صعوبة إثبات عدم المشروعية

صعوبة إثبات عدم المشروعية الداخلية في حالـة اختصاص الإدارة التقديري

عندما ينظم المشرع اختصاصات الإدارة إما أن يمنحها اختصاصا مقيدا، وإما أن يترك لها الحرية في الكيفية التي تعالج بها الحالات الواقعية والقانونية التي تعرض لها في العمل؛ فتستطيع أن تأخذ بالحل الذي تراه مناسبا لمعالجة تلك الحالات، وتسمى هذه الحرية الممنوحة لها بالسلطة التقديرية.

ولتحديد مفهوم السلطة التقديرية دور كبير في إرشاد المدعي والقاضي الإداري إلى حدودها، ولهذا ارتأينا أن نتعرض في هذا المطلب إلى مفهوم السلطة التقديرية ومبرراتها (الفرع الأول)، وأثرها على موقف المدعي في دعوى الإلغاء في الإثبات (الفرع الثاني).

الفرع الأول: مفهوم السلطة التقديرية للإدارة ومبرراتها.

لقد بدأت السلطة التقديرية في فقه القانون الإداري كضرورة لا غنى عنها، فمن المسلم به أن الإدارة يجب أن تعمل فكرها لتواجه المواقف الجديدة، دون أن تحيل في كل الأحوال لنصوص القانون، وإذا كانت السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، فإن السلطة المقيدة بالكامل هي كذلك نوع من الفساد بما تعنيه من شلل تام لحركة الحياة.

أولا: تعريف السلطة التقديرية للإدارة:

تعرّف السلطة التقديرية بأنها: ” تمتّع الإدارة بهامش من الحرية عند قيامها بنشاطها وممارسة اختصاصاتها الممنوحة لها قانونا”.

ويحاول الدكتور سامي جمال الدين تبسيط فكرة السلطة التقديرية فيقول: ” السلطة التقديرية هي أمر يتصل بتطبيق القواعد القانونية، ومن ثم فإنها ترجع بالدرجة الأولى إلى موقف المشرع عند سن القواعد القانونية؛ فقد يتولى صياغتها في صورة جامدة بحيث لا يملك أحد سلطة تقديرية في تطبيقها، وقد يصوغها في صورة مرنة بحيث تنطبق على الحالات الخاصة وفقا للسلطة التقديرية لمن يتولى هذا التطبيق”.

إذا تكون سلطة الإدارة تقديرية حينما يترك لها القانون الذي يمنحها هذه السلطة بصدد علاقاتها مع الأفراد الحرية في أن تتدخل أو تمتنع، ووقت هذا التدخل وكيفيته، ومضمون القرار الذي تتخذه، ومثال ذلك حرية الإدارة في تقدير العقوبة التي توقعها على الموظف الذي ثبت ارتكابه لخطأ تأديبي.

ويذكر فالين في تعريفة التقدير أن رجل الإدارة -قبل أن يتخذ قرار- يستلهم الإجابة عن أسئلة ثلاثة، أولها: هل القانون يمنحه هذا الحق؟ وثانيها: هل يلتزم باتخاذ هذا القرار؟

فإذا كانت الإجابة إيجابا بالنسبة للسؤال الأول وسلبا للسؤال الثاني ثار السؤال الثالث وهو: هل يتحقق الصالح العام من وراء اتخاذ هذا القرار؟ وهنا يكمن التقدير، والسؤال الأول والثاني من مسائل القانون أما الثالث فهو مسألة إدارية تماما ولا يستطيع القاضي فرض رقابة عليها وهذا هو مجال السلطة التقديرية.

ولقد اختلف الفقه حول حدود السلطة التقديرية للإدارة، إذ ينتهج البعض في تعريف السلطة التقديرية طريقا سلبيا، فيشيرون إلى أن مصدر السلطة التقديرية هو عدم التحديد في التنظيم القانوني، ويرتبون على ذلك أن عدم الشرعية يكمن في مخالفة القاعدة. ويعلق فينيزيا على هذا الرأي بأن عدم التحديد هو مجرد ظاهرة ثانوية، ويتساءل: هل التنظيم القانوني والسلطة التقديرية فكرتان تستبعد إحداهما الأخرى؟ ويجيب على هذا التساؤل بأنه غير مقبول القول أن هناك سلطة تقديرية لأن هناك عدم تحديد في التنظيم القانوني؛ ذلك أن عدم التحديد ليس سببا للسلطة التقديرية بل هو نتيجة لها وعلامة على حدودها.

ويرى Alain BOCKEL أنه وحسب وجهة النظر التقليدية يمكن الإحاطة بمفهوم السلطة التقديرية من خلال فرضيتين:

1- السلطة التقديرية متوافرة عندما لا يحدد القانون للإدارة أسباب لممارسة الاختصاص.

2 – السلطة التقديرية متوافرة عندما يترك القانون للإدارة الحرية في الاختيار عند ممارسة اختصاصها، وأن تقدر المعطيات وعلى أساسها تتخذ الحل الذي تراه أكثر ملاءمة.

لكن هذا التعريف ورغم أهميته ورغم أنه يتيح لنا معرفة متى يمكن القول بوجود سلطة تقديرية إلا أنه عام ومجرد جدا، ويحتاج إلى تكملته من خلال البحث عن مظاهرها. والمتمثلة في سلطة تقدير التدخل من عدمه، وسلطة اختيار مضمون القرار الذي يمثل التدخل، وهذا المظهر الأخير هو الذي يثير إشكالية مدى ونطاق هذه الحرية وهل لها حدود معينة؟

لقد صنف الدكتور رمضان محمد بطيخ الآراء في تعريف السلطة التقديرية إلى صنفين هما التعريف الإيجابي والتعريف السلبي:

فالتعريف الإيجابي يقوم على أساس أن المشرع هو مصدر السلطة التقديرية، وعلى هذا الأساس تعرف السلطة التقديرية أنها: حرية التقدير التي يعطيها المشرع للإدارة لكي تحدد ما ترى فعله، وما ترى تركه، دون أن يحدد لها المبررات التي تلتزم بممارسة اختصاصها على أساسها، ولهذا فهي غير خاضعة في هذا النشاط لأي التزام قانوني، ومن ثم لا يمكن أن توصم عند إجرائه بعدم الشرعية.

أما التعريف السلبي للسلطة التقديرية فيرتبط أساسا بالقيود التي يضعها القضاء الإداري على نشاط الإدارة وهو بصدد رقابته لهذا النشاط، فالسلطة التقديرية وفقا لهذا التعريف لا تتحقق ولا يعترف بها للإدارة إلا فيما لا يخضع من تصرفاتها لرقابة القضاء الإداري.

والحقيقة أنه لا يمكن الأخذ بأحد التعريفين لوحده، فالتعريف الإيجابي يستبعد دور القاضي الإداري في خلق القواعد القانونية، وما يمكن أن يكون لهذه القواعد من دور في تقييد السلطة التقديرية للإدارة، كما أن التعريف السلبي يجعل كل من السلطة التقديرية للإدارة ورقابة القضاء تدوران مع بعضهما وجودا وعدماً، وهذا ما يلغي فائدة التعريف، ولهذا يكون من الأصوب الجمع بين التعريفين، فلا تثبت السلطة التقديرية للإدارة في جانب من جوانب القرار الإداري إلا إذا كانت القواعد التشريعية والقضائية مجتمعة لم تقيد حرية الإدارة في التصرف.

وأصوب من هذا وأدق هو قول الدكتور سامي جمال الدين:” نشير بادئ ذي بدء إلى أن هذه الحرية وتلك السلطة لا تتحدد وفقا لإرادة المشرع فحسب، وإنما يتحدد مداها إلى حد كبير تبعا لموقف القضاء الإداري من دور المشرع بصدد عناصر القرار الإداري المختلفة، وعليه فإن تحديد جوانب التقييد أو التقدير في عناصر القرار الإداري لن تخضع فقط لإرادة المشرع، وإنما ستعود كذلك إلى تفسير القاضي -وليست إرادته- لموقف المشرع أو إرادته بصدد تلك العناصر”.

ويحاول الأستاذ Réné CHAPUS أن يبسط فكرة السلطة التقديرية بضرب مثال في أشهر مجالاتها وهو مجال تأديب الموظفين، ففي شأن السلطة الممنوحة للإدارة في اختيار عقوبة من بين عشر عقوبات تأديبية كجزاء لخطأ الموظف يقول: “في خطوة أولى فإن القانون يقر بأن الإدارة المختصة حرة في الاختيار بين عشر عقوبات قانونية يمكن الحكم بها والتي تقدر أنها أكثر ملاءمة (la plus adéquate)، ولكن في خطوة ثانية فإن نطاق حرية تحديد العقوبة ينحصر بين عقوبتين أو ثلاث عندما تأخذ بعين الاعتبار جسامة الخطأ، فالإدارة هنا لها الحرية في الاختيار بين عقوبتين أو ثلاث وفي حالة الاختيار خارج هذا النطاق فإنها تمارس اختيارا غير مشروع، وهذه قضية ملاءمة في الخطوة الأولى، لكنها تصبح في الخطوة الثانية قضية مشروعية”.

error: