نطاق التسبيب الوجوبي

لائحة اعتراضية

إن تكريس مبدأ التسبيب الوجوبي للقرارات الصادرة ضد الأفراد بفقرة في مادة واحدة وضمن تشريع ذو طبيعة جزائية هو القانون 06/01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته غير كافي لمعالجة موضوع التسبيب بدقة من حيث نطاقه وشروطه وعناصره، غير أنه يمكننا أن نستشف بعض نوايا المشرع من خلال العبارات الواردة في هذه المواد والروح العامة للتشريع الذي جاءت ضمنه مع مقارنتها بالتشريع والقضاء الفرنسيين.

لقد جاءت المادة 11 من قانون الوقاية من الفساد ومكافحته والمكرسة لمبدأ التسبيب الوجوبي للقرارات الإدارية الفردية وكذا نظيرتها المادة 06/1 من الميثاق الإفريقي لقيم ومبادئ الخدمة العامة والإدارة بصيغة فضفاضة مقارنة بالمادة الأولى من قانون 587/79 بشأن تسبيب القرارات الإدارية وتحسين العلاقة بين الإدارة والجمهور.

إن مقارنة عابرة بين النصين المقررين لمبدأ التسبيب الوجوبي للقرارات الإدارية في كل من فرنسا والجزائر تبين أن:

1- المادة 11 من القانون 06/01 في الجزائر نصت على: “القرارات الإدارية التي تصدر في غير صالح المواطن، ونصت المادة 06/1 من الميثاق الإفريقي على القرارات المتخذة بخصوص المواطن، وهذه صياغة عامة تتضمن القرارات الإدارية التنظيمية والفردية، بينما قيدها نص المادة الأولى من قانون 587/79 بالقرارات الإدارية الفردية دون التنظيمية. فهل تقتصر وجوبية التسبيب في الجزائر على القرارات الفردية أم تشمل التنظيمية والتي قد تمس بحقوق الأفراد فقط عند تطبيقها؟

يبرر بعض الفقه مسلك المشرع الفرنسي في اقتصاره على إلزام الإدارة بالقرارات الإدارية الفردية دون التنظيمية بأن المقصد من التسبيب هو حماية الحقوق

والحريات الفردية، وما دامت اللوائح التنظيمية بعموميتها لا تتوجه مباشرة إلى الأفراد فإن الحكمة هذا غير متوافرة، بالإضافة إلى الرغبة في عدم عرقلة النشاط الإداري الذي يعتمد في المقام الأول على النصوص اللائحية، وهذا ما لا يختلف فيه الحال بالنسبة للجزائر.

2- أن المادة 11 من القانون 06/01 لم تفسر ما المقصود بالقرارات الإدارية الصادرة في غير صالح المواطن، فيعود إلى القاضي الاختصاص بتقرير ما يعتبر قرارا إداريا في غير صالح المواطن مما لا يعد كذلك بينما فسرت المادة الأولى من قانون 587/79 القرارات الإدارية الفردية التي تؤثر على المركز القانوني للأشخاص العادية أو الاعتبارية بقولها: “…وعلى ذلك فإن القرارات التي يجب أن تصدرها الإدارة مسببة هي:

– القرارات الإدارية التي تضع قيودا على ممارسة الحريات العامة

– القرارات الإدارية التي تتضمن جزاءات معينة.

– القرارات التي تتضمن ترخيص أو ميزة بشروط محددة.

– القرارات التي تتضمن إلغاء أو سحبا لقرارات منشئة لحقوق.

– القرارات التي تحتج بالتقادم أو السقوط.

– القرارات التي ترفض منح ترخيص أو ميزة يكون منحها حقا للأشخاص الذين يستوفون الشروط القانونية للحصول عليها.

– القرارات التي ترفض منح رخصة.

فهل يعتبر إيراد المشرع لهذه الحالات على سبيل المثال وبالتالي يحتكم إلى عبارة “…القرارات الإدارية التي تؤثر في مركزها القانوني …”، وهذا يعني إمكانية دخول حالات أخرى غير الحالات السبعة، أم يعتبر إيرادها على سبيل الحصر ولا تلتزم الإدارة إلا بتسبيب القرارات الإدارية التي تدخل ضمن طائفة من هذه الطوائف؟

إن الاعتبار الأول يبدو أكثر منطقية، لأن الحالات المذكورة رتبت عليه بقول المادة : “… وعلى ذلك فإن القرارات التي يجب أن تصدر مسببة هي…”، ويستفاد من ذلك أن المشرع اعتمد معيارا لهذه القائمة التي أوردها، مدى تأثير القرار في المركز القانوني للشخص الاعتباري أو العادي، وبالتالي فإنه يكون جديرا بالقاضي استخدام نفس المعيار الذي استخدمه المشرع إعمالا لنيته الحقيقية، ويعزز هذا الفرض نص المادة الثانية التي جاءت كمعيار للقرارات المستوجبة للتسبيب بقولها: ” وبصفة عامة يجب تسبيب القرارات الإدارية الفردية التي تتضمن استثناءً من القواعد العامة الواردة في القوانين واللوائح”.

وإذا اعتبرنا أن إيراد المشرع الفرنسي للحالات كان على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر فإنه يكون متفقا مع ما ذهب إليه المشرع الجزائري من اعتماده على وضع معيار للقاضي يحدد على أساسه القرارات الإدارية الخاضعة للتسبيب الوجوبي، وإن كان هذا المعيار غير متطابق تماما بين المشرع الفرنسي والمشرع الجزائري ففي حين يتكلم الأول عن القرارات الإدارية التي تؤثر في المراكز القانونية للأشخاص العادية والاعتبارية، يتكلم الثاني عن القرارات الإدارية الصادرة في غير صالح الأفراد.

3- إن المشرع الفرنسي في المادة الرابعة في فقرتيها الأولى والثانية والمادة الخامسة أورد ثلاثة استثناءات تتعلق بالسرية وحالة الاستعجال المطلق وحالة القرار الضمني، بينما لم يقرر المشرع الجزائري أي استثناء، فهل يعني ذلك أن الاستثناءات المقررة في القانون الفرنسي لا مجال لتطبيقها على القرارات الإداري محل وجوبية التسبيب في القانون الجزائري؟

إن القانون 587/79 في فرنسا صدر بعد إرهاصات وجدل فقهي كبير ودفع كبير من القضاء إلى الخط الأمامي من حدود اختصاص التشريع، وفوق ذلك بعد إظهار الإدارة كما رأينا لاستعدادها لهذا الالتزام حتى قبل تقريره، بينما جاء النص على هذا الإلزام من طرف المشرع الجزائري في إطار قانون عام ذو طبيعة جنائية أكثر منه ذو طبيعة إدارية، وهو إدماج لمعاهدة دولية هي اتفاقية الأمم المتحدة للوقاية من الفساد ومكافحته، ولهذا اقتصر النص عليه في مادة واحدة بل فقرة واحدة من مادة واحدة، وهو ما يبرر عمومية النص وعدم إيراد استثناءات عليه؛ وعلى هذا ونظرا لمنطقية الاستثناءات التي أوردها المشرع الفرنسي فإن القاضي الإداري في الجزائر يستطيع إعمال هذه الاستثناءات، في إطار تطبيقه لروح القانون، وما يتميز به من خصائص في إعماله لتفسير النصوص بحثا عن النية الحقيقية للمشرع. مستهديا في ذلك ومستفيدا من قضاء مجلس الدولة الفرنسي وكيفية تفسيره لهذه الاستثناءات.

4- إن المشرع الجزائري لم يتطرق إلى جزاء عدم التسبيب هل هو عدم مشروعية القرار الإداري الصادر في غير صالح المواطن أم أن هذا القرار بالإمكان تصحيحه عن طريق الإفصاح اللاحق عن أسبابه عن الطعن فيه إداريا، أو أمام قاضي الإلغاء في حالة مخاصمة هذا القرار قضائيا.

إن الافصاح اللاحق عن أسباب القرار لا يمكن أن يكون بديلا عن شكلية التسبيب التي يحيط بواسطتها الفرد مجانا علما تاما بأسباب القرار المتخذ ضده، ودون اللجوء إلى الطعن القضائي وبما يقتضيه من تكاليف. أو الطعن الإداري وما يطغى عليه من بيرقراطية إدارية.

والمبدأ القانوني معروف أن الشكليات المقررة لمصلحة الأفراد هي شكليات جوهرية لا تقبل التصحيح

5- إن المبدأ العام الوارد بموجب المادة 11 من قانون 06/01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته لا يلغي النصوص الخاصة الملزمة بتسبيب بعض أنواع القرارات؛ حتى وإن كانت لا تدخل ضمن مفهوم هذا النص العام.

وهكذا تكون القرارات المعنية بوجوبية التسبيب هي كل القرارات التي تصدر في غير صالح المواطن، وكذلك القرارات التي ألزمت نصوص خاصة على الإدارة تسبيبها حتى وإن لم تكن داخلة في مفهوم المادة 11 من القانون 06/01.

6- إن الملاحظ على قانوني البلدية والولاية لسنتي 2011 ,2012 بمناسبة معالجتهما لموضوع الرقابة الوصائية على أعمال وأشخاص المجالس المنتخبة، أنها لم تخضع القرارات التي تمارس بموجبها الجهات الوصية هذه الرقابة لإلزامية التسبيب، إلا في بعض الحالات النادرة كتلك التي نصت عليها المواد 60 و 61 من قانون البلدية.

إن عدم النص على إلزامية التسبيب بالنسبة لهذه القرارات لا يعفيها منه، وذلك لكون نص المادة 11 من القانون 06/01 يشملها، لأن الأعضاء المنتخبين هم مواطنون، وكل القرارات الصادرة في غير صالحهم بمناسبة ممارسة الرقابة الوصائية عليهم وعلى أعمالهم تدخل ضمن مفهوم هذه المادة.

فسخ عقد الزواج

error: