الفصل في منازعة متفرعة عن قضية منظورة

لائحة اعتراضية

رقم القضية 313/٣/ ق لعام ١٤١٩هـ

رقم الحكم الابتدائي ٣/د/ف /٢٩ لعام ١٤٢٠ هـ

رقم حكم هيئة التدقيق ١٩٦ /ت /١ لعام ١٤٢٠ هـ

تاريخ الجلسة 13/9/١٤٢٠هـ

الموضوعات

اختصاص ولائي -الفصل في منازعة متفرعة عن قضية منظورة أمام جهة قضائية أخرى – تفسير منطوق الحكم – جواز طلب المدعي ما أغفل من طلبات في حكم نهائي لذات المحكمة – قاضي الأصل قاضي الفرع – الخاص مقدم على العام.

مطالبة المدعي بإلزام المدعى عليها بإزالة الضرر عن مزرعته طبقا لما اشتمل عليه الحكم الصادر من محكمة صفوى، وتعويضه عن ذلك الضرر سبق إقامة دعوى أمام المحكمة المذكورة وطلب فيها المدعي إلزام الجهة بتعويضه عن الحجز المقتطع من مزرعته، وعما أصابه من أضرار جراء ارتفاع الطريق عن المزرعة، وإزالة هذا الضرر، وقد صدر حكمها متضمنا تعويضه عن الجزء المقتطع من مزرعته ودفع الضرر بتصريف مياه الأمطار عنها، واكتسب الحكم الحجية بتأييد من محكمة التمييز التكييف الصحيح لطلبات المدعي في ضوء النية الحقيقية التي قصدها ليس مطالبة الجهة بإزالة الضرر وإنما في كيفية إزالته إذ إن المدعي رفض جميع مقترحات الجهة لإزالته طبقا للحكم المشار إليه، فالنزاع مرده إلى تفسير ذلك الحكم الذي اقتصر على النص “دفع الضرر بتصريف مياه الأمطار” ، ولما كان استناد المحكمة لولايتها لا يسلب حقها في التفسير، وبالتالي فللمدعي أن يرجع إلى نفس المحكمة التي أصدرت الحكم لجلاء غموضه وتفسيره إذ إن المنازعة تعتبر متفرعة عن المسألة المقضي فيها، ولا يدخل في اختصاص الديوان النظر في المنازعات التي يكون محلها التعقيب على الأحكام التي تصدرها المحاكم العامة – كذلك فإن طلب التعويض عن وجود الضرر قد أغفلت المحكمة الفصل فيه وبالتالي فلا تستنفد ولايتها للفصل فيه مجددا أثر ذلك: عدم اختصاص ديوان المظالم ولائيا بنظر الدعوى.

الأنظمة واللوائح

المادة (٢٦) من نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/٦٤) وتاريخ 7/1/ ١٣٩٥هـ.

الوقائع

من حيث إن وقائع هذه الدعوى تتحصل بالقدر اللازم لإصدار هذا الحكم طبقا لما اشتملت عليه وثائقها في أن المدعي تقدم بعريضة دعوى إلى الديوان تضمنت استقطاع المدعى عليها في سنة 1٤٠١ هـ جزءا من مزرعته المملوكة له بموجب الصكين الشرعيين رقم (٤٠) وتاريخ 19/6/1403هـ ورقم (٦٩) وتاريخ 1/7/1404 هـ الصادرين من كتابة العدل بصفوى بغرض إنشاء طريق يصل الجبيل بالدمام؛ ونظرا لأن المدعى عليها نفذت هذا الطريق بارتفاع ثمانية أمتار جزء منه مردوم والآخر على شكل جسر خرساني ولم تتخذ التدابير اللازمة لمنع تجمع مياه الأمطار – على حد زعمه- ؛ وترتب على ذلك زيادة منسوب المياه الجوفية؛ مما أثر سلبا على إنتاج المزرعة؛ وبالتالي فإنه يقدر خسارته السنوية بأربعمائة ألف ريال (٠٠٠,٤٠٠ ) على مدى تسعة عشر عاما، وشرحا لأسانيد دعواه ذكر أن هذا الضرر ثابت بموجب ما  اشتمل عليه الصك الصادر من محكمة صفوى القاضي بالحكم على المدعى عليها بتعويضه عن الجزء المقتطع لصالح الطريق المشار إليه ودفع الضرر عن مزرعته بتصريف مياه الأمطار عنها؛ وقد أيد هذا الحكم من محكمة التمييز وصادق عليه مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة؛ واختتم لائحة دعواه بالمطالبة بالقضاء بإلزام المدعى عليها برفع الضرر؛ وأن تدفع له مبلغ ستة ملايين وثمانمائة ألف ريال (6.800.000) كتعويض عن الأضرار التي لحقت بمزرعته، مع استمرار التعويض حتى إزالة الضرر. وبإحالة القضية إلى الدائرة نظرتها على نحو ما هو مدون بمحاضر الضبط، وبتاريخ 18/12/١٤١٩ هـ ورد للدائرة خطاب مدير عام الطرق والنقل بالمنطقة الشرقية رقم (١١٢٢١/6) وتاريخ 17/12/1419 هـ، مفيدا أن الفترة حتى موعد الجلسة لا تكفي لدراسة الدعوى ومبرراتها؛ طالبا في ختامه من الدائرة تأجيل الميعاد شهرا آخر. وبجلسة 20/12/1419 هـ حضر المدعي في حين تخلف بقية الأطراف. وبتاريخ 9/1/1420هـ ورد للدائرة خطاب مدير عام الطرق والنقل بالمنطقة الشرقية رقم (٦٩٨/6)  وتاريخ 5/1/١٤٢٠ هـ يلتمس فيه تأجيل الجلسة إلى شهرين آخرين حتى يتسنى للجهة المختصة بالوزارة دراسة الدعوى من جميع جوانبها. وبجلسة 23/1/١٤٢٠ هـ حضر المدعي كما حضر مندوب ديوان المراقبة العامة فيما تخلف كل من ممثل الجهة المدعى عليها ومندوب وزارة المالية والاقتصاد الوطني، وقد حصر المدعي دعواه في المطالبة بإلزام المدعى عليها بإزالة الضرر الصادر بشأنه الحكم المشار إليه؛ والتعويض عنه بما مجموعه ستة ملايين وثمانمائة ألف ريال (6.800.000) وقدم صورة من خطاب وزير المواصلات رقم (١٠٨٨) وتاريخ 29/7/1411 هـ فيه الإشارة إلى الأمر السامي رقم (٤/ ١٣٤٩) م وتاريخ 27/7/١٤١١ هـ، وقد طلبت منه الدائرة إحضار أصل الصك للمطابقة، وبسؤاله: هل سبق له أن طلب تعويضه عن هذا الضرر أمام محكمة صفوى أفاد قائلا: نعم؛ لقد طلبت تعويضي عن الجزء المقتطع من أرضي وحكم لي بالتعويض وعوضت عنه، وطلبت إزالة الضرر وحكم لي برفعه ولكنه ما زال قائما، وطلبت تعويضي عن وجود هذا الضرر فصرف النظر عنه، وبعرض خطاب المدعى عليها آنف الذكر بصدد طلب تأجيل موعد الجلسة شهرين آخرين على المدعي لم يمانع من ذلك. وبجلسة 22/3/1420هـ حضر مندوب ديوان المراقبة فيما لم يحضر الأطراف. وبجلسة 7/4/1420هـ حضر المدعي أصالة فيما لم يحضر بقية الخصوم. وبجلسة 21/4/١٤٢٠ هـ حضر المدعي كما حضر ممثل المدعى عليها ومندوب عن ديوان المراقبة العامة، وقدم المدعي أصل الصك؛ وبعد سماع الدعوى واطلاع ممثل المدعى عليها على مشفوعاتها ومحاضرها وما استفسرت عنه الدائرة من المدعي وإفادته بهذا الخصوص؛ طلب منه الإجابة عن الدعوى فقال: إن الإدارة العامة للدراسات والتصاميم بالوزارة اقترحت ثلاثة حلول لإزالة الضرر؛ أشار إليها خطاب مدير عام الإدارة العامة للممتلكات بالوزارة رقم (٤٣٦٧/ط) وتاريخ 20/4/١٤٢٠ هـ المتضمن اقتراح الإدارة العامة للطرق والنقل بالمنطقة الشرقية والمتمثل بتنفيذ (برودرات) من الجسر حتى العبارة مع قنوات تصريف رأسية إضافية لقناة تصريف أفقية في نقطة التقاء ميول الطريق مع الأرض الطبيعية عند حدود مزرعة المدعي؛ وأن المدعى عليها خاطبت المدعي سابقا للإفادة عن مرثياته ولم يتجاوب؛ فما كان من المدعي إلا أن قال: إن جميع ما اقترحته المدعى عليها وما ستقترحه من حلول فإنني أرفضه وأطلب إنفاذ مقتضى الحكم الصادر لي فحسب، وقد طلب ممثل المدعى عليها من الدائرة أجلا إلى شهرين لإعداد رد تفصيلي على الدعوى؛ فلم يمانع المدعي من ذلك. وبجلسة هذا اليوم حضر طرفا الدعوى ومندوب ديوان المراقبة العامة؛ وقدم ممثل المدعى عليها مذكرة تضمنت قيام المدعى عليها بدراسة عدة حلول لإزالة الضرر على الرغم من أن الحكم المذكور لم يحدد فيه كيفية إزالة الضرر وتبين من تلك الدراسة ن أنسب الحلول وأقلها تكلفة هو:أ- عمل حاجز خرساني في نهاية ميول الطريق لمنع وصول مياه الأمطار إلى المزرعة وتوجيهها نحو العبارة الصندوقية الموجودة جنوب شرق الأرض إذ إن الميل يتجه نحو الجنوب بمقدار (٣%). ب- القيام بتعديل ميل العبارة بحيث يكون المخرج السابق هو المدخل والعكس صحيح للجهة الأخرى. ج-  تهذيب منطقة المخرج الجديدة وتحسينها حتى تساعد في عملية التصريف من الداخل.

وقد سبق للإدارة العامة للطرق والنقل بالمنطقة الشرقية قبل رفع المدعي هذه الدعوى مخاطبته بشأن تفاصيل الحل لإزالة الضرر للإفادة عن رأيه بيد أنه لم يتجاوب معها، أما بالنسبة لمطالبته بالتعويض فعليه التقدم إلى اللجنة المشكلة بقرار وزير الشؤون البلدية والقروية بالنيابة رقم (١٦١) وتاريخ 25/3/١٤٠٠ هـ  المبني على الأمر السامي رقم (٢٢٠٣٧) وتاريخ 22/3/١٣٩٨ هـ ؛ وفي ختام رده على الدعوى طلب رفضها، وبذات الجلسة أصدرت الدائرة هذا الحكم.

الاسباب

بناء على الدعوى والإجابة، وبعد الاطلاع على المادتين (٨، ٩) من نظام ديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م / ٥١) وتاريخ 17/7/1404 هـ وعلى قواعد المرافعات والإجراءات أمام الديوان الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (١٩٠) وتاريخ 16/11/١٤٠٩ هـ وبعد الاطلاع على المادة (٢٦) من نظام القضاء الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م / ٦٤) وتاريخ 14/7/١٣٩٥ هـ وعلى الصك الصادر من محكمة صفوى برقم (٢٤) وتاريخ 7/2/1408هـ المؤيد من محكمة التمييز بقرارها رقم (١٤٧/ ق /١أ) وتاريخ 26/2/١٤١٠هـ والمصادق عليه من مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة برقم (148/4) وتاريخ 5/6/١٤١١ هـ؛ وبعد دراسة كافة الأوراق وسماع المرافعة، وبالنظر في القواعد الشرعية والنظامية الواجبة التطبيق؛ ومن حيث إن المدعي يهدف من إقامة دعواه التي حصرها بجلسة 23/1/١٤٢٠ هـ إلى الحكم على المدعى عليها بإزالة الضرر عن مزرعته بموجب ما اشتمل عليه الحكم الصادر من محكمة صفوى المشار إليه آنفا؛ وتعويضه عن وجوده بمبلغ ستة ملايين وثمانمائة ألف ريال (6.800.000)، ولما كان الثابت من الأوراق أن هذه الدعوى سبق ان نظرت أمام تلك المحكمة بعد أن استأذنت المقام السامي لسماعها بخطابها رقم (٥٧) وتاريخ 25/1/1407 هـ؛ فأذن لها بذلك؛ وبلغت به بخطاب وكيل وزارة العدل للشؤون القضائية رقم (٦٠٢) وتاريخ 30/4/١٤٠٧ هـ المشفوع بخطاب نائب رئيس مجلس الوزراء رقم (٤/ ٦٢٧/ م) وتاريخ ٢٠/ ٤/1407 هـ؛ وكان المدعي قد طلب فيها كما هو مثبت بجلسة ١٤/ ٧/1407 هـ تعويضه عن الجزء المقتطع من مزرعته؛ وعما أصابه من أضرار جراء ارتفاع الطريق نظرا لتجمع مياه الأمطار بها؛ وإزالة هذا الضرر؛ وبجلسة 16/11/1408 هـ صدر حكمها المتضمن تعويض المدعي عن الجزء المقتطع من مزرعته؛ ودفع الضرر بتصريف مياه الأمطار عنها، وقد اكتسب هذا الحكم حجيته بتأييد محكمة التمييز له ومصادقة مجلس القضاء الأعلى بهيئته الدائمة عليه، ولما كان من المقرر أنه ولثن كان تصوير طلبات المدعي من توجيهه؛ فإن الهيمنة على سلامة هذا التكييف من تصريف الدائرة ناظرة القضية؛ إذ عليها أن تنزل صحيح حكم النظام على واقع المنازعة؛ وأن تتقصى طبيعة هذه الطلبات ومراميها في ضوء النية الحقيقية التي قصدها المدعي من وراء إبدائها. ومن حيث إنه متى كان من الثابت من استعراض الوقائع أن الخلاف بصدد الطلب الأول للمدعي ليس مطالبة المدعى عليها بإزالة الضرر من حيث هو؛ إذ إن هذا الطلب مفصول فيه لصالحه، وإنما النزاع بينهما في حقيقة الأمر ناشئ عن خلاف في كيفية إزالة ذلك الضرر، فالمدعي يستند إلى ما اشتمل عليه الصك الصادر من محكمة صفوى ويرفض جميع مقترحات المدعى عليها لإزالة الضرر عن مزرعته ويطلب إنفاذ مقتضى الحكم المذكور كما هو مثبت بجلسة 21/20/14020هـ؛ في حين أن المدعى عليها تدفع بأنها لم تمتنع عن تنفيذ ذلك الحكم بسبب عائد إليها؛ وإنما لعدم تجاوب المدعي معها رغم كتابتها إليه؛ بما ينفي عنها مظنة التمرد أو الرغبة في الإعنات أو تجاوز الإجراءات بقصد تعطيل تنفيذ أحكام القضاء وما قد يشوب ذلك من تعسف ظاهر؛ فهي إذا لا تتنكر للحكم ولا تتجاهله، إذا كان ذلك؛ وكان البين أن النزاع بشأن هذا الطلب مرده إلى تفسير ذلك الحكم الذي اقتصر على النص على: (دفع الضرر عن المزرعة بتصريف مياه الأمطار عنها)؛ ولما كان استنفاد المحكمة لولايتها لا يسلب حقها في التفسير؛ إذ إن الأصل ألا سبيل إلى إلغاء أحكام القضاء أو تعديلها إلا بسلوك طرق الطعن المقررة نظاما؛ غير أنه من الجائز استثناء من هذا الأصل: وللتيسير؛ الرجوع إلى ذات المحكمة التي أصدرت الحكم لتفسير ما عساه يكتنف منطوقه من غموض أو إبهام؛ إذا كانت عباراته قد وردت على نحو من شأنه أن يغلق سبيل تفهم المعنى المراد منه أو أنه يحتمل أكثر من معنى؛ وذلك بحسب تقدير المحكمة؛ لا ما التبس على الخصم فهمه رغم وضوحه؛ إذ إن تفسير المنطوق مسألة تقديرية يحكمها معنى عام هو استغلاق عبارة المنطوق في ذاتها؛ وإذا كان تفسير الحكم جائزا بالنسبة لقضائه الوارد في منطوقه دون أسبابه إلا ما كان منها مرتبطا به ارتباطا جوهريا؛ وذلك إذا كانت عباراته في ذاتها تبعث على الحيرة في كيفية تنفيذه؛ بما يقتضي الإيضاح لاستجلاء قصد المحكمة؛ ابتغاء الوقوف على حقيقة المراد منه؛ حتى يتسنى التنفيذ بما يتفق وهذاالقصد، وذلك يستدعي أن يرجع الخصم في شأنه إلى نفس المحكمة التي أصدرته بجلاء غموضه، وليس المقصود بتفسير الحكم البحث عن إرادة القاضي الذي أصدره؛ باعتبار أن الحكم عمل تقديري، ولذا فإن ذلك إنما يكون بتحديد ما يتضمنه بالبحث في العناصر الموضوعية التي تكون الحكم ذاته منفصلا عن إرادة القاضي الذي أصدره؛ ولذا لا يشترط أن يقوم به ذات القضاة الذين أصدروا الحكم، إذ الأمر يتعلق بالتفسير المنطقي بالنظر إلى أسباب الحكم وعناصره الأخرى، وبتطبيق ما تقدم على الدعوى مثار النزاع، ولما كان من المقرر أن للأحكام القضائية القطعية حجيتها؛ إقرارا للنظام والطمأنينة؛ فهي عنوان الحقيقة فيما قضت به، وذلك لعلتين؛ إحداهما: حسم النزاع عند حد تنتهي به الخصومة؛ فالعودة لإثارة النزاع فيه بدعوى جديدة زعزعة لهذا الوضع المستقر؛ وهو ما لا يتفق ومقتضيات النظام؛ الذي جعل ذلك بمثابة قاعدة تنظيمية أساسية، رعاية لحكمة ترتبط بالصالح العام؛ واستهدافا لحسن سير العدالة؛ واتقاء تأييد المنازعات، والأخرى هي: الحيلولة دون التناقض في الأحكام القضائية مع مراعاة النسبية في الحقيقة القضائية؛ استقرارا للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وكان من المقرر كذلك أنه يشترط التمسك بحجية الأمر المقضي وحدة الخصوم؛ وتتعلق النزاع بذات المحل سببا وموضوعا؛ وأن يكون الحكم الصادر قضائيا بأن يصدر من جهة قضائية لها الولاية في الحكم الذي أصدرته بموجب وظيفتها القضائية؛ وأن يكون قطعيا، وعلى هذا المقتضى فإنها تحقق وظيفتها عن طريق اثرين؛ الأول: سلبي؛ يتمثل في عدم جواز تكرار الدعوى، فمتى رفعت دعوى وصدر حكم فاصل في موضوعها؛ امتنع على الخصوم معاودة اللجوء إلى القضاء برفع نفس الدعوى مرة أخرى؛ وامتنع على القضاء إصدار حكم جديد فيها، وإذا حدث ذلك: كان للخصم التمسك بدفع عدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها، كما أن على المحكمة أن تقضي به من تلقاء ذاتها والثاني: أثر إيجابي، إذ قد يصدر حكم يجوز الحجية في دعوى معينة؛ ثم تقام دعوى أخرى بين الخصوم أنفسهم لا تنطوي على ذات النزاع، وإنما على مسألة متفرعة عن المسألة المقضي فيها، وفي هذه الحالة لا يمتنع عن القاضي نظر الدعوى؛ وإنما يجب عليه أن يتقيد بالنتائج الموضوعية التي وصل إليها الحكم السابق، إذا كان ذلك، وكان من المعلوم أن ديوان المظالم . مقتضيات نظامه وعلى ما استقر عليه قضاؤه واطرد هو جهة القضاء الإداري المختص بالنظر والفصل في كافة المنازعات الإدارية طالما لا يوجد نص خاص يسند ولاية القضاء في بعض من تلك المنازعات إلى جهة أخرى، ومن مقتضى ذلك أنه لا يدخل في اختصاص الديوان النظر في المنازعات التي يكون محلها التعقيب على الأحكام التي تصدرها المحاكم العامة، ذلك أن ولاية الديوان على المنازعات التي تكون جهات الإدارة طرفا فيها ولاية عامة، أما ولاية النظر في هذه القضية بخصوصها؛ فبالرغم من كونها قضية إدارية فهي ولاية خاصة خولت إلى تلك المحكمة التي استأذنت المقام السامي لسماعها؛ ومن القواعد الأولية المقررة أنه إذا ما تعارض عام وخاص؛ بأن كان الخاص يثبت حكما في بعض أفراد العام مخالفا لحكم العام؛ فإن الخاص مقدم على العام؛ ولاسيما إذا كان الخاص متأخرا عن العام في التاريخ، لأن العمل بالخاص فيه إعمال بكلا النصين؛ ومن المقرر الثابت أن إعمال النصين معا أولى من إهمال أحدهما أو كليهما، ذلك أن العام يعمل به في غير الفرد الذي دل عليه الخاص؛ والخاص يعمل به فيما دل عليه من الأفراد؛ كما أن من القواعد الفقهية المقررة كذلك أن الولاية الخاصة أولى من الولاية العامة، وإذا كان من المقرر عند الفقهاء أن للإمام أو نائبه أن يولي القاضي عموم النظر في عموم العمل؛ وأن يوليه خاصا في أحدهما أو فيهما، وبالتالي فإن نظر تلك المنازعة قد أنيط بمقتضى الأمر السامي المذكور إلى محكمة صفوى؛ وأصبح الفصل في تلك القضية من اختصاصها وضمن ولايتها؛ خاصة أنها حكمت في الموضوع؛ والحكم فيه يعد حكما ضمنيا بالاختصاص؛ وعلى ذلك؛ ولما كان النزاع في هذا الطلب متفرعا من أصل المنازعة المنظورة أمام محكمة صفوى؛ فإن تفسير هذا النص والفصل فيه يكون من اختصاصها أيضا. ومن حيث إن الطلب الثاني للمدعي المتعلق بتعويضه عن وجود ذلك الضرر المشار إليه سابقا قد أثير أمام محكمة صفوى كما هو مثبت بجلسة ١٤/ ٧/ ١٤٠٧هـ؛ ولما كان الأصل أن المحكمة بإصدارها الحكم تستنفد ولايتها وذلك على نحو ما سلف بيانه تفصيلا؛ إلا أنه صدر الحكم مغفلا الفصل في أحد الطلبات الموضوعية في الدعوى؛ فإن المحكمة لا تستنفد ولايتها للفصل في هذا الطلب، ولذا يجوز لدى الشأن العودة مرة أخرى إلى ذات المحكمة مصدرة الحكم لطلب النظر فيما أغفلت الفصل فيه من الطلبات سواء أكان هذا الطلب أصليا أم احتياطيا أو تابعا ولو كان على استقلال مما لا يدخل في اختصاصها؛ وذلك بعدم البت فيه أو في أي عنصر من عناصر الدعوى يخصه، ولا مراء في أن الحكمة المتوخاة من ذلك هو التخفيف على من أغفل الفصل في طلبه، ومن ثم فله أن يتقدم بطلب الفصل فيما أغفل من طلباته أمام المحكمة التي أصدرته لأن هذا الطلب يظل معلقا أمامها، وعندئذ تستدرك ما فاتها الفصل فيه إن كان له وجه، ولما كان الثابت أن محكمة صفوى بالرغم من قضائها بالتعويض عن الشق الأول المتعلق بالجزء المقتطع، بيد أنها أغفلت الفصل في الشق الثاني المتعلق بالتعويض عن هذه الضرر إغفالا كليا يجعله معلقا أمامها، ولا جرم أن ذلك الطلب هو ذات الطلب فف هذه الدعوى مثار النزاع من حيث الخصوم والمحل والسبب؛ وإذا كان هذا الطلب يدخل في اختصاصها بالتبعية لاختصاصها بالطلبات الأخرى التي فصلت فيها على نحو من ما مضى إيضاحه تفصيلا ولم يفصل فيه بالنظر إلى منطوق الحكم وما ارتبط به من الأسبا ارتباطا وثيقا لا صراحة ولا ضمنا رغم أنه كان محلا للبحث ومطروحا بين الخصوم، فإن تلك المحكمة هي المختصة بنظره والفصل فيه كذلك. ومن حيث إنه يستبين مما تقدم وتأسيسا على أن هذه المنازعة متفرعة من أصل قضية منظورة أمام محكمة مختصة؛ ولما كان قاضي الأصل هو قاضي الفرع؛ فإن الديوان لا يختص ولائيا بنظرها؛ وتنحسر ولايته عنها؛ باعتبار أن توزيع ولاية القضاء بين جهات متعددة عهد إليها النظام بالفصل في المنازعات إنما هو من قبيل النظام العام؛ وعليه؛ فإن النظام متى خص جهة دون سواها بالفصل في منازعات بعينها؛ فلا ريب أن ذلك يعتبر اختصاصا ولائيا؛ إذ تعتبر هذه الجهة مستقلة بشأن ما خصت بنظره من تلك المنازعات، وعلى هذا المقتضى يتعين على الجهة غير المختصة أن تحكم من تلقاء نفسها بعدم اختصاصها للتصدي لنظر موضوع الدعوى في أية حالة كانت عليها على اعتبار أن النظر في الاختصاص بكافة أنواعه من المسائل الأولية التي يتعين على الدائرة بحثه والفصل فيها قبل النظر في شكل الدعوى أو الخوض في موضوعها حتى ولو لم يثره الخصوم.

لذلك حكمت الدائرة: عدم الاختصاص الولائي بنظر الدعوى المقامة من (…) ضد وزارة المواصلات وذلك على نحو ما هو مبين تفصيلا بالأسباب.

والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

هيئة التدقيق

حكمت الهيئة بتأييد الحكم فيما انتهى إليه من قضاء.

error: