نظام الإثبات المطبق في المنازعات الإدارية

تقتضي صعوبة الإثبات في النزاع الإداري اعتماد نظام للإثبات براعي هذه الخصوصية، ولقد اختلفت الأنظمة القانونية في تنظيم قواعد الإثبات، فهناك أنظمة جعلت نصب عينيها تحقيق العدالة بمعناها الموضوعي؛ فمنحت القاضي الحرية في استعمال جميع الوسائل والطرق للوصول إلى الحقيقة الموضوعية، وهناك أنظمة غلبت عامل استقرار المعاملات في المجتمع؛ فقدت القاضي بوسائل وطرق معينة، وألزمته باحترامها واحترام ترتيبها من حيث درجة الحجية؛ فما هو النظام الملائم اعتماده للإثبات الإداري مراعاة لخصوصية النزاع الذي يكون محلا له؟

لقد اقتصرت النصوص الإجرائية سواء في فرنسا أو مصر أو الجزائر على بيان إجراءات الإثبات دون القواعد الموضوعية للإثبات الإداري؛ وهذا يؤدي إلى القول بأن القاضي الإداري غير ملتزم بطرق معينة للإثبات محددة سلفا لبعضها قيمة أو قوة، ولهذا فإنه هو من يحدد قيمة كل منها، ويقدر مدى اقتناعه بها دون قيد أو مراعاة لأسبقيات أو الترتيب بين مختلف الطرق التي يعتمد عليها.

ولهذا فإن القاضي الإداري يستعين بطرق الإثبات المدني في الحدود التي لا تتعارض مع طبيعة الدعوى الإدارية، ويقدر مدى حجيتها دون أن تكون لإحداها قوة أو مرتبة أعلى من الأخرى، فالأدلة جميعا متساوية أمامه، ويستنبط الحقيقة من أي دليل يطمئن إليه.

ومن ثم فإن القانون الإداري يختلف عن القوانين الأخرى من ناحية الإثبات، فالقاضي الإداري له الحرية الكاملة في تكوين عقيدته من أي دليل مقبول إذ جميع الأدلة تتساوى في الإثبات في المجال الإداري، وإن كانت النصوص القانونية قد أشارت بصفة عامة إلى بعض وسائل الإثبات فقد وردت هذه الإشارة على سبيل المثال، ولذلك فإن القاضي الإداري في ممارسته لدوره تجاه الدعوى الإدارية يلتزم بمراعاة حدود الدفاع وضمانات التقاضي واحترام استقلال الإدارة، وعدم التدخل في شئونها التقديرية أو الحلول محلها من جهة أخرى فيما لا يتعارض مع سلطته في تحضير الدعوى على الوجه الذي جرى عليه القضاء الإداري.

ويرجع اعتناق القضاء الإداري لهذا النظام إلى:

أولا: الطبيعة الخاصة لتلك الدعوى التي يختل فيها التوازن بين طرفيها، والذي يؤدي غالبا إلى إخفاق المدعي في حسم الدعوى لصالحه، فالإدارة تمتلك من المستندات والبيانات ما يكفي لتأكيد حق المدعي في دعواه لكنها لا تضعها تحت نظر القاضي مختارة، لذا كان لا بد من تدخل القاضي الإداري لممارسة دور إيجابي في الدعوى حماية للطرف الضعيف فيها، وذلك من خلال اعتناقه لمبدأ حرية الاثبات.

ثانيا: موضوعية دعوى الإلغاء، والتي تعني بحث مدى احترام القرار الإداري من حيث مختلف أركانه للقانون السائد في الدولة، وهو هدف لا يناط بأحد الأطراف وحده، بل هو من صميم وظيفة السلطة القضائية، وبالتالي كان من الواجب على عضوها -القاضي – المساهمة بالقسط الأكبر في هذه المهمة.

ثالثا: بقاء الإجراءات القضائية الإدارية لمدة طويلة دون قانون مستقل، وحتى عند صدوره في الجزائر سنة 2008 بموجب القانون رقم: 09/08 المؤرخ في 25 فيفري 2008 المتعلق بقانون الإجراءات المدنية والإدارية، أحال في الكثير من مواده خاصة تلك المتعلق بوسائل الإثبات إلى أحكام وسائل الإثبات أمام القاضي المدني.

وإذا كان القاضي الإداري قد اعتنق النظام المطلق في الإثبات إلا أن سلطاته التي يتمتع بها بموجب هذا النظام ترد عليها القيود التالية:

  • إذا تطلب المشرع وسيلة معينة لإثبات واقعة معينة فإنه يجب الالتزام بهذه الوسيلة من وسائل الإثبات ولا يمكن قبول وسيلة أخرى لإثبات هذه الواقعة، ومع ذلك فإن القاضي يميل أحيانا إلى تفسير النصوص تفسيرا واسعا على أساس أنها ذات صبغة إرشادية موجهة فقط دون استبعاد الاستعانة بغيرها من الوسائل.

  • التقيد بالوقائع الثابتة بواسطة أحكام حازت قوة الشيء المقضي به.

  • عدم جواز اللجوء إلى بعض طرق الإثبات التي لا تناسب طبيعة الدعوى الإدارية، كاليمين الحاسمة.

  • الالتزام بالمبادئ العامة لأصول التقاضي وضماناته وحقوق الدفاع.

وهكذا فإن القاضي الإداري يتمتع إزاء الدعوى الإدارية بسلطات كبيرة تساعده على تكوين قناعته والتثبت من تحقيق الادعاء، ولا يحده في ذلك -كما يقول الدكتور هشام عبد المنعم عكاشة– إلاّ قدرته على ابداع الحلول المناسبة والعادلة التي توفق بين المصلحة العامة والمصلحة الفردية، فإذا ما بلغ حد المبادئ التي استقرت في نفوس الناس عنوانا للحق وضمانا للعدالة وجب عليه أن يقف دونها.

وبهذه الصورة يمكننا القول أنّ نظام الإثبات المتبع أمام القضاء الإداري هو النظام الحر، رغم بعض القيود التي ترد عليه، والتي تفرضها الأصول العامة للتقاضي، أو التي تقتضيها خصوصية الدعوى الإدارية، وهو ما يساعد على إعطاء القاضي فرصة للتدخل من أجل تصحيح الاختلال الحاصل بين مراكز أطراف الخصومة من حيث الإثبات.

error: