مدى سلطة قاضي الإلغاء في تكليف الإدارة بإيداع مستندات

من أجل تكوين اقتناعه يملك قاضي الإلغاء إلزام الأطراف بالإدلاء بكافة المعلومات التي يقدر أنها تفيد في ذلك، ومع ملاحظة أن سلطة القاضي في تكليف الأطراف بإيداع المستندات واسعة، تجب الإشارة في المقابل إلى أن هناك طائفة من الوثائق والمستندات المشمولة بالسرية التي لا تكون محلا لهذه السلطة.

وما عدا ذلك فإن قاضي الإلغاء يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في الأمر بالتكليف بإيداع بعض المستندات اللازمة للفصل في الدعوى، غير ملتزم بالاستجابة لطلب أحد الطرفين، وعليه فإنه لا محل لطلب إيداع مستندات غير منتجة أو خارجة عن نطاق النزاع، أو طلب أصول مستندات صورها مودعة بالملف ولم ينازع في صحتها.

على أن هذه السلطة التقديرية تخضع لرقابة قاضي النقض، فامتناع القاضي عن الأمر بإيداع بعض المستندات ولو دون طلب الأطراف، وفصله في المنازعة دون اكتمال تحضيرها يخول للأطراف الطعن في حكمه، الذي يكون قابلا للإبطال، لإخلاله بالالتزام بالفصل في الدعوى على أساس دراية كاملة.

وهكذا فقد قضت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى سابقا وبتاريخ: 06/06/1987 بما يلي: “من المقرر قانونا أن المدعي الذي يبرر استحالة حصوله على نسخة من القرار المطعون فيه يعفى من تقديمه، وكذا في حالة عدم تبليغه، ومن المقرر أيضا أن على القاضي المحقق وفي هذا إطار السلطات المخولة له السعي لجعل الإدارة تقدم الوثيقة محل النزاع…

حيث أنه كان يتعين على القاضي المحقق وفي إطار السلطات التي يتوفر عليها السعي لجعل الإدارة تقدم الوثيقة محل النزاع.

حيث أنه يعد من النظام العام الوجه المأخوذ من أن المحكمة التي ترفض الطلبات على الحالة المقدمة بها لم تستنفد سلطاتها القضائية.

حيث يستخلص مما سبق أن القرار المطعون فيه مشوب بعيب عدم الصحة القانونية ويستوجب من أجل هذا الإلغاء”.

إن سلطة القاضي في تكليف الأطراف بإيداع المستندات لا تقتصر على المستندات الحاسمة في الدعوى فقط، بل تشمل سلطته كل الوثائق التي تساهم في تمكينه من الفصل في الدعوى أيا كان نوعها، فتشمل جميع المستندات التي في حوزة الإدارة والتي من المفيد الاطلاع عليها متى كانت تساعد على تكوين رؤية متكاملة وواضحة لدى القاضي تمكنه من تكوين عقيدته أو من الأطراف من الدفاع عن حقوقهم. ومثالها ملفات زملاء الموظف المؤدب، والحالات المماثلة التي يمكن من خلالها تبين مدى تعسف الإدارة في استعمال سلطتها التقديرية اتجاه الموظف الطاعن في القرار التأديبي محل دعوى الإلغاء.

وإذا كان قاضي الإلغاء يستقل بتقدير مدى الحاجة إلى توجيه التكليف بتقديم المستندات والبيانات المجدية في ضوء كل حالة على حدة، فقد جرى العمل على استعمال هذه الوسيلة كلما:

1- قدم المدعي في دعوى الإلغاء تأكيدات ووقائع من شأنها تكوين قرائن قوية على صحة الادعاء، فعندئذ يطلب القاضي من المدعى عليه وهو الإدارة عادة تقديم بعض المستندات والبيانات اللازمة للإيضاح.

2- إذا تعارضت الادعاءات وثار الخلاف بشأن حقيقة بعض الوقائع ففي هذه الحالة يطلب القاضي تقديم المستندات التي يمكنه من خلال الاطلاع عليها اكتشاف الحقيقة والحكم على أساسها.

إن وسيلة التكليف بإيداع مستندات تؤدي في الكثير من الأحيان إلى نتائج حاسمة، فمن وجه إليه التكليف بتقديم مستندات إما أن يستجيب أو لا يستجيب، ففي حالة استجابته في الآجال المحددة يتمكن القاضي من الاطلاع على المستندات والعناصر التي لم يكن في وسع المدعي الاطلاع عليها دون تدخل من جانبه ويصدر حكمه في ضوئها.

وإما أن لا تستجيب الإدارة أو تقدمها ناقصة أو تلتزم الصمت، وهذا يعوق القاضي عن أداء دوره في رقابة المشروعية، وينم عن إهمال وعدم تعاون، وفي هذه الحالات فإن قاضي الإلغاء سواء في مصر أو فرنسا يعتد في الإثبات بالوقائع التي لم تنكرها أوراق الملف ويعتبرها صحيحة طالما أن الطرف الذي وجه إليه التكليف لم يفندها ولم يقدم المستندات السابق طلبها والتي من شأنها التشكيك في صحة هذه الوقائع أو نفيها؛ فإهمال الإدارة وعدم تعاونها يعد دليلا على صحة الوقائع والادعاءات التي لم تقدم ما بدحضها ولم تقدم الوثائق التي تثبت عكسها، حتى ولو كان ذلك يرجع إلى أسباب خارجة عن إرادتها كتلف الملف المطلوب أو ضياعه، لأنها بذلك -ولو كانت حسنة- النية تجعل القاضي في وضع تستحيل معه رقابة المشروعية. والحال نفسه في حالة تقديم الإدارة لمستندات غير كافية أو غير منتجة.

لقد استقر قضاء المحكمة الإدارية بمصر على أن نكول الإدارة عن تقديم ما طلب منها تقديمه من مستندات أو بيانات أو تسببها في فقدها يقيم قرينة لصالح المدعي تؤدي إلى نقل عبء الإثبات إلى الإدارة، حيث يعد ذلك بمثابة تسليم منها بما جاء بعريضة الدعوى.

وقضت بالمقابل أنه متى نشطت الإدارة ووضعت الوثائق والمستندات تحت نظر المحكمة، فيغدو من المتعين حينئذ إسقاط تلك القرينة، حيث أنها قرينة مؤقتة تزول بتقديم المستندات التي يطلبها القاضي. كما أن هذه القرينة تسقط أيضا إذا وقع من جانب الأفراد إهمال أو غش أو تواطؤ مع عمال الإدارة لتحقيق هذه الغاية على حساب المصلحة العامة أو إذا كان من شأن الاعتداد بهذه القرينة من شأنه تهديد سير وانتظام مرفق عام أو تعريض الأمن العام أو الصحة العامة أو السكينة العامة للخطر، أو انهيار أحد المقومات الأساسية للمجتمع.

ففي حالة الأخذ بعذر الإدارة وإعفائها من تقديم الوثائق يكون القرار قد احتمى من الإلغاء وأفلت من رقابة القضاء، وتكون الإدارة قد كسبت بامتناعها عن تقديم الوثائق أو إضاعتها لها ميزة غير عادلة نتيجة لموقفها السلبي أو لتقصيرها.