد العاقدين .

و الغبن لا يتصور إلا في عقود المعاوضة و بذلك خرجت التبرعات و العقود الاحتمالية ،فهذه الأخيرة طبيعتها أن يقع الغبن على أحد العاقدين،كما أن عقود التبرع تقوم على إعطاء شيء دون مقابل، لذلك لا يثار عدم التعادل بين الأداءات. )[25]( 

و العبرة بتقدير وجود الغبن هو وقت تكوين العقد، ولا يعتد بالغبن إلا إذا كان فاحشا .

و قد تطورت نظرية الغبن المادية إلى نظرية الاستغلال النفسية ،فإلى جانب عدم التعادل في الأداءات يقوم عنصر نفسي هو استغلال ضعف في نفس المتعاقد قد يكون طيشا بينا أو هوى جامح.

و نجد أن أغلب التشريعات الحديثة أخذت بنظرية الاستغلال إلى جانب الاحتفاظ بنظرية الغبن في حالات محددة ومن ذلك المشرع الجزائري الذي أخذ بالاستغلال كعيب من عيوب الارادة في المادة 90 من القانون المدني ،و احتفظ بالتطبيقات التقليدية للغبن و ذلك بنص المادة 91 قانون مدني التي تنص على أنه يراعى في تطبيق أحكام المادة 90 عدم الاخلال بالأحكام الخاصة بالغبن في بعض العقود و هي واردة على سبيل الحصر في نصوص متفرقة و مبعثرة و لا يجوز التوسع فيها .

إذن  نميز بين مفهومين :

*الغبن المجرد:الذي يؤسس على عدم التوازن بين الأداءات المتقابلة في العقد ،و هو عيب في العقد ذاته مستقل عن عيوب الرضا المتمثلة في الغلط و الاكراه و التدليس. )[26](

و درجة الاختلال في التعادل ينظر إليها نظرة مادية، فهي درجة محددة كالخمس أو الربع أو النصف..الخ

و العقد غير العادل يصطدم بفكرة النظام العام ،فطالما اتضح وجود غبن في العقد فالقاضي لا يملك التدخل في تعديله و انما كل ما يملك هو ابطال العقد إذا لم يكمل الثمن بما يرفع الغبن .

وقد أخذ المشرع الجزائري بالغبن المجرد و لكن حصر تأثيره على عقود معينة و حالات محددة على سبيل الحصر و هي: حالة بيع عقار بغبن يزيد عن الخمس المادة 358 من القانون المدني الجزائري، القسمة الرضائية المادة 732 مدني، شرط الأسد المادتين 420،426 مدني جزائري، أجر الوكيل طبقا للمادة 581 فقرة 2 مدني جزائري، الشرط الجزائي 584 من القانون المدني.

 في جميع هذه الحالات يكون تقدير الغبن بالمعيار المادي الموضوعي لا الشخصي كما هو الحال في الاستغلال ،و يكون الجزاء إما إبطال العقد أو تكملة الثمن و لا تظهر أي سلطة للقاضي في تعديل العقد في هذه الحالة .

*الغبن الإستغلالي:

الاستغلال هو أن يستغل شخص طيشا بينا أو هوى جامح في آخر لكي يبرم تصرفا يؤدي إلى غبن فادح به.

و الاستغلال هو مظهر من مظاهر عيوب الرضا ،و اختلال التوازن بين الاداءات المتقابلة في العقد لا تحدد برقم معين يجب أن يصل إليه بل تترك لظروف كل حالة على حدى، و يستقل قاضي الموضوع بتقدير عنصري الاستغلال(المادي و النفسي)دون رقابة من المحكمة العليا.

و قد نص المشرع الجزائري على الاستغلال في المادة 90 من القانون المدني، و يتبين من هذا النص أن للاستغلال عنصرين:

_العنصر المادي أو الموضوعي:و هو اختلال التعادل الفادح كون أن التزامات أحد المتعاقدين لا يتعادل البتة مع ما حصل عليه من فائدة أو مع التزامات المتعاقد الآخر .

_العنصر النفسي أو المعنوي:هو أن يستغل المتعاقد لآخر في المغبون طيشا بينا أو هوى جامح ([27])

و الطيش هو الخفة التي تتضمن التسرع و سوء التقدير ،أما الهوى فهو الميل الذي يتضمن غلبة العاطفة و ضعف الارادة التي تجعله غير قادر على الحكم على تصرفات معينة و هو الانسياق وراء ما تشتهيه النفس دون التبصر بما ينتهي إليه المصير .

و لا يكف الطيش البين أو الهوى الجامح بل لابد أن يستغل الطرف الآخر هذا الضعف لحمل المتعاقد على إبرام التصرف الذي أدى إلى غبنه،و الاستغلال يلحق عقود المعاوضات  و عقود الغرر(العقود الاحتمالية)و عقود التبرع،و هذه الأخيرة هي المجال الكبير لإعمال نظرية الاستغلال.

و مجال تدخل القاضي في التعديل هو الغبن الاستغلالي، فعليه أن يتأكد من توافر عناصر الاستغلال ثم يقوم برفع الغبن عن المتعاقد المغبون،و سنتناول مدى سلطة القاضي في رفع الغبن في الفرع الثاني.

الفرع الثاني:مدى سلطة القاضي في رفع الغبن.

          بعد تأكد القاضي من توافر عناصر الاستغلال فله إما أن يقضي بإبطال العقد أو إنقاص إلتزامات المتعاقد المغبون،و الاختيار بين دعوى الإنقاص و الإبطال متروكة لتقدير المغبون.

1ـإذا رفع المغبون دعوى الإبطال جاز للقاضي أن يجيبه إلى طلبه أو يقوم بإنقاص التزامات المغبون إلى الحد الذي يراه كافيا لرفع الغبن عنه و هذا إذا رأى أن المغبون كان يقبل بشروط أقل كلفة،و هي مسألة متروكة لسلطة القاضي.

و تجدر الإشارة إلى أن هذا الرأي مردود عليه من قبل فقهاء قانون الإجراءات المدنية ،كون أن القاضي لا يحكم بأكثر مما طلب منه،و إذا فعل ذلك كان حكمه قابلا للطعن فيه بطريق إلتماس إعادة النظر طبقا للمادة 194 من قانون الاجراءات المدنية الجزائري.وبذلك إذا رفع المغبون دعوى الإبطال فالقاضي يحكم بالإبطال أو لا يحكم به فحسب .

          2_إذا طلب المغبون الإنقاص فلا يملك القاضي الحكم بالابطال لأنه يعتبر قد قضى بأكثر مما طلبه المدعي ،كما أن الإبطال لا يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها بل لابد من تقديم طلب من ذي مصلحة .

و ليس للقاضي أن يزيد إلتزامات الطرف الغابن لأن القانون لم يخوله هذه السلطة كما أن الطرف المغبون ليس له أن يطلب زيادة إلتزامات الطرف الآخر لأن ذلك مخالف لنص القانون.

وقد أجازت المادة 90  للطرف الغابن أن يتوقى دعوى الإبطال التي يرفعها المغبون إذا عرض زيادة في إلتزاماته بالقدر الذي يراه القاضي كافيا لرفع الغبن ،و هنا يقدر القاضي مقدار الزيادة التي لا يشترط أن تجعل الثمن معادلا لقيمة الشيء بل يكفي أن يصير الغبن يسيرا لا فاحشا. ([28])

و يجب أن ترفع دعوى الإبطال أو إنقاص الالتزامات خلال سنة من إبرام العقد و إلا كانت غير مقبولة.

 

المطلب الثاني: سلطة القاضي في تعديل الشروط التعسفية    لعقود الإذعان.

قبل الخوض في الحديث عن سلطة القاضي في التعديل علينا تحديد مفهوم عقد الإذعان حسب ما توصل إليه الفقه الحديث .

الفرع الأول :مفهوم عقد الإذعان .

لا يوجد تعريف محدد لعقد الإذعان ،غير أن أبرز تعريف فقهي يمكن الاعتماد عليه  هو ما توصل إليه

أستاذنا الدكتور عبد المنعم فرج الصدة بأن(عقد الإذعان هو العقد الذي يسلم فيه القابل بشروط مقررة يضعها الموجب ولا يقبل مناقشة فيها و ذلك فيما يتعلق بسلعة أو مرفق ضروري يكون محل احتكار قانوني أو فعلي أو تكون المنافسة محدودة النطاق في شأنها.

و لعل أهم ما يميز عقود الإذعان هو تعلق العقد بسلعة أو مرفق أو خدمة ضرورية للجمهور و يكون محل العقد هذا مرهون بسيطرة جهة واحدة أو عدة جهات ،بحيث تقل فيها المنافسة على نحو يجعل من هذه الجهة تضمن عقودها شروطا تحقق مصالحها دون أن تعتد بمصالح الجمهور و ذلك نتيجة احتكار السلعة أو الخدمة . )[29](

و القانون الفرنسي يطلق على عقود الإذعان عقود الانضمام ،لأن من يقبل العقد إنما ينضم إليه دون مناقشة ،و قد أطلق أستاذنا السنهوري على هذا النوع من العقود عقود الإذعان و هي أصح من التسمية السابقة لأن الإذعان يدل على الاضطرار في القبول ،لكن الانضمام أوسع من الإذعان ،إذ يشمل عقد الإذعان و كافة العقود الأخرى التي ينضم إليها القابل دون مناقشة . )[30](

كما تتميز عقود الإذعان بعدم وجود اتفاق مسبق أو مساومة سواء من أحد أطرافه أو من الغير بل أن محتوى العقد و مضمونه كان بإرادة منفردة ،هذه الإرادة لا يعوزها سوى انضمام إرادة أخرى و هي إرادة القابل التي لا نستطيع إهمالها كونها تساهم مساهمة فعالة لإعطاء الفعالية القانونية في إثبات وصف العقد على هذه الفئة .

و تجدر الإشارة إلى أن أغلب التشريعات العربية تعرضت إلى عقد الإذعان دون وضع تعريف له ،من ذلك المشرع الجزائري في المادة 70 من القانون المدني الذي أورد كيفية حصول القبول فيها بقوله “يحصل القبول في عقود الإذعان بمجرد التسليم بشروط مقررة يضعها الموجب و لا يقبل مناقشة فيها “

و بمعنى أدق أن التعاقد في عقود الإذعان يتم بناءا على إيجاب يصدر من مقدم السلعة أو الخدمة ثم قبول الطرف المذعن الذي يتم برضوخه للشروط التي وضعها مقدم الخدمة أو السلعة دون مناقشة ،لأن الموجب وحده هو الذي يحتكر توريد السلعة أو الخدمة أو أن عرضه أفضل أو لغير ذلك .  )[31](

و عقود الإذعان لا تقتصر على العقود المكتوبة و إنما يلحق وصف الإذعان حتى العقود الشفوية،لكن نظرا لأهمية و حجم المعاملات التي يقع عليها و مدتها فإنه غالبا ما يكون مكتوبا يعده المحترف سلفا و يعرضه على زبائنه ،أو تعده هيئة أو منظمة مهنية لاستخدامه من قبل أعضائها،و يتضمن هذا العقد شروطا عامة ترد في قائمة ترفق مع العقد الذي يحيل إليها صراحة أو ضمنا .

كما يتخذ صورة عقد نموذجي مكتوب تتضمنه وثائق مطبوعة يوقع عليها المستهلك ،و قد يتخذ صورة إعلانات أو ملصقات أو مطبوعات توضع في محلات استقبال الجمهور كما هو الحال بالنسبة لشركات التأمين .

و هكذا فالقاسم المشترك بينها هو وجود نص مكتوب مسبقا من قبل محترف، يتوجه بفرضه على مجموعة من الأفراد. )[32](

الفرع الثاني :الطبيعة القانونية لعقد الإذعان.

انقسم الرأي بشأن ذلك إلى اتجاهين:

الأول:ذهب إلى القول بأنه عبارة عن مركز قانوني منظم تنشئه إرادة منفردة يصدرها الموجب فتكون بمثابة قانون أو لائحة ،مما يبعد وصف العقد عنه لما يفترض في هذا الأخير من التساوي بين أطرافه و كذا حرية إبرامه، في حين أنه لا توجد فيه مساواة و لا مشاركة للطرفين في وضع الشروط و إعدادها.

الثاني:و القائل بالصفة التعاقدية لعقد الإذعان على أساس أن كل تصرف يتم بإرادتين هو عقد و لو لم يكن طرفاه متساويين في القوة من الناحية الاقتصادية، و أنه مهما بلغ الضغط الذي يمليه الطرف القوي على الطرف المذعن فإنه لا يعدم الرضا أو يفسده ،و بالتالي فالقبول في عقد لإذعان قبول صحيح ينعقد عند اقترانه بالإيجاب عقد صحيح و حقيقي استنادا إلى مبدأ سلطان الإرادة .

فالقانون لا يشترط لقيام العقد أن تجري المساومة بين طرفيه في مضمونه قبل إبرامه و لا أن تتحقق بينهما المساواة الاجتماعية  و الاقتصادية. )[33](                                                                                            

      

     الفرع الثالث : دور القاضي إزاء عقود الإذعان .

حسب القواعد العامة فإن دور القاضي يقتصر بالنسبة للعقود على مجرد تفسيرها بغية إعمال حكم القانون عليها ، و خروجا عن هذه القاعدة و لتوفير الحماية للطرف المذعن في عقود الإذعان اعترف القانون بسلطة إستثنائية للقاضي بموجب المادة 110 من القانون المدني الجزائري تتيح له إما تعديل الشروط الواردة في

العقد أو إعفاء الطرف المذعن منها و الوسيلة الثانية خاصة بتفسير هذا العقد .

لذلك سنتناول دور القاضي في نقطتين:

أولا: فيما يتعلق بالشروط التعسفية التي يتضمنها العقد .

        نصت المادة 110 من القانون المدني على أنه :”إذا تم العقد بطريق الاذعان و كان يتضمن شروطا تعسفية جاز للقاضي أن يعدل هذه الشروط أو أن يعفي الطرف المذعن منها و ذلك وفقا لما تقضي به العدالة ، ويقع باطلا كل إتفاق على خلاف ذلك .”

فيكون للقاضي وفقا للمادة أعلاه سلطة استثنائية لرفع الظلم عن الطرف الضعيف على خلاف القاعدة العامة و هي أن العقد شريعة المتعاقدين . )[34](                                            

فله أن يعدل الشروط التعسفية التي تتضمنها عقود الإذعان أو يعفي الطرف المذعن منها و ذلك وفقا لما تقتضيه العدالة، و للقاضي تقدير ما إذا كان البند تعسفيا فيعدله أو يلغيه أو ليس تعسفيا فيبقي عليه. )[35](   

و قد حاول بعض الفقهاء تعريف الشرط التعسفي بأنه :”الشرط الذي يورده المحترف في تعاقده مع المستهلك و الذي يؤدي إعماله إلى عدم التوازن الفاحش بين حقوق و إلتزامات الطرفين و هو يقدر وقت إبرام العقد بالرجوع إلى ظروف التعاقد و موضوعه و حالة طرفيه وفقا لما تقضي به العدالة “. )[36](   

          و يبرر هذه السلطة الواسعة الممنوحة للقاضي من جانب المشرع على خلاف المباديء العامة في أثر القوة الملزمة للعقد ،الخصوصية التي ينفرد بها عقد الاذعان و هي وقوع أحد طرفيه تحت رحمة الطرف الآخر التي أدت ببعض الفقهاء في فرنسا إلى إنكار صفة العقد عليه .

          و على حد قول أستاذنا السنهوري :”أن هذا النص في عمومه و شموله أداة قوية في يد القاضي يحمي بها المستهلك من الشروط التعسفية التي تفرضها عليه شركات الاحتكار ، و القاضي هو من يملك حق تقدير ما إذا كان الشرط تعسفيا ، فإذا كشف شرطا تعسفيا في عقد الاذعان فله أن يعدله بما يزيل أثر التعسف ، بل أن له أن يلغيه و يعفي الطرف المذعن منه ، و لم يرسم له المشرع حدودا في ذلك إلا ما تقتضيه العدالة ، و لا يجوز للمتعاقدين أن ينزعا من القاضي سلطته هذه باتفاق خاص على ذلك لأن هذا الإتفاق يكون باطلا لمخالفته للنظام العام ..” )[37](

و عليه تكمن سلطة القاضي في حالة الشروط التعسفية المرهقة للطرف المذعن في تعديل هذه الشروط أو إلغائها و إعفاء الطرف المذعن منها .

 فيقوم القاضي  بالتعديل بالوسيلة التي يراها ملائمة:

* قد تكون الشروط متعلقة بالمقابل الذي يفرض على الطرف المذعن نظير الخدمة التي سيؤديها عن عقد العمل أو الثمن في عقد البيع أو القيمة الإيجارية في عقد الإيجار مما يجعلها شروطا جوهرية في العقد يصعب الإعفاء منها دون المساس بالعقد ذاته  فتكون وسيلة التعديل هي أنسب الوسائل لرفع الإجحاف و الضرر عن المغبون .

* قد يتعلق التعديل بالإنقاص ،بحيث يتحقق من خلال ذلك إزالة المظهر التعسفي للشرط بما يحقق الغرض أو الهدف الذي يتوخاه المشرع من منح القاضي مثل هذه السلطة ، و هو التوازن بين الأداءات المتبادلة في العقد .

* قد يرد الشرط موضع الطعن في صورة شرط جزائي مبالغ في تقديره فيتدخل القاضي لتعديله أو إعفاء الطرف المذعن منه .

          و يلجأ القاضي إلى الإعفاء عندما يقرر أن تعديل الشرط بالتخفيف من الالتزام المقابل غير مجدي في إزالة التعسف _مثل الشرط المتعلق بعدم المسؤولية في عقد النقل_و ذلك في الحالة التي يكون فيها الشرط نفسه هو مظهر التعسف في العقد ، و لا تتحقق العدالة إلا بإعفاء الطرف المذعن منه .

و تجدر الإشارة إلى أن الاتفاق على سلب القاضي سلطة تعديل أو إلغاء بعض الشروط التي يراها تعسفية يقع باطلا ،فمن حق الطرف المذعن أو المستهلك  اللجوء إلى القضاء و تعديل الشروط التعسفية أو الإعفاء منها و هو حق يتعلق بالنظام العام .

          و في الأخير نخلص إلى القول أن المشرع خص عقود الإذعان بحكم خطير عن طريق منح القاضي سلطة تعديل الشرط التعسفي أو الإعفاء منه كلية إذا اقتضت العدالة ذلك ،في حين أن مهمته وفقا للقواعد العامة تقتصر على مجرد تفسير العقود بغية إعمال حكم القانون فيها .

ثانيا: تفسير عقود الاذعان .

          بالرجوع إلى المادتين 111و 112 من القانون المدني الجزائري، يتبين وجوب التفرقة فيما يتعلق بتفسير العقد بين حالات ثلاث و هي :

_ حالة وضوح عبارة النص و هنا لا يجوز الانحراف عن هذه العبارة الواضحة عن طريق التفسير أو التأويل.

_ حالة غموض عبارة النص، هنا يتعين اللجوء إلى التفسير مع الاسترشاد في ذلك بطبيعة التعامل و الأمانة و الثقة و عرف المعاملات.

_ حالة الشك في التعرف على الإرادة المشتركة للمتعاقدين، هنا يفسر الشك لمصلحة المدين على أساس أن الأصل هو براءة الذمة. )[38](

غير أن المشرع خرج عن هذه القاعدة بنصه في الفقرة الثانية من المادة 112 مدني على أن القاضي يفسر الشروط أو العبارات الغامضة دائما لمصلحة الطرف الضعيف المذعن دائنا كان أو مدينا. )[39]( فالإبهام الذي يكتنف بعض عقود الإذعان ليس وليد الصدفة أو الرعونة بل يكون متعمدا في أحيان كثيرة، يسمح للمتعاقد القوي بتمرير اشتراطات معينة تحت ستار سحابة من الغموض و الإبهام، فلو كانت واضحة لأحجم المتعاقد الآخر عن التعاقد.

و بمعنى آخر يفترض أن المتعاقد القوي تتوافر لديه من الوسائل ما يمكنه أن يفرض على المذعن عند التعاقد شروطا واضحة بينة ، فإذا لم يفعل ذلك أخذ بخطئه و تقصيره و حمل تبعته لأنه يعتبر متسببا في هذا الغموض.

          فالقانون اعترف للقضاء بسلطة تفسير الشروط الغامضة أو المبهمة، إذ نصت المادة 111/2 من القانون المدني على أنه:( إذا كان هناك محل لتأويل العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ..)

و تضع المادة بين يدي القاضي وسائل يستهدي بها للكشف عن إبهام عبارة العقد بحثا عن النية المشتركة للمتعاقدين في أعماق الإرادة الباطنة إذا تعذر عليه ذلك من الإرادة الظاهرة ،منها ما ذكرها النص على سبيل المثال و هي : طبيعة التعامل، الأمانة و الثقة وفقا للعرف الجاري في المعاملات ، و منها ما استخلصه الفقه من نصوص القانون المدني الفرنسي و يضاف لها ما اكتشفته المحاكم ذاتها من وسائل من ذلك تغليب الشروط الخاصة على الشروط العامة في حالة التناقض ، و الشروط المخطوطة على الشروط المطبوعة أو المرقونة .

          نخلص إلى القول أن القاضي في تفسير العقد الغامض يأخذ بالنية المشتركة للمتعاقدين و يستخلصها عن طريق معايير موضوعية تمكنه، فلا هو يأخذ بالإرادة الظاهرة المحضة و لا هو يأخذ بالإرادة الباطنة المحضة و إنما يأخذ بالإرادة الباطنة التي يستطيع التعرف عليها.

 

 

 

 

 

المطلب الثالث: نظرية تحول العقد و إنقاصه                          قد لا يجتمع للعقد كامل أركانه مستوفية لشروطها فيكون الجزاء القانوني هو البطلان، و نميز بين نوعين للبطلان : بطلان مطلق و بطلان نسبي .

العقد الباطل بطلان نسبي أو كما أطلق عليه المشرع الجزائري العقد القابل للإبطال هو العقد الذي يقوم مستوفيا لكامل أركانه ،غاية ما في الأمر أن ركن الرضا شابه عيب من عيوب الإرادة:غلط ،إكراه ، تدليس أو إستغلال  .

هذا العقد قد يكون مآله عقدا صحيحا إذا لحقته الإجازة أو ورد عليه التقادم أو يصبح باطلا بطلانا مطلقا إذا تقرر إبطاله ،فالبطلان النسبي غير مستقل عن البطلان المطلق و إنما يعبر عن حالة عقد يمر على مرحلتين (الأولى عقد له وجود قانوني و منتج لآثاره ،و الثانية إما زوال البطلان بالإجازة أو التقادم و إما تقرير بطلان العقد)فيؤول أمره في النهاية إلى الصحة التامة أو البطلان المطلق.

و البطلان المطلق يكون في حالة انعدام ركن من أركان العقد (الرضا، المحل، السبب، الشكلية في العقود الشكلية )، و انعدام الركن هو اختلال شرط من شروطه.

و البطلان تمليه طبيعة الأشياء أو يفرضه القانون حماية لمصلحة عامة، و العقد الباطل منعدم لا ينتج أثرا و يجوز لكل ذي مصلحة أن يتمسك به و للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها و لا تصح إجازته و لا يرد عليه التقادم.

و إذا كان الرضا معيبا غير صحيح هنا يقوم العقد مستوفيا لأركانه و تترتب عليه آثاره و يبقى من حق المتعاقد الذي صدر منه رضا معيب أن يطلب الحماية و ذلك بطلب إبطال العقد كما أن له أن يجيزه ،و إذا سكت مدة معينة سقط حقه في إبطال العقد للتقادم ،ذلك أن الحق في إبطال العقد قرره القانون لحماية مصلحة المتعاقد الخاصة لا لحماية المصلحة العامة .      

و من أهم الآثار العرضية:نظرية تحول و انتقاص العقد و نظرية الخطأ عند تكوين العقد،هذه الأخيرة لم يأخذ بها المشرع .

الفرع الأول:نظرية انتقاص العقد.

في هذه الحالة نكون بصدد بطلان جزئي للعقد كبطلان شرط في العقد ،و عندئذ يقتصر أثر البطلان على هذا الشرط و يبقى العقد صحيحا و إذا اتضح أن تجزئة العقد على هذا النحو تتعارض مع مقصود العاقدين فإن العقد كله يبطل ، مثال ذلك هبة مقترنة بشرط غير مشروع فتصح الهبة و يبطل الشرط ما لم يكن هذا الشرط هو الدافع إلى التبرع فتبطل الهبة كلها.

و قد صاغ المشرع الجزائري نظرية الإنقاص في المادة 104 من القانون المدني:” إذا كان العقد في شق منه باطلا أو قابلا للإبطال، فهذا الشق وحده هو الذي يبطل إلا إذا تبين أن العقد ما كان ليتم بغير الشق الذي وقع باطلا أو قابلا للإبطال فيبطل العقد كله.”

و بالتالي فشروط انتقاص العقد تتمثل فيما يلي:

1_أن يكون العقد باطلا في أحد أجزائه دون الأجزاء الأخرى لأنه لو كان باطلا في جميع أجزائه لما كان هناك وجه لانتقاصه لأن أي جزء قد يبقى بعد الانتقاص يكون باطلا، و بذلك فالعقد المنتقص ينتج أثرا أصليا لا عرضيا باعتباره تصرفا قانونيا لا واقعة مادية ،غير أنه لا ينتج أثرا أصليا كاملا.

2_أن يكون هذا العقد قابلا للتجزئة فإذا كان غير قابل لها بأن تبين أن العقد ما كان ليتم بغير شقه الباطل بمعنى أن هذا الشق الباطل هو الباعث الدافع الى التعاقد أي لولاه لما أبرم المتعاقدان العقد فإن العقد يبطل بأكمله و لا يجوز انتقاصه ،فمثلا وجود شرط باطل في الوصية يبطل الوصية بأكملها إذا كان هو الدافع إلى التصرف ، أما إذا كان الشرط الباطل ليس هو الدافع إلى التصرف فإن التصرف يكون قابلا للتجزئة فيجوز انقاصه.

          نخلص مما سبق أن الإنقاص هو تفسير لإرادة المتعاقدين ،فإذا تبين أن إرادتهما قد قصدت إما أن يصح العقد كله أو يبطل كله فيمتنع الإنقاص إلا إذا تبين أن المتعاقدين كانا يرتضيان العقد الجديد و هو العقد الأصلي بعد الإنقاص لو علما بالبطلان .

و هناك حالات يكون فيها الإنقاص بنص القانون بصرف النظر عما قصدته إرادة المتعاقدين، من ذلك:

_الاتفاق على عدم جواز إعفاء القاضي للطرف المذعن من الشروط التعسفية فهذا الشرط يبطل لمخالفته المادة 110 مدني جزائري.

_اشتراط عدم جواز تعديل العقد بحكم القاضي و لو حدثت ظروف طارئة فهذا الشرط يبطل طبقا للمادة 107/3 .

_مجاوزة الثمن المحدد بقوانين التسعيرة الجبرية أو تجاوز الأجرة الحد القانوني المقرر لها .

_الاتفاق على البقاء في الشيوع لمدة تزيد عن 5 سنوات ،هنا تخفض المدة إلى 5 سنوات فقط  طبقا للمادة 722 مدني.

و بالتالي فالإنقاص يكون حتميا إذا نص القانون عليه و ذلك جزاء لمجاوزة بعض الحدود و الأوضاع التي يقررها،ففي هذه الأحوال يجب الإنقاص دون حاجة إلى إثبات إرادة المتعاقدين إلى هذا الإنقاص حتى و لو ثبت أن إرادة المتعاقدين ما كانت لتتجه إلى إبرام العقد لولا تجاوز الحدود التي قررها القانون .

الفرع الثاني: نظرية تحول العقد. 

          تقترب نظرية التحول من إنتقاص العقد ،فتحول العقد يعني تحوله من عقد باطل إلى عقد صحيح أدنى منه ، فقد يبطل العقد لعدم توافر شرط من شروط صحته لكنه مع بطلانه يصلح لأن يبقى في صورة عقد أدنى من العقد الباطل لتوافر عناصر هذا العقد الثاني كالبيع بثمن تافه يبطل العقد كبيع لانعدام ركن الثمن و لكنه يتحول إلى هبة صحيحة متى استوفى باقي شروطه ، و سفتجة باطلة لعدم استيفائها البيانات الجوهرية التي يتطلبها القانون التجاري تتحول إلى سند إذني صحيح، و السند الرسمي الباطل قد يصح سند عرفي متى اشتمل على توقيع الطرفين.

و تناول المشرع الجزائري هذه النظرية في المادة 105 مدني:” إذا كان العقد باطلا أو قابلا للإبطال و توافرت فيه أركان عقد آخر فإن العقد يكون صحيحا باعتباره العقد الذي توافرت أركانه إذا تبين أن نية المتعاقدين كانت تنصرف إلى إبرام هذا العقد.”

يتضح من خلال ما سبق أنه لتحول العقد لابد من توافر الشروط التالية:

1_أن يكون العقد الأصلي باطلا بأكمله، فالهبة الصحيحة لا يمكن أن تتحول إلى وصية .

2_أن يتضمن العقد الباطل عناصر عقد آخر صحيح ،فلا يجوز أن يضاف إليها عنصر جديد و إلا فلا يوجد تحول بل نكون بصدد تصحيح للعقد إذا كان القانون يسمح به ،مثلا شخص اشترى شيئا توهم أنه أثري فالعقد قابل للإبطال للغلط فإذا عرض البائع على هذا المشتري الشيء الأثري الذي قصد شراءه فهنا عنصر جديد لم يكن موجودا في البيع الأول .

3_أن تنصرف إرادة المتعاقدين المحتملة إلى العقد الآخر،بمعنى أنه إذا كانت إرادة المتعاقدين المعلنة قد انصرفت إلى العقد الباطل فإن إرادتهما المحتملة كانت تنصرف إلى العقد الآخر لو أنهما فطنا إلى هذا البطلان ،فبيت القصيد هو الوصول إلى الغاية التي ينشدها الطرفان بوسيلة أو بأخرى.

          و تكمن سلطة القاضي هنا في أنه يحل محل العاقدين بعد أن يستخلص عناصر العقد الباطل و يقيم لهما عقدا جديدا بدلا من العقد الباطل، و بالتالي لم يتحقق الهدف من تدخل القاضي و هو الحفاظ على العقد الأصلي من الزوال و بذلك تخرج نظرية تحول العقد عن موضوع دراستنا .

 

 

 

المبحث الثاني: سلطة القاضي في مرحلة تنفيذ العقد.

سوف نحاول من خلال عرضنا لهذا المبحث أن نحدد الحالات التي بمقتضاها منح المشرع الجزائري للقاضي سلطة التعديل في مرحلة تنفيذ العقد، و التي ستقتصر معالجتها على ثلاث حالات: نظرية الظروف الطارئة ،الشرط الجزائي، نظرة الميسرة.

المطلب الأول : نظرية الظروف الطارئة.

نظرية الظروف الطارئة تفترض الوضع الآتي :عقد يتراخى وقت تنفيذه إلى أجل أو إلى آجال (كعقد التوريد)،و يحل أجل التنفيذ فإذا بالظروف الاقتصادية التي كان توازن العقد يقوم عليها وقت تكوينه قد تغيرت تغيرا فجائيا لحادث لم يكن متوقعا ، فيختل التوازن الاقتصادي للعقد اختلالا خطيرا مثل ارتفاع سعر السلعة التي تعهد المدين بتوريدها ارتفاعا فاحشا بحيث يصبح تنفيذ المدين لعقد التوريد يتهدده بخسارة فادحة تخرج عن الحد المألوف، فهل يؤخذ المدين في هذه الحالة بتنفيذ التزامه مهما بلغت الخسارة؟

هنا الحادث الطارئ إذا جعل تنفيذ الالتزام مستحيلا يكون قوة قاهرة ينقضي بها الالتزام، و إذا جعل تنفيذ الالتزام يعود بخسارة على التاجر لا تخرج عن الحد المألوف في التجارة لما كان له أثر،لكن الفرض المقدم أن تنفيذ الالتزام من جهة لم يصبح مستحيلا ومن جهة أخرى صار مرهقا يهدد التاجر بخسارة تخرج عن الحد المألوف فما الحكم ؟

نظرية الظروف الطارئة لا ينقض بموجبها التزام المدين لأن الحادث طارئ و ليس قوة قاهرة ، و لا يبق الالتزام كما هو لأنه مرهق،لكن يتدخل القاضي لرد الالتزام الى الحد المعقول حتى يطيق المدين تنفيذه بمشقة و لكن في غير إرهاق )[40](.

و هذه النظريّة حديثة، و مع ذلك فالقانون المدني الفرنسي لم يأخذ بــها، و ذلك لرفضه لها بسبب تعارضها مع مبدأ سلطان الإرادة.

و إذا كانت نظرية الظروف الطارئة،  تستجيب لحاجة ملحة، تقتضيها العدالة، فهي تهدف إلى منح القاضي سلطة تعديل العقد .

و قد تبناها المشرع الجزائري في الفقرة الثالثة من المادّة 107 من التقنين المدني « غير أنّه إذا طرأت حوادث استثنائية عامّة، لم يكن في الوسع توقّعها و ترتب على حدوثها أنّ تنفيذ الالتزام التّعاقدي، و إن لم يصبح مستحيلاً، صار مرهقا للمدين، بحيث يهدّده بخسارة فادحة جاز للقاضي تبعًا للظّروف، و بعد مراعاة مصلحة الطّرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحدّ المعقول و يقع باطلاً كلّ اتفاق على خلاف ذلك ».

و نجد تطبيقات هذه النظريّة في عدّة عقود منها عقد المقاولة طبقا للمادة 3/561 من التقنين المدني الجزائري، و عقد الإيجـار طبقا لأحكام المادة 510 من التقنين المدني الجزائري.

و قد خول المشرع الجزائري للقاضي سلطة تعديل العقد عند تحقق الظروف الطارئة لإعادة التوازن الاقتصادي، لما يحقق من عدالة و استمرار  في تنفيذه، و يتمثل تعديل العقد في رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول .

وقبل التعرف على سلطة القاضي في تعديل العقد لابد من تسليط الضوء قبل ذلك على الشروط الواجب توافرها حتى نكون بصدد تطبيق نظرية الظروف الطارئة.

الفرع الأول: شروط تطبيق نظرية الظروف الطارئة .

لنظرية الظروف الطارئة شروط أربعة نبسطها فيما يلي:

أولاً : أن يكون العقد الذي تثار النظرية بشأنه متراخي التنفيذ.

 مفاد العقد المتراخي التنفيذ، أن تكون هناك فترة من الزمن تفصل بين تاريخ إبرام العقـــد و تاريخ نفاذه و هذا غالبًا ما نجده في العقود الزمنية  التي تقتضي طبيعتها أن يمر تنفيذها على مراحل متتالية عبر الزمن  سواء كانت مستمرّة التنفيذ كعقد الإيجار أو دوريّة التنفيذ كعقد التوريد، وتطبق هذه النظرية على العقود الفورية التي لا يكون الزمن عنصرا جوهريا فيها و لكن قد يتم تأجيل تنفيذها إلى أجال متتالية و ذلك بموجب اتفاق الأطراف كتأجيل دفع الثمن أو تسليم المبيع،كما تطبق  النظرية على العقد الفوري إذا وقع الظرف الطارئ مباشرة بعد انعقاده([41]).

كما لا تطبق النظرية إذا تراخى تنفيذ العقد بسبب خطأ المدين، إذ لا يجوز للمدين الاستفادة من تقصيره ،كأن يحل أجل وفاء الالتزام فيقوم الدائن باعذار المدين بوجوب الوفاء فيتقاعس، فإذا حدث ظرف طارئ جعل تنفيذ الالتزام مرهقا لا يجوز للمدين في هذه الحالة أن يتمسك بالنظرية للمطالبة بتعديل التزامه .

و عليه فنظرية الظروف الطارئة تطبق على جميع العقود التي يتراخى تنفيذها ، سواء كانت عقود زمنية أو فورية،إلا أنه يستثنى من هذه الفئة العقود، الاحتمالية التي تحتمل بطبيعتها الكسب و الخسارة ، و العقود التي يكون محل التزامها نقودا طبقا للمادة 95 من التقنين المدني الجزائري . ([42])

و تجدر الإشارة إلى أن المشرع الجزائري سكت في المادة 107/3 من التقنين المدني عن ذكر هذا الشرط، إلا أنه لا يمكن تجاهله أثناء التطبيق، خاصة و أن للقاضي سلطة تقديرية في هذا الشأن .

ثانيًا : أن تطرأ بعد صدور العقد حوادث استثنائية عامة غير متوقعة .

يشترط المشرع في الحادث الطارئ، أن يكون استثنائيا، و عاما، و غير متوقع .

أ- أن يكون الحادث استثنائيا.

أي أن يكون الحادث غير مألوف و نادر الوقوع كالفيضانات، الزّلازل و الحروب. و يعد مثلا الزلزال حادثا استثنائيا إذا وقع في منطقة لا تتعرض له عادة، بينما لا يعتبر كذلك إذا وقع في منطقة اعتادت على التعرض له.

أي وصف الاستثنائية يقتصر على الحادث ذاته و يذهب بعض الفقهاء([43]) إلى إلحاق وصف الاستثنائية بأثر الظرف و ليس الظرف نفسه دون النظر إلى طبيعته أو منشأه، فقد يكون الظرف الطارئ عاديا مألوفا ، لكن ما يترتب عنه من نتائج و أثار تؤدي إلى قلب اقتصاديات العقد و جعل تنفيذ الالتزام مرهقا فمثلا إصابة المحصول بالدودة حادث مألوف ، و لكن قد يبلغ من الجسامة حدا غير مألوف و ينطبق عليه وصف الحادث الاستثنائي([44]).

ب- أن يكون الحادث  الاستثنائي عامًا:

بمعنى أن لا يكون الحادث الاستثنائي خاصًّا بالمدين وحده، بل يجب أن يشمل فئة من النّاس لأنّ إفلاس المدين، أو هلاك بضاعته لا تكف لتطبيق نظريّة الظّروف الطارئة.

و يتحدد معيار العمومية بعدد الأشخاص الذين يتأثرون بهذا الظرف، أو قد تنصرف العمومية أيضا إلى الناحية الإقليمية، فيتحدد معيار العمومية بمقدار المساحة الإقليمية التي تأثرت بذات الظرف([45]).

  و يكون الحادث عاما إذا شمل طائفة معينة من الناس ينتمون إلى إقليم أو مدينة واحدة كما هو الشأن إذا أصاب الزلزال مدينة واحدة من مدن الدولة .

و إذا كان الهدف من النّظرية هو رفع الإرهاق عن المدين و تحقيق مبدأ العدالة، فما جدوى شرط العمومية إذن لتطبيق نظريّة الظّروف الطارئة، خاصّة و أنّ إقرار شرط العمومية يؤدي حتما إلى التضييق من تطبيق النّظرية، و في الوقت نفسه احترام مبدأ القوّة الملزمة للعقد.

جـ – أن يكون الحادث الاستثنائي غير متوقع.

مفاد الحادث الاستثنائي غير متوقع  أنّ المدين أثناء إبرام العقــد، لم يكن في وسعه توقّع الحوادث الاستثنائية، فإذا كانت متوقعة أو كان يمكن توقعها فلا مجال لتطبيق نظرية الظروف الطارئة، فاختلاف سعر العملة و انتشار دودة القطن حوادث في الوسع توقعها. كما لا يستطيع المدين تفاديه أو دفعه عن نفسه، أو حتّى التقليل من آثاره و يرى بعض الفقهاء أنّ شرط  عدم التوقع  يغني عن كونه استثنائيا، لأنّ الحادث الاستثنائي قد يكون متوقّعًا، و على العكس من ذلك فإنّ الحادث غير المتوقّع، لا بد أن يكون استثنائيـا،  و بالتّالي لا جدوى من ذكره كشرط لتطبيق نظريّة الظروف الطارئة، و هذا ما ذهبت إليه المحكمة العليا في قرارها ([46]) .، »حيث أن السوق محل العقد المبرم بين المستأنف و المستأنف عليه (رئيس بلدية عين الباردة) بقي مغلقا بسبب مرض الحمى الذي أصاب المواشي، فإن ذلك يعد حادثا استثنائيا غير متوقعا وجب الأخذ به«

ثالثًا : أن يؤدي هذا الحادث الاستثنائي إلى جعل  تنفيذ الالتزام مرهقا:

و هنا نميز بين الظرف الطارئ و القوة القاهرة ،فهما يشتركان في أن كلا منهما لا يمكن توقعه و لا يستطاع دفعه إلا أنهما يختلفان في أن القوة القاهرة تجعل الالتزام ينقضي ،فلا يتحمل المدين تبعة عدم تنفيذه ، أما الظرف الطارئ فلا يقضي الالتزام و إنما يرده إلى الحد المعقول فتتوزع الخسارة بين المدين و الدائن و يتحمل المدين شيئا من تبعة الحادث  ([47])

و قد ذهبت المحكمة العليا في قرارها([48]) ، إلى نقض القرار الصادر عن مجلس قضاء باتنة بتاريخ 10/11/1996، القاضي بإلزام مؤسسة ترقية السكن العائلي بتسليم السكن محل النزاع للمدعي (س ع ق) مع إلزام هذا الأخير بأن يدفع للمدعى عليها مبلغ مالي في حدود نسبة 10% من السعر الإجمالي للسكن محل النزاع المحدد باتفاقية البيع المؤرخة في 04/06/1990، »حيث أن قضاة الموضوع لما أقروا زيادة نسبة 10%  من السعر الإجمالي للسكن وفقا لعقد التخصيص تماشيا مع عدالة العقد و توازنه، فإنهم تناسوا إمكانية تعديل الشروط المدرجة في العقد طبقا لأحكام المادة 107/3 من التقنين المدني، إذا ما طرأت ظروف استثنائية ذات طابع عام و غير متوقعة من شأنها أن تجعل التزامات الطاعنة مرهقة، فإنهم يكونون قد أخطئوا في تطبيق المادة 107 من التقنين المدني«.

و الإرهاق الذي يقع فيه المدين نتيجة الظّرف الطّارئ ذهب غالبية الفقه العربي في تحديد درجته إلى الأخذ بالمعيار الموضوعي المرن، و الّذي لا يعتدّ فيه بشخص المدين و ظروفه الخاصّة، و إنّما يقتصر على الصّفقة التي أبرمها المدين، فيتحقق الإرهاق إذا كان الفرق كبيرًا بين قيمة الالتزام المحدّدة في العقد، و قيمة العقد الفعلية عند التّنفيذ، و لو كان المدين يملك من الوسائل ما يمكنه من تنفيذه دون عناء.

و المعيار الموضوعي يقدر الإرهاق فيه على ضوء الالتزامات و الحقوق الناجمة عن العقد([49])، لأن الهدف من ذلك هو إيجاد توازن اقتصادي للعقد .

و أما مقدار الإرهاق فإن المشرع طبقا للمادة 107/3 من التقنين المدني الجزائري لم يحدده بل اكتفى فقط بأن تكون الخسارة فادحة([50]) ، بمعنى أنها  غير مألوفة و فيها نوع من الظلم للمدين .

و سكوت المشرع معناه ضمنيا أنه خول للقاضي سلطة لتعديل العقد أثناء التنفيذ بسبب الاختلال في التوازن العقدي، و بالتالي للقاضي سلطة تقديرية واسعة لتقديره حسب الظروف المحيطة بالعقد .

الفرع الثاني : سلطة القاضي في رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول .

          إذا توافرت الشروط المتقدمة الذكر جاز للقاضي تبعا للظروف و بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ، و لم يحدد المشرع في المادة 107/3 من القانون المدني طريقة لرد الالتزام المرهق و إنما ترك له الحرية في اختيار طريقة مناسبة لذلك ،فقد يرى إنقاص الالتزام المرهق، و قد يرى زيادة الالتزام المقابل ، و قد يرى وقف تنفيذ العقد حتى يزول الظرف الطارئ  ([51]).

أولاً : إنقاص الالتزام المرهق.

استخدم المشرع الجزائري في النّص العربي للمادة 3/107 من التقنين المدني عبارة « … أن يرد الالتزام المرهق إلى الحدّ المعقول … » أمّا النصّ الفرنسي فقد استعمل عبارة “إنقاص” “Réduire” على الرّغم من أنّ الإرادة الحقيقيّة للمشرع تظهر من خلال النص الفرنسي، و بالتّالي هناك تضييق لسلطة القاضي في تعديل العقد عن طريـق الإنقـاص، و كلمة “الردّ” توحي بمعنى التّعديل عن طريق إنقاص الالتزام المرهق و زيادة الالتزام المقابل. ([52])

أي أن القاضي يتدخل في توزيع عبء الظرف الطارئ و ذلك بإيجاد توازن في شروط العقد حتى لا نكون أمام تجاوزات فاحشة نتيجة الظرف الطارئ. و يتدخّل القاضي لتعديل العقد عن طريق الإنقاص سواء تعلّق الإنقاص من حيث الكم أو من حيث الكيف.

من حيث الكم كأن يتعهد تاجر بتوريد كميات كبيرة من السكر لأحد مصانع الحلوى ثم تقل كميات السكر المتداولة في السوق لحادث طارئ (حرب منعت استيراد السكر أو إغلاق بعض المصانع) الأمر الذي يجعل توريد الكميات المتفق عليها أمرا مرهقا ، فيجوز للقاضي أن ينقص من كمية السكر المتفق عليها حتى يرد الالتزام المرهق إلى الحد الذي يستطيع التاجر القيام بتوريده.([53])

و لا ينصب الإنقاص على كميّات و عدد الأشياء، بل ينصب الإنقاص أيضًا على قيم الأشياء، فإذا أدّت الظّروف الطّارئة إلى انخفاض أسعار السّلع ممّا يؤدّي إلى إلحاق خسارة فادحة، و إرهاق في تنفيذ عقود البيع مثلا، فيجوز للقاضي في هذه الحالة أن ينقص الثّمن المتّفق عليه بما يزيل الإرهاق أو يخفّف منه بالنّسبة للمشتري،أي أنه إذا كان الالتزام المرهق هو ثمن المبيع جاز للقاضي انقاصه أو إنقاص فوائده أو اسقاطها أو مد الآجال التي يدفع فيها.

من حيث الكيف كأن يلتزم شخص بتوريد كميّات محددة من سلعةٍ معيّنة و من صنف متّفق عليه، ثمّ تطرأ حوادث استثنائية تجعل الحصول على هذا الصّنف بالذّات مرهقا للمدين، سواء بسبب ارتفاع الأسعار،

أو لندرة هذه السّلع، ففي هذه الحالة يستطيع القاضي أن يرخّص للمدين في أن يفي بنفس الكميّة و لكن من صنفٍ أقلَّ جودة.([54])

ثانيًا : زيادة قدر الالتزام المقابل.

إذا أدّى الظرف الطارئ إلى ارتفاع فاحش في الأســـعار، يقوم القاضي بزيادة السّعر المبيّن في العقد، حتّى يتحمّل الطرفان الزّيادة غير المألوفة، و ذلك بزيادة التزامات الدائن، بهدف الوصول إلى التّوازن بين مصلحة الطّرفين.

و القاضي عندما يرفع السعر لا يفرض على الطرف الآخر أن يشتري بهذا السعر بل يخيره بين الشراء و الفسخ ، فإذا اختار الفسخ كان ذلك أصلح للمدين إذ يرتفع عن عاتقه كل أثر الحادث الطارئ .([55])

 إلاّ أنّ المشرع الجزائري طبقًا لأحكام المادّة 3/107 من التقنين المدني ، النّص الفرنسي لم يأخذ بوسيلة زيادة قدر الالتزام المقابل، بل اكتفى بعبارة الإنقاص (Réduire) أمّا النّص العربي فاستعمل عبارة “يرد” التّي تقابل التّعديل، سواء عن طريق الإنقاص أو زيادة قدر الالتزام المقابل، و لكن المشرع الجزائري لو أراد إضافة وسيلة الزّيادة لنصّ عليها صراحةً ، كما هو الشّأن في المادة 561 من التقنين المدني « … على أنّه إذا انهار التّوازن الاقتصادي بين التزامات كل من ربّ العمل و المقاول بسبب حوادث استثنائية عامّة، لم تكن في الحسبان وقت التعاقد … جاز للقاضي أن يحكم بزيادة الأجر… ».

و بالتالي فالمشرع الجزائري أخذ بوسيلة الزّيادة في قدر الالتزام المقابل كحلٍّ استثنائي طبقًا للمادّة 561 من التقنين المدني .

و يلاحظ في حالتي الإنقاص للالتزام المرهق و زيادة الالتزام المقابل أن القاضي لا يرد الالتزام إلى الحد المعقول إلا بالنسبة للحاضر و لا شأن له بالمستقبل لأنه غير معروف ، فقد يزول أثر الحادث الطارئ فيرجع العقد إلى ما كان عليه قبل التعديل و تعود له قوته الملزمة كما كان في الأصل . ([56])

ثالثًا : وقف تنفيذ العقد.

يلجأ القاضي إلى وسيلة وقف تنفيذ العقد إذا تبيّن له أنّ الظّرف الطّارئ مقدّر له الزّوال في وقت قصير، و أنّ اللّجوء إلى وسيلة الإنقاص أو الزّيادة يؤدّي إلى اختلال في التّوازن الاقتصادي للعقد، و في هذه الحالة يأمر القاضي بوقف التّنفيذ لفترة محدّدة، أو غير محدّدة من الوقت، حتّى تزول آثار الظّرف الطارئ .([57])

و مثال ذلك أن يتعهّد مقاول بإقامة مبنى، و ترتفع أسعار بعض مواد البناء ارتفاعًا فاحشًا بسبب حادث طارئ ،لكن هذا الارتفاع يوشك أن يزول لقرب انفتاح باب الاستيراد ،فيوقف القاضي التزام المقاول بتسليم المبنى في الموعد المتفق عليه حتى يتمكن من القيام بالتزامه دون إرهاق إذا لم يكن في هذا الوقف ضرر جسيم يلحق صاحب المبنى ([58])

و الحُكم بوقف التّنفيذ لا يؤثر على مضمون العقد، سواء من النّاحية الموضوعيّة   أو الماديّة، فتظلّ الالتزامات فيه طيلة الظّرف الطّارئ محتفظة بقيمتها و مقاديرها دون أن تتأثّر بهذا الوقف المؤقّت([59])، أي أن مضمون العقد لا يتأثر بالوقف، إلاّ أنّ المشرع الجزائري لم ينصّ على هذه الوسيلة رغم كونها وسيلةً ناجعة لمواجهة الظّروف غير المتوقعة.

ونخلص إلى القول أن الهدف من إقرار نظريّة الظّروف الطّارئة هو إعادة التّوازن الاقتصادي للعقد في حالة اختلاله، و المحافظة على بقاء العقد و تنفيذه في ظروف حسنة بعكس اللّجوء إلى فسخ العقد الذي يعني إنهاءه، فالمشرع الجزائري في المادة 3/107 من التقنين المدني لم ينصّ على الفسخ، لا صراحةً و لا ضمنيًا كوسيلة لردّ الالتزام المرهق، بعكس المشرع الإيطالي في المادة 1467 من القانون المدني الذّي منح للقاضي وسيلة فسخ العقد في حالة وقوع حوادث استثنائية أدّت إلى أن تنفيذ الالتزام أصبح مرهقًا بطلب المتعاقدين ، فلا يجوز للقاضي الحكم بالفسخ إلا إذا تحقق شرط مطالبة المتعاقدين به.

و لكن المشرع الجزائري، و استثناء على نص المادّة 3/107 من التقنين المدني، قد خوّل للقاضي بموجب أحكام المادّة 3/561 من التقنين المدني سلطة فسخ العقد « … جاز للقاضي أن يحكم بزيادة الأجرة أو بفسخ العقد ».

و إقرار الفسخ كوسيلة لردّ الالتزام المرهق إلى الحدّ المعقول، لا يترتّب عنه التّعويض، بل هناك إعفاء للمدين عكس المادة 119 من التقنين المدني الجزائــري، و الملاحظ أنه لا  جدوى من الفسخ في هذه الحالة لأنه يؤدي إلى إنهاء الرابطة العقدية.

المطلب الثاني : الشّرط الجزائي.

الأصل في التنفيذ أن يكون عينيا و لا يلجأ إلى التنفيذ بمقابل أو عن طريق التعويض إلا استثناءا في الأحوال التالية :

-إذا صار التنفيذ العيني مستحيلا بخطأ المدين.

-إذا صار التنفيذ العيني مرهقا للمدين ولم يكن في التنفيذ بطريق التعويض ضرر جسيم للدائن

-إذا لم تجد الغرامة التهديدية في الضغط على المدين .

-إذا لم يطلب الدائن التنفيذ العيني و لم يعرضه المدين.

          و التعويض إما أن يكون عن عدم التنفيذ أو عن التأخر في التنفيذ ،الأول يحل محل التنفيذ العيني ولا يجمع بينهما، و الثاني عن الضرر الذي أصاب الدائن بسبب التأخر في التنفيذ و يجوز الجمع بينه وبين التنفيذ العيني أو بينه و بين التنفيذ بمقابل .

         و الالتزام بالتعويض ليس التزاما جديدا حل محل الالتزام الأصلي ، بل هو طريق لتنفيذه . ([60])

و يقدر التعويض من قبل القاضي و هو ما يعرف بالتعويض القضائي ،و قد يحدده القانون في حالة التأخر في التنفيذ و هو التعويض القانوني ،و قد يتفق الطرفان مقدما على مقدار التعويض الذي يلتزم به المدين إذا لم ينفذ التزامه أو إذا تأخر في تنفيذه و هو ما يعرف بالتعويض الإتفاقي أو الشرط الجزائي ،  و قد نظمه المشرع الجزائري بالمواد 183 ،184 ،185 من القانون المدني .

فما مفهوم الشرط الجزائي و ما شروطه ، و فيما تتمثل سلطة القاضي في تعديل الشرط الجزائي؟

الفرع الأول :مفهوم الشرط الجزائي .

يراد به الاتفاق مقدّمًا بين الداّئن و المدين على مقدار التعويض الذي يستحقّه الدائن في حالة إخلال المدين بالتزامه التعاقدي ، و يتمثل هذا الإخلال في صورة عدم تنفيذه أصلا أو التراخي في تنفيذه أو تنفيذه على غير النحو المتفق عليه مما يسبب ضررا للدائن . ([61])

فهو اتفاق على تعويض ضرر لم يقع بعد ، فإذا وقع الخطأ و ترتب عليه ضرر لحق بالطرف الآخر و قامت علاقة السببية بين الخطأ و الضرر ،استحق المشترط التعويض الذي سبق الاتفاق عليه .

و يعرفه الدكتور أنور سلطان على أنه : “اتفاق يقدر فيه المتعاقدين سلفا التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم ينفذ التزامه أو إذا تأخر في تنفيذه.”

و يعرفه الحجازي في كتابه موجز النظرية العامة للإلتزام عل أنه :”اتفاق المتعاقدين مقدما على مقدار التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم يقم المدين بتنفيذ التزامه أو تأخر في تنفيذه.”

و يستخلص من هذه التعاريف أن الشرط الجزائي هو تقدير اتفاقي للتعويض ، سواءا عن عدم التنفيذ أو التأخر فيه ،و يحدد مقدما قبل وقوع الضرر بحكم المادة 183 مدني التي تنص على أنه يجوز للمتعاقدين أن يحددا مقدما قيمة التعويض بالنص عليه في العقد ، و تطبق في هذه الحالة أحكام المواد 176 إلى 181 مدني ، أما ما يحصل بعد وقوعه فهو عقد صلح تحكمه المادة 459 و ما بعدها من القانون المدني و ليس شرط جزائي.

مثال ذلك عقد نقل ينص فيه على تحديد المبلغ الذي يدفعه الناقل في حالة فقد البضاعة أو تلفها.

فغالبا ما يوضع الشرط في العقد الأصلي لكن لا يوجد مانع من وضع هذا الشرط في اتفاق لاحق، بشرط أن يكون هذا الاتفاق سابق على واقعة إخلال المدين بالتزامه.

و عادة ما يكون الشرط الجزائي في نطاق  المسؤولية العقدية ، غير أنه قد يدخل نطاق المسؤولية التقصيرية كأن يتفق صاحب المصنع مع جيرانه على مقدار التعويض عن الضرر الذي قد يصيبهم مستقبلا من الدخان أو أصوات الآلات . ([62])

          و نخلص إلى القول بأن الشرط الجزائي هو ضمان لتنفيذ مختلف العقود ، بمقتضاه يلتزم المتعاقد الذي يخل بالتزامه بأداء معين لصالح المتعاقد الآخر ،هذا الأداء قد يكون مبلغا من المال أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل .

          و تظهر فائدة و دور الشرط الجزائي فيما يلي:

* يقوم الشرط الجزائي بدور الشرط المخفف لمسؤولية المدين أو المعفي منها إذا كان أقل من الضرر الفعلي أو كوسيلة للخروج من التعاقد بأقل كلفة .

* يقوم بدور التهديد المالي أو كوسيلة للضغط إذا كان أكبر بشكل ملحوظ من الضرر الفعلي .

* يقوم بدور التقدير الجزافي للتعويض إذا كان معادلا للضرر الفعلي بقدر الإمكان ، بحيث يعلم المدين مقدما مقدار ما سيلزم عند عدم التنفيذ.

          و للشرط الجزائي ثلاث مميزات كما يلي :

* أنه إلتزام تابع لالتزام أصلي و يأخذ حكمه ،فإذا كان الالتزام الأصلي باطل كان الشرط باطلا ، و في حالة انقضاء الالتزام الأصلي لسبب ما ينقضي الشرط الجزائي .

* أنه التزام إحتياطي ، فهو تعويض و التعويض طريقة احتياطية عند عدم التنفيذ العيني ، فلا يطالب الدائن بقيمة الشرط الجزائي و لا يعرضها المدين إلا إذا استحال التنفيذ عينا بخطأ المدين .

* أنه تقدير جزافي للتعويض لأنه اتفاق مسبق على تقدير التعويض عند عدم التنفيذ أو عند التأخر في التنفيذ ، و يشترط لاستحقاقه الخطأ و الضرر و العلاقة السببية و الإعذار كلما كان واجبا لاستحقاق التعويض .

      

 

الفرع الثاني : شروط استحقاق الشرط الجزائي .

يشترط لاستحقاق الدّائن مقدار التّعويض المتّفق عليه توافر جملة من الشّروط أهمها الخطأ، الضرر، العلاقة السببية، اعذار المدين  . ([63])

أولاً : الخطأ.

نكون أمام خطأ المدين في حالة امتناعه عن تنفيذ التزامه العقدي أو تأخره، و يعتبر الخطأ أساس الشرط الجزائي و يكون مبنيا على أساس موضوعي قوامه الاعتداد بواقعة مادية بحته هي عدم التنفيذ([64]) و يشترط في عدم التنفيذ بعض الخصائص:

* أن يكون عدم التنفيذ نهائيا لاستحقاق مبلغ التعويض الاتفاقية فلو كان مؤقتا يوقف تنفيذ العقد و لا يستحق الشرط الجزائي.

* أن يكون عدم التنفيذ كليا : لاستحقاق الدائن الشرط الجزائي كاملا لابد أن يكون عدم التنفيذ كليا، لأن التنفيذ الجزئي يخول للدائن الاستفادة من الشرط الجزائي تحت تحفظ تخفيضه من قبل القاضي، طبقا لأحكام المادة 184/2 من التقنين المدني الجزائري.

و عبء إثبات الخطأ يقع على الدائن ، و ينتقل إلى المدين في حالة التنفيذ الجزئي ، و بالتالي يستطيع المدين التخلص من المسؤولية و ذلك بإثبات السبب الأجنبي لقطع العلاقة السببية بين خطئه و الضرر الذي أصاب الدائن .

و بالتالي فالخطأ هو الشّرط الأساسي لاستحقاق التّعويض، و في حالة عدم وقوعه فلا جدوى من الشرط الجزائي.

ثانياً : الضّرر.

يعتبر الضرر أساس تقدير التعويض الواجب أداءه في حالة إخلال المدين بالتزامه سواء بسبب عدم التنفيذ أو التأخر في تنفيذه، و يترتب عن انتفاء الضرر عدم استحقاق الشرط الجزائي، و هذا ما  نصّت عليه  المادة 1/184 من التقنين المدني الجزائري « لا يكون التّعويض المحدّد في الاتفاق مستحقًا إذا أثبت المدين أنّ الدّائن لم يلحقه أيّ ضرر »، فلا يكف خطأ المدين وحده بل لابد من وقوع ضرر بالدائن و عليه إثباته .

 غير أن القضاء الفرنسي جرى على عدم اشتراط إثبات الضرر وأن الشرط الجزائي معناه أن الطرفين سلما بأن إخلال المدين بالتزامه يحدث ضررا و أنهما اتفقا مقدما على مقدار التعويض اللازم له منعا لأي جدل مستقبلا .

و هذا الشرط (وقوع الضرر ) من النظام العام لا يمكن للأطراف استبعاد تطبيقه بشرط اتفاقي آخر يجعل الشرط الجزائي مستحقا حتى في غياب الضرر طبقا لأحكام المادة 184/3 من التقنين المدني الجزائري .

و يشترط في الضّرر أن يكون محقّقا، مباشرًا، و متوقعًا كما هو الحال في القواعد العامّة، أمّا فيما يتعلق بالإثبات فإنّ المشرع خرج عن القواعد العامّة و أصبح عبء الإثبات على المدين بدلاً من الدّائن، أي على المدين أن يثبت بأنّ الدّائن لم يلحقه ضرر طبقا للمادّة 1/184 من التقنين المدني الجزائري، فإذا استطاع إثبات ذلك، فلا جدوى في هذه الحالة من استحقاق الشّرط الجزائي من جهة، و انتفاء مسؤوليته من جهة أخرى.

ثالثاً : العلاقة السببية بين الخطأ و الضرر.

مفاد العلاقة السببية بين الخطأ و الضرر هي أن امتناع المدين عن تنفيذ التزامه العقدي، أو تأخّره في تنفيذه هو الذي ألحق بالدائن ضررًا، أي النّتيجة الحتمية لإخلال المدين بالتزامه، و الذّي بسببه تضرّر الدّائن و لكن يجوز للمديـن قطع هذه العلاقة، إذا أثبت أن الضرر راجع لسبب أجنبي أو قوة قاهرة أو حادث فجائي أو كان ضررا غير مباشر أو غير متوقع . ([65])وبالتالي لا يكون المدين مسؤولا في هذه الحالة ، مع ملاحظة أنه يجوز الاتفاق على أن يتحمل المدين تبعة القوة القاهرة أو الحادث المفاجئ ،و يعتبر هذا الشرط بمثابة اتفاق على تشديد المسؤولية .

رابعاً : الإعذار.

و هو دعوة المدين من قبل الدّائن إلى تنفيذ التزامه و تنبيهه إلى أنّ تأخّره في هذا التّنفيذ يوجب مسؤوليته عن تعويض الدّائن عن الضّرر الذي يصيبه نتيجة هذا التأخر.([66])

و المشرع الجزائري اشترط الإعذار لاستحقاق الشّرط الجزائي إضافة إلى الخطأ و الضّرر و العلاقة السببية طبقا لأحكام المادة 179 من التقنين  المدني ، فإعذار المدين على تنفيذ التزامه عند حلول أجل الاستحقاق يكون واجبًا.

إذن فالإعذار واجب بمجرّد قيام الدائن بدعوة المدين إلى تنفيذ الالتزام، و كذلك عند حـلول أجل الاستحقاق، و ذلك حتّى يتمكّن الدّائن من الاستفادة من التعويض المتفق عليه،إلاّ أن هناك حالات يُعفى فيها الدّائن من إعذار المدين طبقًا لأحكام المادة 181 من التقنين المدني الجزائري([67])،و يجوز للدّائن إعذار المدين بمختلف الطّرق القانونيّـــة أو الاتفاقية و هذا ما تضمّنته المادة 180 من التقنين المدني الجزائري.([68])

و بناءا على ما سبق إذا تحقق القاضي من توافر هذه الشروط فله أن يحكم بالتعويض المقرر في الشرط الجزائي و له في حالات نص عليها المشرع أن يعدل الشرط الجزائي.

الفرع الثالث: تعديل الشرط الجزائي.

يتدخّل القاضي لتعديل مضمون الشرط الجزائي عن طريق التخفيض سواء كان الشّرط الجزائي مفرطًا (مبالغ فيه)، أو إذا قام المدين بالتنفيذ الجزئي لالتزامه طبقًا لأحكــام المادّة 2/184 من التقنين المدني الجزائري. و استثناء، فإنّ المشرع منح للقاضي سلطة التّعديل عن طريق الزيادة في التّعويض المتّفق عليه إذا ثبت أنّ المدين قد ارتكب غشًا أو خطأ جسيمًا طبقًا للمادّة 185 من التقنين المدني الجزائري، و هذا مانوضحه في النّقاط التالية :

أولاً : تخفيض الشرط الجزائي.

حسب مقتضيات المادة 184/2 مدني ،فإنه يجوز للقاضي تخفيض الشرط الجزائي في حالتين هما: المبالغة أو التقدير المفرط للتعويض و التنفيذ الجزئي للالتزام .

 

 

أ- تخفيض الشرط الجزائي بسبب التقدير المفرط فيه:

نصت المادّة 2/184 من التقنين المدني الجزائري « و يجوز للقاضي أن يخفض مبلغ التعويض إذا أثبت المدين أنّ التقدير كان مفرطًا »، فالمشرع استخدم مصطلح “الإفراط”، عكس المشرع المصري،الذّي استعمل عبارة « مبالغا فيه إلى درجة كبيرة ».

 و الإفراط معناه عدم التناسب الكبير بين قيمة التعويض المتفق عليه، و الضرر اللاحق بالدّائن ممّا يؤدي إلى التعسّف ، أي أن يكون هناك تفاوت كبير بين التعـويض المتفـق  عليه و الضرر اللاحق بالدائن مما يترتب عليه إلحاق ظلم بأحد المتعاقدين.

– تقدير القاضي للإفراط:

بالرجوع إلى نصّ المادّة 184 من التقنين المدني الجزائري نجد المشرع الجزائري قد اكتفى بتحديد حالات تدخل القاضي دون أن يرشده إلى كيفية تقدير الإفراط ،أو العناصر التي يمكن أن يستند عليها في تقديره ، إلاّ أنّه جرى العمل باللّجوء إلى المعيار الموضوعي، و الذّي مفاده مقارنة مبلغ الشّرط الجزائي مع الضّرر الذي لحق بالدّائن، أي عدم التّناسب الفاحش، و كذلك اللّجوء إلى المعيار الذّاتي و الذي مفاده تقدير المسؤوليّة التعاقدية للمتعاقدين، مثل الظروف الشخصيّة للمدين من حسن نيّة أو سوئها .

و حتى يمارس القاضي سلطته في التخفيض وجب أن تكون المبالغة كبيرة، لأنّه يترتب عليه إثراء الدّائن على حساب المدين، و على القاضي أن ينظر أثناء تقديره، فيما إذا كان عدم التّناسب فاحشًا أو معقـولاً، و أن يراعي مصالح الأطراف بهدف إيجاد التّناسب بين الضّرر، و قيمة التّعويض و التّخلص من كل التّجاوزات التّي تلحق ظلمًا بأحد المتعاقدين، على أساس العدالة، و إذا كان عدم التّناسب معقولاً فلا جدوى من إجراء عملية التخفيض، أمّا إذا تبيّن أن عدم التّناسب فاحش، فبعد انتهاء القاضي من عملية التّقدير، ينتقل إلى عملية التّخفيض وفقا لما يراه مناسبًا.

– تخفيض القاضي للتعويض .

سكوت المشرع عن تحديد طريقة أو عناصر يستند عليها القاضي لممارسة سلطته في التخفيض تعبير ضمني على أن للقاضي سلطة تقديرية واسعة مستمدة من مبدأ العدالة ،كما أن له الحرية الكاملة في ممارسة سلطته للتدخل في التعديل .

فإذا تبين له أن المبالغة في الشرط الجزائي كانت فاحشة و ترتب عنها ظلم للمدين ،يقوم بإيجاد توازن بين قيمة التعويض و الضرر اللاحق بالدائن كما يقع عليه عبء البحث عن نية المدين إذا كانت حسنة أو سيئة من خلال ظّروف و ملابسات العقد ، و هذا ما يعرف بالمعيار الذّاتي، إضافة إلى ذلك فالقاضي يسعى للمحافظة على استمرار و استقرار المعاملات بما يوجبه تنفيذ العقود من حسن نيّة و نزاهة و الابتعاد عن الإجحاف الذّي قد يصيب أحد الأطراف، و يقع عبء الإثبات على المدين إذا كان مقدار الشّرط الجزائي مبالغا فيه ([69].

ب-  تخفيض الشرط الجزائي بسبب التّنفيذ الجزئي للالتزام الأصلي:

تنصّ المادّة 2/184 من التقنين المدني الجزائري « و يجوز للقاضي أن يخفض مبلغ التعويض إذا أثبت المدين … أنّ الالتزام الأصلي قد نُفّذ في جزء منه ».

و مفاد ذلك قيام المدين فعلاً بتنفيذ التزامه، إلاّ أنّه توقّف في جزء منه، و أن الجزء المتبقّي الذّي لم ينفذه المدين قد ألحق ضررًا بالدّائن، و ليس من العدل أن يلزم المدين بالوفاء بالمبلغ المتّفق عليه كليّا.

كما يجوز للأطراف التوقّع مسبقا حالة التّنفيذ الجزئي للالتزام الأصلي، و إدراجه ضمن الاتفاق طبقًا للعقد شريعة المتعاقدين، لأنّ القاضي ملزم باحترام إرادة الأطراف، و لا يكون الالتزام الأصلي قابلاً للتّنفيذ الجزئي إلاّ إذا كان قابلاً للانقسام، و إنّ  مسألة قابليّة أو عدم قابليّة الالتزام الأصلي للانقسام، هي مسألة واقع تخضع للسّلطة التقديرية لقاضي الموضوع ، حيث منحت المادّة 2/184 من التقنين المدني الجزائري للقاضي سلطة تقديريّة واسعة، إلاّ أنّه يعاب عليها أنّها ناقصة، كونها لم تحدّد للقاضي العناصر التّي يعتد بها سواء في التّقدير أو التخفيض.

و يلزم القاضي بالتّخفيض إذا طلب منه المدين ذلك، و تحقّق الضَّرر فعلاً للدائن، و أثبت المدين قيامه بالتنفيذ الجزئي للالتزام الأصلي، و يراعي القاضي أثناء عملية التخفيض الضرر اللاحق بالدّائن، و يقارنها بالفائدة التّي عادت عليه، أي يقوم بعملية المقارنة على عنصري الضّرر و الفائدة.

أمّا إذا لم يتحقّق الضّرر فعلاً فلا مجال لاستحقاق الشّرط الجزائي، و هذا ما نصّت عليه المادّة 1/184 من التقنين  المدني الجزائري، و من خلال عنصر الفائدة يتبيّن للقاضي ما إذا تحققت مصلحة الدّائن في التّنفيذ الجزئي أم لا ، كما أنّ القاضي لا يسع إلى البحث عن مساواة حقيقية بين الضّرر اللاّحق بالدائن و مقدار التّعويض، بل يكفيه التّخلّص من التّجاوزات الفاحشة من جهةٍ، و أن يراعي مصلحة الدّائن من جهة ثانية ، و حقه في ضمان التّنفيذ من جهة ثالثة.

و الهدف في الحالتين السالفتي الذكر هو حماية المدين ، لذلك فهما من النظام العام و لا يجوز الاتفاق على ما يخالفهما، و أكدت ذلك المادة 184/فقرة أخيرة من القانون المدني بقولها :

” و يكون باطلا كل اتفاق يخالف أحكام الفقرتين أعلاه “

 

ثانياً : زيادة الشرط الجزائي.

تنصّ المادّة 185 من التقنين المدني الجزائري « إذا جاوز الضّرر قيمة التعويض المحدّد في الاتفاق، فلا يجوز للدّائن أن يطالب بأكثر من هذه القيمة، إلاّ إذا أثبت أنّ المدين قد ارتكب غشًا أو خطأ جسيمًا ».

نلاحظ أن المشرع الجزائري قد منع القاضي من التدخّل لأجل الزّيادة في الشّرط الجزائي بصفة مبدئية، إلاّ أنّه و استثناء على ذلك خوّل له رخصة الزّيادة في حالة غش المدين أو خطئه الجسيم.

-زيادة مقدار التعويض بسبب غش المدين أو خطئه الجسيم :

هنا على الدائن أن يثبت أنّ المدين قد ارتكب غشًّا أو خطئا جسيما، و أنّ الضّرر اللاّحق به أكبر بكثير من مقدار التعويض المتّفق عليه لكي يستفيد من أحكام الزيادة المنصوص عليها بالمادة 185 من التقنين المدني.

ففي هذه الحالة يجوز للقاضي التدخّل لتعديل الشّرط الجزائي عن طريق الزيـــادة، و يسعى القاضي إلى زيادة مقدار التّعويض حتّى يتساوى مع الضّرر الوّاقع([70])، فالقاضي في هذه الحالة يبحث عن النيّة الحسنة أو سوئها، و سوء النيّة واجب الإثبات على عاتق الدّائن، لأنّه ملزم بإثبات أنّ المدين قد تعمد عدم تنفيذ التزامه مقدار التّعويض .

و بالتّالي فالحكم للدّائن بالتّعويض الإضافي أساسه الغش و الخطأ الجسيم، لأنّ الطّرفان لم يتوقّعا ذلك في الاتفاق، و لهذا فالدّائن يطالب بالتّعويض غير المتوقّع، و مصدره الضّرر النّاجم عن غش المدين و خطئــه الجسيم، و كذا التّعويض المتوقّع ومصدره الشرط الجزائي.

 وعليه للدائن الحق في المطالبة بالتعويض و يكون أساسه غش المدين و خطأه الجسيم و كذا الشرط الجزائي، ففي الأوّلى نكون أمام تعويض غير متوقع، أما الحالة الثانية فأمام تعويض متوقع.

وقد ذهبت محكمة النقض الفرنسية([71]) إلى اعتبار” أن المدين الذي يرتكب غشا أو خطئا جسيما عن قصد وذلك بأن يرفض تنفيذ التزاماته العقدية حتى وإن كان هذا الرفض لا يتعلق بقصد الإضرار بالمتعاقد الآخر وعليه يحكم بزيادة مقدار التعويض عن التعويض المتفق عليه في الشرط الجزائي” .

كما أنّه لا يجوز للمدين اشتراط الإعفاء، أو التّخفيف من مسؤوليّته بالتّعويض في حالتي ارتكاب غش أو خطأ جسيمًا، لأنّ هذا الاشتراط لو وضع لكان مشجّعا على ارتكاب الغش و دون خشية من الجزاء و هذا ما يخالف النّظام العام، و بالتالي لا جدوى من إدراج الشرط الجزائي ضمن العقد.

أمّا إذا كان الشّرط الجزائي أقلّ من الضّرر الواقع، ففي هذه الحالة لا يقوم القاضي بزيّادة مقدار التّعويض لمساواته مع الضّرر اللاّحق، بل يحكم به كما هو([72])، و يكون الشّرط الجزائي في هذه الحالة بمثابة تخفيف أو إعفاء من المسؤوليّة،  و الإعفاء جائز في المسؤولية العقدية طبقًا لأحكام المادّة 2/178 من التقنين المدني الجزائري،([73]) (لكن الإعفاء من المسؤولية التقصيرية باطل حتى في حالة الخطأ اليسير ).

كما أنّه لا يمكن للقاضي زيادة مقدار التّعويض ليتساوى مع الضّرر اللاّحق بالدّائن، لأنّ تخفيف المسؤولية الناتج عن الغشّ أو الخطأ الجسيم من الأشخاص الذين يستخدمهم المدين جائز طبقًا للمادّة 2/178 من التقنين المدني الجزائري.

و عليه فللقاضي سلطة تقديرية واسعة في البحث عن حسن النيّة و سوئها، و له الحريّة الكاملة في رفض طلب الدّائن الرّامي إلى الزّيادة في مقدار التعويض، إذا ما تبيّن له أنّ المدين كان على حسن نيّة، و نكون أمام حالة الزيادة إذا ما تبيّن للقاضي أن المدين سيئ النيّة.

    المطلب الثالث:سلطة القاضي في منح الأجل القضائي ( نظرة الميسرة ).

الأجل وصف يقترن بالالتزام فيجعله متراخي النفاذ (الأجل الواقف) أو محدد النفاذ (الأجل الفاسخ ) ، و يجد مصدره في الاتفاق ،القانون ،و القضاء .

فالأجل الإتفاقي  هو أن يتفق الأطراف على وقت معين يقوم فيه المدين بالوفاء بالتزامه، و الأجل القانوني يتكفل المشرع بتحديده ،مثل ما فعل بالنسبة لحق الانتفاع الذي ينقضي بوفاة المنتفع ، و كذلك ما يقرره المشرع في الأزمات الاقتصادية من تأجيل لبعض الديون .

أما الأجل القضائي الذي هو موضوع دراستنا أو ما يعرف بنظرة الميسرة أو المقدرة هو أن القانون يجيز للقاضي بتوافر شروط معينة أن يمنح للمدين أجلا أو آجالا يفي فيها بديونه .

وتعد نظرة الميسرة حالة من الحالات التي يستند إليها القاضي للتدخل في العقود بالتعديل ،و نجد أغلب التشريعات نظمت فكرة الأجل ، و الذي يهمنا هو السلطة الواسعة التي منحتها بعض هذه النصوص القانونية للقاضي في هذا المجال والمتمثلة في سلطته في تعديل الأجل المتفق عليه في العقد أو منحه بما يعرف خروجا عن مبدأ سلطان الإرادة الذي يهيمن على العلاقات العقدية .

و قد نظم المشرع الجزائري الأجل القضائي بالمواد :119 ،210 ، 280 من القانون المدني ،و المادة 411 من قانون الإجراءات المدنية .

و الأصل في نظرة الميسرة أن المدين يجب عليه الوفاء بدينه في الميعاد المتفق عليه ، إلا أنه إذا استدعت حالته الرأفة به ،ولم يلحق الدائن من التأجيل أي ضرر ،و لم يوجد في القانون نص يمنع ذلك ،يجوز للقاضي أن يمنح المدين أجلا أو آجالا معقولة يفي فيها بدينه .

و نظرة الميسرة كنظرية الظروف الطارئة يراد بها التخفيف من عبء التزام المدين الجدير بالرأفة ،و هي تخفيف العبء من حيث الإفساح في أجل الوفاء ، و منح الأجل القضائي أمر جوازي متروك للسلطة التقديرية للقاضي غير أنه لابد من مراعاة شروط معينة في منح الأجل القضائي .

الفرع الأول: شروط منح الأجل القضائي.

يجب أن يراعي القاضي توافر شروط معينة في منح الأجل القضائي تتمثل فيما يلي:

1- ألا يوجد نص قانوني يمنع من منح نظرة الميسرة : فسلطة القاضي في هذا المجال ممنوحة له من قبل المشرع و ممارستها تعتبر تطبيقا للنصوص القانونية ، فإذا ما ورد نص يمنع القاضي من منح نظرة الميسرة في حالة من الحالات ، فإن القاضي احتراما لهذا النص لا يستطيع أن يمنحها لأنه يتقيد في هذه الحالة بقيد قانوني ملزم ، و مثال ذلك ما نصت عليه المادة 467 من القانون التجاري الجزائري على أن الأجل القضائي لا يمنح في قضايا السفاتج و السندات لأمر و الشيكات .

 2 – أن تكون حالة المدين تستدعي ذلك : بأن يكون حسن النية في تأخره في الوفاء أي بأن يكون غير متعمد في عدم الوفاء و لا مقصر في ذلك ، و أن يكون عنده مال كاف للوفاء بالتزامه و ليس في مقدوره مؤقتا أن يبيع هذا المال ليقوم بالوفاء ، كأن يكون المال عقارا أو منقولا لا يتعذر بيعه في الحال فيطلب المدين مهلة حتى يتسع له الوقت اللازم لذلك .

و يستخلص هذا الشرط من المادة 119/2 من القانون المدني :” …و يجوز للقاضي ان يمنح المدين أجلا حسب الظروف” ، فحالة المدين هي من الظروف التي قد تقتضي منح نظرة الميسرة لأن منح هذه النظرة لن تكون إلا لدواعي مصلحة المدين.

و نصت كذلك المادة 281 مدني بقولها :” غير أنه يجوز للقضاة نظرا لمركز المدين و مراعاة للحالة الاقتصادية أن يمنحوا آجالا ملائمة للظروف ..”

و عبارة مركز المدين تعني حالته الاقتصادية و هي ظرف من الظروف التي تستدعي منح أجل قضائي للمدين حتى يتمكن من تنفيذ التزامه.

3- أن لا يصيب الدائن من جراء منح المدين نظرة الميسرة ضررا جسيما:

فليس من العدل إغاثة المدين عن طريق الإضرار البليغ بالدائن، فإذا كان يلحق بالدائن من جراء التأجيل ضرر جسيم يمتنع القاضي عن منح الأجل ، كأن يكون الدائن معولا على الدين لإبرام صفقة يعود فواتها عليه بضرر جسيم أو لأداء دين عليه لا يستطيع التأخر في وفائه .  ([74])

و هذا الشرط لم ينص عليه المشرع الجزائري كما فعل ذلك المشرع المصري صراحة.

4- أن يكون الأجل الذي يمنحه القاضي للمدين في نظرة الميسرة أجلا معقولا :

فلا يجوز للقاضي أن يمنح المدين أجلا طويلا يعطل فيه على الدائن حقه بل يجب أن يقاس الأجل بقدر ما هو ضروري لتمكين المدين من الوفاء، و قد حدد القانون هذا الأجل بما لا يزيد عن سنة واحدة.

فإذا ما توافرت هذه الشروط جاز للقاضي أن يمنح المدين هذا الأجل أو هذه الآجال و الأمر في النهاية يرجع إلى تقديره و لا رقابة عليه من المحكمة العليا .

و نشير في هذا الصدد إلى حكمين صادرين عن محكمة بريكة  الفرع الاستعجالي :

* حكم بتاريخ 07/12/97 تحت رقم 217 : “حيث أن طلب المدعية لمهلة سنة لتنفيذ الحكم المشار إليه طلب مؤسس طبقا للمادة 281 مدني ، و أن وضعيتها المادية حاليا لا تسمح لها بدفع المبالغ المحكوم بها لفائدة العمال الذين شملهم إجراء التسريح .

حيث أنه لمنع هذا الضرر يتعين الاستجابة لطلبها في منح مهلة سنة لتنفيذ الحكم السالف الذكر .”

          * حكم في 29/10/2000 تحت رقم 166 : ” حيث يتبين من وقائع القضية و الوثائق المشار إليها أعلاه أن المدعي كان مدينا للمدعى عليه بموجب العقد التوثيقي ، و قد سدد جزء منه و بقي في ذمته 140000 دج بعدما كان مدينا بمبلغ 153000 دج ، و أنه متزوج و أب ل 4 أبناء و دخله الشهري محدود حسب القسيمة المرفقة ، و عليه فطلبه مهلة لتسديد المبلغ على أقساط مؤسس طبقا للمادة 411 من قانون الإجراءات المدنية ، مما يتعين الأمر بمنح المدعي مهلة 6 أشهر لتسديد باقي المبلغ ..”

          والقاضي يمنح الأجل القضائي بمناسبة دعوى التنفيذ وأيضا بمناسبة دعوى الفسخ التي نصت عليه المادة 119 /2 من التقنين المدني الجزائري.

          فإذا كانت نظرة الميسرة في طلب التنفيذ هي استثناء علي قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ، فنظرة الميسرة حسب نص المادة 119/2 مدني هي أداة للحد من الفسخ والرغبة في الإبقاء علي العقود ومن هنا قال الفقهاء باختلاف الأساس الذي تقوم عليه نظرة الميسرة في كل حالة ، واختلاف سلطة القاضي في منح النظرة حسب اختلاف هذا الأساس .

          ففي الحالة الأولي تقوم على أساس التخفيف من قوة مبدأ أن العقد شريعة المتعاقدين وبالتالي يملك القاضي منح المدين المعسر أجلا أو آجالا متعاقبة يستطيع خلالها تنفيذ العقد.

          أما الحالة الثانية فالهدف منها توقي فسخ العقد وبالتالي لا يملك القاضي أن يمنح المدين فيها إلا أجلا لمرة واحدة.

ونخلص إلي القول أن نظرة الميسرة هي إحدى طرق تعديل العقد في نطاق المدة المتفق عليها للوفاء بالالتزام ، والقاضي وهو بصدد ممارسته لسلطة التعديل تحكمه عدة ضوابط وهي :

أ- أن يكون حق الدائن حال الأداء فإذا لم يكن كذلك فلا يجوز المطالبة به قبل حلول الأجل المتفق عليه.

ب-أن تتحقق عسرة المدين وهذه العسرة لها وجهان أولهما أن يثبت أنه لا يملك مالا علي الإطلاق إلا ما أستثني لحاجته الضرورية ، فإن ادعى أنه معسرا وكان اليسار باديا عليه تقع عليه البينة ، وثانيهما أن

يكون له مال ولكن لا يستطيع الوفاء بالدين عند حلول الأجل لكونه يملك أعيان لا يستطيع التصرف فيها أو

كانت له حقوق لدي الغير لم يصل أجلها بعد ففي هذه الحالات يكون المدين معسرا يستحق الإنظار .

ج- ألا يكون عدم الوفاء راجعا لمماطلة المدين ذلك أنه إذا كان لديه مال وقادرا على الوفاء ورغم ذلك امتنع عن الوفاء فيعد سيء النية وبالتالي لا يستحق إنظاره إلى ميسرة .

وتجدر الإشارة لأن نظرة الميسرة هي أمر جوازي بالنسبة للقاضي إن شاء أمهل المدين و إن شاء لم يمهله ([75]).

الفرع الثاني : الآثار المترتبة على نظرة الميسرة .

من الآثار المترتبة علي نظرة الميسرة ما يلي :

* يوقف التنفيذ حتى ينقضي الأجل الذي منحه القاضي للمدين ، و إذا كان الدائن ينفذ بموجب سند رسمي ثم منح المدين نظرة الميسرة وجب وقف إجراءات التنفيذ ، و إذا استمر الدائن فيها كان ما باشره منها بعد نظرة الميسرة باطلا ، فإذا ما انقضى الأجل الذي منحه القاضي للمدين ولم يوف هذا الأخير بالدين ، فإن الدائن يواصل إجراءات التنفيذ .

و إذا كان القاضي قد قسط بالدين على المدين بأن منحه آجالا متعاقبة، فإن تأخر المدين في أي قسط من هذه الأقساط يجعل جميع الأقساط الباقية حالة ويستطيع الدائن أن ينفذ عليه.

* لنظرة الميسرة أثر نسبي فهو مقصور على المدين الذي منح له الأجل دون غيره من المدينين ولو كانوا متضامنين معه ، مادام هؤلاء لم يمنحوا مثله نظرة الميسرة ، وهذا علي خلاف القاعدة التي تقضي بان ما يفيد أحد المدينين المتضامنين يفيد الباقي ذلك لأن نظرة الميسرة إنما تمنح للمدين نظرا لظروفه الشخصية فلا يتعدي أثرها إلى غيره من المدينين ممن ليست لهم هذه الظروف باستثناء الكفيل الذي ينتفع بذلك وإلا لجاز للدائن أن يرجع عليه ليتقاضى منه الدين ، ويرجع الكفيل فيما بعد على المدين بما وفاه للدائن فلا تكون هناك فائدة من منح المدين نظرة الميسرة .

و أثر نظرة الميسرة مقصور كذلك على الدائن الذي حكم في مواجهته بها ،فلا يتعد إلى الدائنين الآخرين و لو كانوا متضامنين مع الدائن الأول لأن الحكم على أحد الدائنين المتضامنين لا يضر بالباقي ، والواجب على المدين أن يدخل كل الدائنين المتضامنين في الدعوى ليحصل على حكم في مواجهتهم جميعا بمنحه نظرة الميسرة .

و خلاصة القول أن السلطة في منح الأجل القضائي تعد تدخلا حقيقيا في نطاق العقد و تمس بمبدأ قانوني مقدس لدى أنصار الحرية التعاقدية ألا و هو مبدأ العقد شريعة المتعاقدين . ([76])

و كخاتمة لفصلنا هذا نخلص إلى القول بأنه إذا كان للأطراف الحرية الكاملة في إدراج ما يشاءون من شروط في عقودهم ،حماية لاستقرار المعاملات من جهة،و حماية لمصالحهم الخاصة من جهة أخرى، فإنه قد يشوب العقد منذ تكوينه خللا يستوجب تدخل القاضي لإعادة التوازن الاقتصادي له

          فيتدخل لرفع الغبن عن الطرف الضعيف عن طريق إبطال العقد أو انقاص التزامات المتعاقد المغبون،و يتدخل لتعديل الشروط التعسفية لعقود الاذعان أو إعفاء الطرف المذعن منها ،و إذا كان العقد باطلا في أحد أجزائه فإن للقاضي سلطة انتقاص العقد بابطال الجزء الباطل،إلا إذا تبين أن العقد ما كان ليتم بغير ذلك الشق ،و إذا كان العقد باطلا أو قابلا للإبطال و توافرت فيه أركان عقد آخر، و تبين أن نية المتعاقدين اتجهت إلى إبرام هذا العقد فإن القاضي يحل محل المتعاقدين و يقيم لهما عقدا جديدا بدلا من العقد الباطل.

          و قد تعترض العقد في مرحلة تنفيذه ظروف استثنائية ،عامة ،غير متوقعة تؤدي إلى ارهاق المدين في تنفيذ الإلتزام العقدي ،فيتدخل القاضي لإزالة عبء الظرف الطارئ .

          و في حالة اتفاق الأطراف مسبقا على تعويض يستحقه الدائن عند إخلال مدينه بالتزاماته أو تأخره في التنفيذ ،أو ما يسمى بالشرط الجزائي ،يتدخل القاضي لتعديله في حالة التقدير المفرط أو التنفيذ الجزئي للالتزام ، أو في حالة استخدام المدين لغش أو خطأ جسيم .

          كما يتدخل القاضي لتعديل العقد في نطاق المدة المتفق عليها للوفاء بالالتزام، و ذلك بمنح المدين المعسر أجلا لتنفيذ التزامه .

          و كل هذه الوسائل المخولة للقاضي في التعديل، تهدف إلى المحافظة و الإبقاء على كيان العقد.

 

 

 

 

 

 

 

الخـاتــــمة

 

إن كل بحث له نتائجه التي تنبثق عن دراسته، و مدى إسهامه سواء في مجال التشريع أو القضاء في إيضاح بعض الحقائق التي يعيشها المجتمع، و هي فيما كان لتناولنا لهذا البحث الذي تصدر عنوانه: سلطة القاضي و الأطراف في تعديل العقد، محاولة منا لإرساء العدالة العقدية .

و من خلال استعراضنا لهذا الموضوع الذي يثير عدة نقاط ذات طبيعة استثنائية، لكونه يشكل اعتداءا على مبدأ ذو قيمة عالمية يسيطر على العلاقات التعاقدية هو مبدأ سلطان الإرادة، نخلص إلى القول أنه لا يمكن اعتبار الرابطة العقدية قاعدة مطلقة غير قابلة للمساس،بل بالعكس تكون في بعض الأحيان محل إعادة تنظيم بالتغيير في عناصر العقد أو شروطه.

و إذا كنا نعيش في عالم  من الاستثناءات، فإن الطموح لم يخرج عن هذا الإطار، وأنه إذا كان البحث في موضوع ما لا يعني بالضرورة التشيع له،والرغبة في إثباته و تأكيد وجوده في القانون حقا أو إعتسافا، فإننا لم نخرج في هذا البحث عن هذه الضرورة العلمية، فقد تناولنا موضوع سلطة القاضي و الأطراف في تعديل العقد بمنتهى الجدية والموضوعية لأجل إتاحة فرصة الاطلاع على هذا الجانب  الخاص في نظرية العقد.

في مرحلة أولى تطرقنا إلى سلطة الأطراف في تعديل العقد، بالتأكيد على أن هذا الأمر مكرس في كافة التشريعات المدنية المقارنة و على غرارها القانون المدني الجزائري، بإقراره أن العقد شريعة المتعاقدين لا يجوز تعديله إلا باتفاق طرفيه،كما لاحظنا في التعديل الاتفاقي أن رغبة الأطراف في إنقاذ العقد تدفع بهم إلى تركيز جهودهم على تغيير عنصر أو عدة عناصر في العقد لمواجهة الظروف المتوقعة أو غير المتوقعة و ذلك باستخدام آليات معينة تتماشى مع مصالحهم الاقتصادية،و تضمن مساواة حقيقية في الالتزامات المتقابلة، من ذلك بند التقييس و بند إعادة التفاوض،فالغرض من البند الأول أساسا هو تفادي اثر انهيار العملة عل التزامات المتعاقدين ،وذلك عن طريق اختيار رقم مرجعي على علاقة مباشرة إما بنشاط أحد أطراف العقد أو  بمحله، أما البند الثاني فيتعلق بإعادة التفاوض وهو التزام بتحقيق نتيجة الغرض منه الجلوس مرة أخرى، و مناقشة بعض شروط العقد التي لم تصبح ملائمة له بالحالة التي هي عليها ،وبعدها تكلمنا عن مدى حرية الأطراف في التعديل أثناء مرحلة التنفيذ، بحيث أنه في بعض الحالات يصبح العقد أقل فعالية ،خاصة قي العقود المستمرة ليتخذ الأطراف من ذلك مبررا لتعديل عقدهم لكن دون الخروج عن المبادئ المقررة في مجال العقود من ذلك الكتابة باعتبارها ركن انعقاد ،و عدم التعسف في استعمال الحق ،ومبدأ حسن النية في التنفيذ وعدم الخروج عن مضمون العقد.

وفي مرحلة ثانية تناولنا التعديل القضائي في نقطتين، الأولى تتعلق بسلطة القاضي في التعديل عند مرحلة التكوين فيتدخل قصد رفع الغبن عن الطرف الضعيف بإبطال العقد أو إنقاص التزامات  المغبون،وكذا إعادة النظر في الشروط التعسفية بالنسبة لعقود الإذعان و تطبيق نظرية إنقاص العقد إذا كان في شق منه باطلا

أما الثانية فتتعلق أيضا بسلطة القاضي في التعديل لكن في مرحلة التنفيذ وذلك في ثلاث حالات، فقد يعترض تنفيذ العقد ظروفا استثنائية، عامة و غير متوقعة ، تؤثر على التوازن الاقتصادي للعقد،هنا يجوز للقاضي طبقا للمادة 107/3 من القانون المدني أن ينقص من التزامات الطرف المضرور أو أن يوقف تنفيذ العقد إلى حين زوال تلك الظروف الطارئة، و في حالة اتفاق الأطراف مسبقا على تعويض يستحقه الدائن عند إخلال مدينه بالتزاماته أو تأخره في التنفيذ ،أو ما يسمى بالشرط الجزائي، يتدخل القاضي طبقا لأحكام المواد 184 و 185  لتعديله بالإنقاص إذا كان التقدير للشرط الجزائي مبالغا فيه أو في حالة تنفيذ المدين للالتزام جزئيا ،و بالزيادة في حالة استخدام المدين لغش أو خطأ جسيم ، كما يتدخل القاضي لتعديل العقد في نطاق المدة المتفق عليها للوفاء بالالتزام، و ذلك بمنح المدين المعسر أجلا لتنفيذ التزامه طبقا للمادة 210 من القانون المدني.

أي أن القاضي لا يمارس سلطته في التعديل إلا إذا توافرت الشروط القانونية المنصوص عليها في المواد أعلاه ،و إلا أعتبر متجاوزا لسلطته،و نشير إلى أن للقاضي الحرية الكاملة في القبول أو الرفض و بالتالي كان لزاما على المشرع إضفاء صفة النظام العام على تدخل القاضي حتى يضمن عدالة أكبر للطرف المتضرر.

و تدخل القاضي في التعديل رغم أنه يشكل انتهاكا للقوة الملزمة للعقد، و مساسا بمبدأ سلطان الإرادة، إلا أنه وجد لحماية مصالح الأطراف و القضاء على كل ظلم قد يلحق الطرف الضعيف.

وتجدر الإشارة إلى أن  جانبا من الفقه ذهب إلى ابعد من إمكانية تعديل العقد باتفاق الأطراف بقولهم انه يمكن التعديل حتى بالإرادة المنفردة لأحد أطراف العقد رغم انعدام الأساس القانوني له ،وذلك في أنواع محددة من العقود كعقدي السياحة والسفر تحت غطاء نظرية النفع و العدل واعتبار العقد رابطة مالية أكثر من كونه رابطة شخصية.

و أخيرا نخلص من كل ما سبق إلى أن التعديل هو وسيلة ايجابية للقضاء على الاختلال في التوازن العقدي ،بحماية العقد من مخاطر الفسخ و عدم التنفيذ و الإبقاء عليه، رغم خرقه لمبدأ سلطان الإرادة،و مع ذلك يبقى التعديل استثناءا لا يجوز التوسع فيه.

قائمة المراجع

أولا:باللغة العربية

أ – المراجع العامة

1- البداوي محمد علي:النظرية العامة للالتزام، مصادر الالتزام، الجزء الأول، الطبعة الثانية، الجامعة  المفتوحة طرابلس، 1993.

2 – البدراوي عبد المنعم:النظرية العامة للالتزامات ،دراسة مقارنة في قانون الموجبــات و العقود اللبناني و القانون المدني المصري ، أحكام الالتزام، الجزء الثاني ، دار النهضة العربية للطباعة:بيروت، 1968.

3ـ أنور سلطان: أحكام الالتزام، الموجز في النظرية العامة للالتزام، دراسة مقارنة في القانونين المصري و اللبناني ، دار النهضة العربية، بيروت 1980 .

4ـ بودالي محمد: الشروط التعسفية في العقود في القانون الجزائري، دار هومة للطباعة و النشر ، الجزائر 1998 .

5- تناغو سمير عبد السيد:نظرية الالتزام ، منشأة المعارف: الإسكندرية ،1975.

6_عبد الرزاق السنهوري:

– الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام، مصادر الالتزام، الجزء الأول ،دار النشر للجامعات المصرية ،  1960.

– الوسيط في شرح القانون المدني عقود الغرر و عقد التأمين،دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان، الجزء السابع، بدون سنة.

ـ الوسيط في شرح القانون المدني الأوصاف،الحوالة، الانقضاء،دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان، بدون سنة.

7- عابد فايد عبد الفتاح فايد:

تعديل العقد بالإرادة المنفردة، محاولة نظرية في قانون الالتزامات المقارن،دراسة تطبيقية في عقود السفر و السياحة، دار النهضة العربية، القاهرة،2005 .

عبد المنعم فرج الصدة :  نظرية العقــد في قوانيـن البلاد العربية، القـانـون المصـري و اللبنــاني و السـوري و العراقـــي و الليبي  و الكويتي و السوداني، دار النهضة العربية: بيروت، 1974.

9عبد المجيد الحكيم: الموجز في شرح القانون المدني، أحكام الالتزام،الطبعة الثالثة، الجزء الثاني، دار الحرية للطباعة ، بغداد،1977 .

10ـ فؤاد معوض: دور القاضي في تعديل العقد، دار اجامعة الجديدة للنشر ،2004 .

11ـسعيد سعد عبد السلام،التوازن العقدي في نطاق عقود الإذعان ،دار النهضة العربية، القاهرة،1998 .

12ـ كيرة حسن: المدخل إلى القانون، الطبعة الخامسة، منشأة المعارف: الإسكندرية،1974.

13ـ لعشب محفوظ بن حامد:عقد الإذعان في القانون المدني الجزائري،المؤسسة الوطنية للكتاب،1990 .

14- محمد حسنين:الوجيز في نظرية الالتزام، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية وحدة الرغاية،1983  

15ـمحمد شريف عبد الرحمن أحمد عبد الرحمن:عقود الاذعان،دار النهضة العربية ،القاهرة ،2006 .         

16ـ محمد صبري السعدي:شرح القانون المدني الجزائري،النظرية العامة للالتزامات، العقد و الإرادة المنفردة ،الجزء الأول،الطبعة الثانية، دار الهدى الجزائر،2004 .

17ـ محمد سعيد جعفور:نظرية عيوب الإرادة في القانون المدني الجزائري و الفقه الإسلامي،دار هومة للنشر و الطباعة ،الجزائر،1998 .

18ـ يكن زهدي:عقد البيع، الطبعة الأولى، منشورات المكتبة العصريــة ، شركة الطبــع والنشر اللبنانية: بيروت، بدون سنة.

ب- المراجع المتخصصة و الرسائل الجامعية

1- الفزاري حسبو:أثر الظروف الطارئة على الالتزام العقدي في القانون المقارن، دراسة تأصيلية وتحليلية لنظرية الظروف الطارئة في القانون المقارن في الشريعة الإسلامية، رسالة دكتوراه، مطبعة الجيزة: الإسكندرية، 1979.

2- نجاري عبد الله:الشرط الجزائي في القانون المدني دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، معهد الحقوق و العلوم الإدارية، 1983.

 3ـ محمود زواوي: الشكلية للصحة في التصرفات المدنية في القانون الجزائري،رسالة ماجيستير ،جامعة الجزائر  معهد الحقوق و العلوم الإدارية، 1987.

  (1)  Jean-Paul Doucet, Les clauses d’indexation et les ordonnances du 30 décembre 1958 et du 4 février 1959, L.G.D.J : Paris, 1965, p. 37

 ([2]C. D’Hoir Laupretre, A. Durrlemann, F. Ferrand, A. Mannheim-Ayache, J.J. Serret, Op.Cit., p. 78

([3])Jean-Paul Doucet, Op.Cit., p. 218.

([4]) Christine Souchon, Op.Cit., p. 28.

([5]) Boris Starck, Henri Roland, Laurent Boyer, Op.Cit., p. 265.

([6]) Farnçois Ameli, Droit Civil, Les obligations, Montchrestien : Paris, 1997, p. 138.

([7]) Yves Picod, Le devoir de loyaute dans l’exécution du contrat, Tome 208, L.G.D.J : Paris, 1989,

  1. 213.

([8]) Ibid, p. 270.

([9]) Yves Picod, Op.Cit., p. 227.

 Christine Souchon, Op.Cit., p. 29, Regis Fabre, Op.Cit., p. 19.[10]

([11])Paris 1re ch,  28 sept 1976 : J . C .P, ed (G),1978 ,II , 18810 , note, j.robert .

 ([12])Alain Ghozi, op. Cit., p.07.

   قرار المحكمة العليا. الغرفة ابلإجتماعية. صادر بتاريخ 09/03/1999. ملف رقم 170077. غير منشور                  ([13])

(1) Alin – Ghozi . OP . Cit . P 169

(1) قرار المحكمة العليا في 18/06/97 ،ملف 122 144 المجلة القضائية عدد 1 سنة 1997 ،ص 21 .

([14]). محمود زواوي ،الشكلية للصحة في التصرفات المدنية في القانون الجزائري ،رسالة ماجيستير،جامعة الجزائر،معهد الحقوق و العلوم الإدارية 1987 ،ص45 .

([15]). تعديل العقد أثناء التنفيذ ،رسالة ماجيستير في القانون، فرع العقود و المسؤولية  جامعة الجزائر،ص 67 .

([16]) زهدي يكن، عقد البيع، الطبعة الأولى، منشورات المكتبة العصرية  شركة الطبع و النشر اللبنانية:بيروت، بدون تاريخ، ص89.

([17]) Alain Ghozi, Op.Cit., p. 22.

([18]) Ibid., p. 242.

([19]) زهدي يكن، المرجع السابق، ص 208.

([20]) Alain Ghozi, Op.Cit., p. 242.

([21])Alain Ghozi, OP. CIT., pp. 242, 243.

([22]) Ibid., p. 243.

([23])  المادة 291 ق.م.ج “يترتب على التجديد انقضاء الالتزام الأصلي بتوابعه و إنشاء التزام جديد مكانه، و لا تنتقل التأمينات التأمينات التي

تكفل تنفيذ الالتزام الأصلي إلا بنص القانون أو إذا تبين من الاتفاق أو من الظروف أن نية المتعاقدين انصرفت إلى غير ذلك.”

 ([24])  سمير عبد السيد تناغو، المرجع السابق، ص 304.

 ([25])   محمد صبري السعدي ، شرح القانون المدني الجزائري ،النظرية العامة للالتزامات ،الجزء الأول ،دار الهدى عين مليلة،الجزائر، ص202

 ([26])  عبد الرزاق السنهوري ،نظرية الالتزام بوجه عام، مصادر الالتزام ،الجزء الأول،دار النشر للجامعات المصرية، ص 478

محمد صبري السعدي المرجع السابق ص208  .

([27])  فؤاد معوض،دور القاضي في تعديل العقد، دار الجامعة الجديدة للنشر، طبعة 2004 ،ص 203 ،204  .

([28])   محمد حسنين،الوجيز في نظرية الالتزام،المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية وحدة الرغاية،1983،ص61

-صبري السعدي ،المرجع السابق ص207 ،208

_عبد الرزاق السنهوري ،الوسيط في شرح القانون المدني ،مصادر الالتزام،المرجع السابق،ص 496 ،499 ،500 .

 

 ([29])  لعشب محفوظ بن حامد ،عقد الإذعان في القانون المدني الجزائري و المقارن ،المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،1990،ص 26.

بودالي محمد ،الشروط التعسفية في العقود في القانون الجزائري ،دار هومة للطباعة و النشر ،طبعة 2007 ،ص12

د.سعيد سعد عبد السلام ،التوازن العقدي في نطاق عقود الإذعان ،دار النهضة العربية ،القاهرة 1998 ،ص 37 ،38 .

)[30]( فؤاد معوض ،المرجع السابق ص 240 .

-السنهوري ،مصادر الإلتزام المرجع السابق ،ص 193 ،294 .

([31])  د. محمد شريف عبد الرحمن أحمد عبد الرحمن _عقود الإذعان_دار النهضة القاهرة،طبعة 2006، ص 36.

 ([32])  د. بودالي ،الشروط التعسفية في العقود في القانون الجزائري،دار هومة للطباعة و النشر و التوزيع الجزائر،2007، ص 14 .

 ([33])د.بودالي محمد،المرجع السابق،ص 14 إلى 16

_د.سعيد سعد عبد السلام ،التوازن العقدي في نطاق عقود الإذعان،دار النهضة العربية،القاهرة،1998، ص 40 إلى 43.

 ([34]) د.محمد صبري السعدي ،المرجع السابق ، ص 132   .

 ([35])  د.محمد شريف عبد الرحمن،المرجع السابق، ص 125  .

 ([36])  د.بودالي،المرجع السابق، ص 60 .

 ([37])  فؤاد معوض ، المرجع السابق، ص 276 ،277 .

 ([38]) د.بودالي محمد ، المرجع السابق، ص 61.

 ([39]) فؤاد معوض، المرجع السابق، ص 276، 277.

 

 ([40])  السنهوري ، نظرية الالتزام بوجه عام ،المرجع السابق،  ص 705 ،706 .

([41])   محمد حسين منصور المرجع السابق ، ص353 .عبد المنعم فرج الصده، نظرية العقد في قوانين البلاد العربية ، القانـون المصـري و اللبناني و السوري و العراقي و الليبي و الكويتي و السوداني ، المرجع السابق ، ص 482 .سمير عبد السيد تناغو ، نظرية الالتزام ، منشأة المعارف : الإسكندرية ، 1975 ، ص 143 .

([42])   محمد حسنين منصور ، المرجع السابق ، ص 354 .

 ([43])   حسبو الفزاري، أثر الظروف الطارئة عل الالتزام العقدي في القانون المقارن، دراسة تأصيلية و تحليلية لنظرية الظروف الطارئة في القانون المقارن و في الشريعة الإسلامية، رسالة دكتوراه ، مطبعة الجيزة : الإسكندرية، 1979 ، ص 307.

([44])  محمد حسين منصور ، المرجع السابق ، ص 355 .

([45])  حسبو الفزاري، المرجع السابق، ص 313 .

([46]) المحكمة العليا، الغرفة المدنية ، قرار صادر بتاريخ 10 أكتوبر 1993 ،ملف رقم 99694 ،م.ق ، العدد الأول ، 1994 ،ص 217 .

([47]) السنهوري ،نظرية الالتزام بوجه عام ،المرجع السابق ، ص 722 ،723 .

([48])  المحكمة العليا، الغرفة المدنية، قرار صادر بتاريخ 24/10/1999، ملف رقم 191705، المجلة القضائية ، العدد الثاني، 1999،ص95.

 ([49]) علي فيلالي،المرجع السابق، ص195.

([50]) الخسارة الفادحة « هي تلك التي تخرج عن حدود المألوف و تجعل التزام المتعاقد بتنفيذ التزامه ضربا من الظلم »، راجع : اسعد الكوراني،  (نظرية الحوادث الطارئة في التشريع المدني للبلاد العربية)، مقال منشور بمجلة المحاماة، العدد الأول، السنة الأربعون، ص 241.

([51])  السنهوري ،نظرية الالتزام بوجه عام ،المرجع السابق ص 735 ،فؤاد محمود معوض ،المرجع السابق ، ص 233 ،234 .

([52]) علي فيلالي، المرجع السابق، ص 197.

([53]) عبد الرزاق السنهوري،  الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام، الجزء الأول، المرجع السابق، ص 726 ،727 .

([54]) حسبوا الفزاري، المرجع نفسه، ص 701.

([55]) د السنهوري ،الوسيط في شرح القانون المدني ، نظرية الالتزام بوجه عام ، المرجع السابق، ص 726 .

([56]) د.السنهوري ،المرجع نفسه، ص 727 .

([57]) أنور سلطان،أحكام الالتزام ،النظرية العامة للالتزام ،دار النهضة العربية بيروت ،1980، ص 236 .

([58]) د.السنهوري ،نظرية الالتزام بوجه عام ، المرجع السابق ، ص 725 .

*فؤاد معوض ، المرجع السابق ، ص 234 .

([59]) حسبو الفزاري، المرجع السابق، ص 702، 703.

([60]) محمد حسنين ،المرجع السابق ، ص 253 .

([61]) فؤاد معوض ،المرجع السابق ، ص 307 .

([62]) محمد حسنين ،المرجع السابق ، ص 263  .

([63]) محمد حسنين ،المرجع السابق ، ص 265.

 (([64]  عبد الله نجاري، الشرط الجزائي في القانون المدني دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر، معهد الحقوق و العلوم الإدارية، 1983، ص 115 .

([65]) عبد الرزاق السنهوري،  الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، نظرية الالتزام بوجه عام، الجزء الثاني، المرجع السابق، ص 859.

أنور سلطان، المرجع السابق، ص 75.

عبد الله نجاري، المرجع السابق، ص125.

عبد الرزاق السنهوري،  الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، الجزء الأول، المرجع السابق، ص 687.

([66]) عبد المجيد الحكيم، الموجز في شرح القانون المدني، أحكام الالتزام،  الطبعة الثالثة، الجزء الثاني، دار الحرية للطباعة: بغداد،                 1977، ص 29.

([67]) ” لا ضرورة لإعذار المدين في الحالات الآتية :

  • إذا تعذر تنفيذ الالتزام أو أصبح غير مجد بفعل المدين.

  • إذا كان محل الالتزام تعويضا ترتب عنه عمل مضر.

  • إذا كان محل الالتزام رد شيء يعلم المدين أنه مسروق، أو شيء تسلمه دون حق و هو عالم بذلك.

  • إذا صرح المدين كتابة أنه لا ينوي تنفيذ التزامه.”

([68]) “يكون إعذاز  المدين بإنذاره، أو بما يقوم مقام الإنذار، و يجوز أن يتم الإعذار عن طريق البريد على الوجه المبين في هذا القانون، كما يجوز أن يكون مترتبا على اتفاق يقضي بأن يكون المدين معذرًا بمجرد حلول الأجل دون حاجة إلى أي إجراء آخر”.

([69]) عبد الله نجاري ،المرجع السابق ، ص 192 .

([70]) عبد المنعم البدراوي، المرجع السابق، ص 97 ، 98.

([71]) Cass civ 1re ch , 04 fevrier 1969 , Recueil Dalloz , jurisprudence, 1969, p.77

([72])عبد الرزاق السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثاني، المرجع السابق، ص 877.

([73]) المادة 2/178 ق م ج « و كذلك يجوز الاتفاق على إعفاء المدين من أية مسؤولية تترتب على عدم تنفيذ التزامه التعاقدي، إلا ما ينشأ عن غشه أو عن خطئه الجسيم … ».

([74]) د.عبد الرزاق السنهوري ،الأوصاف ،الحوالة ، الانقضاء ، ص 95 .

– فؤاد معوض ،المرجع السابق ، ص 484 ، 485 .

([75]) فؤاد معوض، المرجع السابق، ص 485 إلي 490 .

([76]) عبد الرزاق السنهوري ، الأوصاف –الحوالة – الانقضاء ، المرجع السابق، ص90 .

فسخ عقد الزواج

error: