أنواع اللواط

كم اعتاب قضية طلاق

فاحشة اللواط

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فإن من أعظم الجرائم وأبغض الفواحش عمل قوم لوط، إنه الفاحشة الكبرى، وهذه الرذيلة هي الداء العضال، والجريمة النكراء، التي تفسد الدين والدنيا، بها تهدم الأخلاق، وتمحق الرجولة، ويفسد المجتمع، ويذهب الخير، وتضمحل البركات.

بها تُجلب الشرور والمصائب، إنها معول هدم وخراب، وسبب ذل وخزي وعار، العقول ترفضه، والفطر السليمة تنكره، والشرائع السماوية تزجر عنه وتمقته؛ ذلك لأن اللواط ضرر عظيم وظلم فاحش..

فهو ظلم للفاعل بما جرّ إلى نفسه من الخزي والعار، وقادها إلى ما فيه الموت والدمار.

وهو ظلم للمفعول به حيث هتك نفسه وأهانها ورضي لها بالسفول والانحطاط  ومَحْق الرجولة فكان بين الرجال بمنزلة النساء، لا تزول ظلمة الذل من وجهه حتى يموت، ويسقط أول ما يسقط في عين نفسه.

وهو ظلم للمجتمع كله بما يفضي إليه من حلول المصائب والنكبات، ومتى فشت الفاحشة في مجتمع من المجتمعات ولم يعاقبهم الله بدمار الديار فإنه سيحل بهم ما هو أعظم من ذلك، سيحل بهم انتكاس القلوب، وانطماس البصائر،  وانقلاب العقول، حتى يسكتوا على الباطل ويزين لهم سوء عملهم فيروه حسناً، وتفشو فيهم الأمراض التي لم تكن في أسلافهم الذين مَضَوا.

معنى اللواط:

“اللّواط لغةً: إتيان الذكور في الدبر، وهو عمل قوم نبيّ الله لوط عليه السلام. يقال: لاط الرجل لواطاً ولاوط، أي عمل عمل قوم لوط. واصطلاحاً: إيلاج ذكر في دبر ذكر أو أنثى”([1]).

وسواء كان الفاسق فاعلاً أو مفعولاً به فهو لواط، وليس من خلافٍ في هذا. قال e: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» ([2]).

وليست النسبة في كلمة (لوطي) إلى نبي الله لوط عليه السلام، وإنما النسبة إلى قومه، فقوم لوط مركب تركيباً إضافياً، وقد قسم علماء اللغة والنحو المنسوب إليه في المركب تركيباً إضافياً إلى أقسام، وذكروا منها أن الأول من المتضايفين، إذا كان لا يُعرف إلا بالثاني منهما عُدِل عن النسبة إليه -أي الأول- ونُسب إلى الثاني،  قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:

وانسب لصدر جملة و صدر ما   ركب مزجاً ولثـان  تممــا

إضافة مبدؤة با بــن أو أبْ    أو ما له التعريف بالثاني وجبْ

فعلاقة لوط عليه السلام بهذا الأمر هي علاقة الناهي عنه المنكر له.

القرآن يتحدث عن قوم لوط وما حلَّ بهم.

قال الله تعالى: }وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ(54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ{([3]). وفيها ينكر الله عليهم إتيانهم للفاحشة، وعدم إنكارهم }وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ{، أي: تبصرون المنكر ولا تنكرون! وأما قوله: } بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ{، أي: لا تعرفون شيئًا لا طبعًا ولا شرعًا؛ فالفطرة السليمة هي استمتاع الرجل بالمرأة([4]).

وقال: }وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ(80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ(81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ(82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ(83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ{([5]).

وكانوا مسرفين –كما أخبر الله هنا-؛ لكونهم جمعوا إلى الشرك هذه الفاحشة. والغابرين: الباقين في العذاب([6]).

وقال ربنا سبحانه: }وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ{([7]).

فإن قيل: ما المراد بقول لوط عليه السلام: }هؤلاء بناتي{؟

فالجواب: أنّ المراد نساؤهم، فهن كالبنات لنبي الله لوط عليه السلام، وكل نبي فهو أبٌ لأمته([8]).

وقوله تعالى: }لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد{، “كقبيلة مانعة، لمنعتكم. وهذا بحسب الأسباب المحسوسة، وإلا فإنه يأوي إلى أقوى الأركان وهو الله، الذي لا يقوم لقوته أحد”([9]).

وينعت ربنا الحجارة التي أُمطرت عليهم بكونها من سجيل منضود مسومة. فالسجيل: الطين القوي، ومنضود: يتبع بعضها بعضاً، والمسومة المعلمة التي كتب عليها أسماء أصحابها([10]).

وقال تعالى: }وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ{([11]).

وقول لوط للملائكة عليهم السلام: }قوم منكرون{ أي: لا أعرفكم([12]).

وأما قوله: }إنَّ في ذلك لآياتٍ للمتوسمين{، قيل: لأصحاب الفراسة، وقيل: للمتأملين. وقوله: }وإنَّها لبسبيلٍ  مقيم{، أي: “وإنَّ قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة، حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة ([13]) لبطريقٍ مَهْيَع ([14]) مسالكُه، مستمرة إلى اليوم، كما قال تعالى:  }وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ{([15]).

وقال: }كذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ{([16]).

وقال تعالى: }وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ{([17]).

قوله: }وأنتم تبصرون{: يرى بعضُكم بعضًا”([18]). وأما قوله:}بل أنتم قوم تجهلون{، أي: “لا تعرفون شيئاً؛ لا طبعاً ولا شرعاً”([19]).

وقال سبحانه: }وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ{([20]).

وقطع السبيل: الطريق، يفعلون هذا مع فساد أخلاقهم وانتكاس فطرهم.

وقال: }وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ{([21]).

قال ابن كثير رحمه الله: “فإنَّ الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلاً ونهارا؛ ولهذا قال: }وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ{، أي: أفلا تعتبرون بهم كيف دمَّر الله عليهم وتعلمون أن للكافرين أمثالها”؟([22]).

وقال: }كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ{([23]).

وقال: }وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى{([24]). قال القرطبي رحمه الله: “يعني مدائن قوم لوط عليه السلام ائتفكت بهم، أي انقلبت وصار عاليها سافلها”([25]). والذي قلبها جبريل عليه السلام.

وقال: }وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ{([26]).

ومما سبق من النصوص نجد أنّ قوم لوط قد نُعتوا بعدد من الأوصاف، وهي:

1/ جاؤوا بفعل لم يسبقوا إليه.

2/ مسرفون، جمعوا بين الشرك والرذيلة.

3/ أصحاب فطرة مطموسة ؛ لإتيان الرجال، ولأنهم صاروا يرون القبيح حسناً والحسن قبيحاً.

4/ مجرمون.

5/ في ضلالهم وغفلتهم يلعبون، قال تعالى: }لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون{. قال الشوكاني رحمه الله في تفسير الآية: “لفي غوايتهم يتحيرون. جعل الغواية سكرة؛ لكونها تذهب بعقل صاحبها كما تذهب به الخمر سكرة “([27]).

6/ عادون.

7/ لا يتناهون عن منكر فعلوه.

8/ يقطعون الطريق.

9/ جمعوا بين أصناف المنكرات وأنواع الرذائل والخطيئات في مكان اجتماعهم.

10/ قوم سوء فاسقين.

11/ مفسدون.

12/ ظالمون.

وإليك قصتهم باختصار:

نبي الله لوط عليه السلام هو ابن أخٍ لخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، نزل بمدينة سدوم، وهذه المدينة لها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوأهم طوية، وأردئهم سريرة وسيرة، يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون.

ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بنى آدم، وهى إتيان الذكران، وترك ما خلق الله من النساء.  فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات، والأفاعيل المستقبحات، فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم.

عقوبة جريمة اللواط بحدث

وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويأتون في ناديهم -وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم- المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه، حتى قيل: إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم، ولا يستحون من مجالسيهم، وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون، ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل، وزادوا بأن قالوا لنبيهم: }ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ{! فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم ربه فاستجاب لدعوته، وأجابه إلى طلبته، وبعث رسله الكرام، وملائكته العظام، فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم، وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم، فجادلهم إبراهيم عليه السلام فيهم؛ ولذا نعت بالحلم عليه السلام، فأخبروه بأنه قد حتم أمرهم، ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم.

فجاءوا في صورة شباب لم يُر أحسن منهم، فراوده الأخباث عنهم، فأرشدهم نبيهم إلى إتيان نسائهم، وهنّ بناته؛ فالنبي بمنزلة الوالد لأمته. فقالوا له: لقد علمت يا لوط أنه لا حاجة لنا في نسائنا، وإنك لتعلم مرادنا وغرضنا. واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم، ولم يخافوا سطوة العظيم، ذي العذاب الأليم.

فلما ضاق الأمر أخبرته الملائكة أنهم لن يصلوا إليه، وخرج عليهم جبريل عليه السلام فضرب وجوههم بطرف جناحه فطمست أعينهم، حتى قيل: إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا أثر، فرجعوا يتحسسون مع الحيطان، ويتوعدون رسول الرحمن، ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شان!

وأُمر لوط عليه السلام أن يسري هو وأهله من آخر الليل وأن لا يلتفت منهم أحد عند سماع  صوت العذاب إذا حل بقومه.  فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكانت عند شروقها، جاءهم من أمر الله ما لا يرد، ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد.  فأخذتهم الصيحة، وهي ما جاءهم من الصوت القاصف، ثم رفع جبريل عليه السلام مدنهم السبع واقتلعها بمن فيهنّ من الأمم، والحيوانات، والمتاع. فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء، وسمعت الملائكة أصوات دِيَكتهم ونباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها. وأُمطروا بحجارة انهمرت عليهم من السماء من سجيل شديد صلب القوى، منضود يتبع بعضها بعضاً في نزولها عليهم من السماء، مسومة معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه.

وكان من أمر امرأته أنها مكثت مع قومها، ويقال: إنها خرجت مع زوجها وبنتيها، ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة التفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديماً وحديثاً، وقالت: واقوماه! فسقط عليها حجرٌ فدمغها وألحقها بقومها; إذ كانت على دينهم، وكانت عيناً لهم على من يكون عند لوط عليه السلام من الضيفان([28]).

هذا ما حلَّ بهم من النكال، وما هي من الظالمين ببعيد، فكل من شابههم في فعلهم فهي قريبة منه([29]).

تحريم فاحشة اللواط والترهيب منها.

حرّمت النصوص الشرعية هذه الفاحشة ورهبت منها ترهيباً عظيماً، فمن هذه النصوص:

لا شكَّ أنّ اللواط أفحش فاحشة، وشرُّ رذيلة، وهو شرٌّ من الزنا، يدل لهذا أنّ الله لما ذكر الزِّنا  قال: }وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا{([30]). ولما ذكر اللواط قال: }وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ{([31])، فتعريف اللواط دليل على أنه أفحش من الزِّنا. قال ابن بطال رحمه الله: “لا خلاف بين الأمة أنَّ عمل قوم لوط أعظم من الزِّنا”([32]).

وقال ابن القيم رحمه الله: “ومن تأمل قوله سبحانه: }ولا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا{. وقوله في اللواط: }لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ{، تبين له تفاوت ما بينهما؛ فإنه سبحانه نكر الفاحشة في الزِّنا، أي هو فاحشة من الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، كما تقول: زيد الرجل، ونعم الرجل زيد. أي: تأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها”([33]).

والآية دالة على تحريم هذه الجريمة؛ لأن المسلم مأمور باجتناب الفواحش، فكل آية في القرآن تحرم علينا الفاحشة فهي محرمة لفعل قوم لوط، ومن ذلك قوله تعالى: }وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ{([34])، وقوله: }قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ{([35]).

قال ابن العربي رحمه الله: “الفاحشة: هي في اللغة عبارة عن كل فعل تعظم كراهيته في النفوس ويقبح ذكره في الألسنة”([36]).

ومن الأدلة القرآنية على تحريم اللواط ما ذكر الله من أوصاف نعت بها قوم لوط عليه السلام.

وتأمل كيف عذّب الله تعالى أهل هذه القرية..

1/ طمس جبريل أعينهم لما جاءوا إلى لوط عليه السلام يريدون ضيفه. قال تعالى: }فطمسنا أعينهم{([37]).

2/ أخذتهم الصيحة، وهي الصوت القاصف([38])، قال تعالى: }فأخذتهم الصيحة مشرقين{([39]).

3/ اقتلع المَلك مدينتهم فرفعها إلى السماء حتى سُمِعَ نُباح كلابهم ثم أسقطها وجعل عاليها سافلها، قال تعالى: }فجعلنا عاليهم سافلها{([40]).

قال ابن القيم رحمه الله: “ثم أكد سبحانه قبح ذلك([41]) بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر عليه الرجال، وقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور -وهي شهوة النساء دون الذكور- فقلبوا الأمر، وعكسوا الفطرة والطبيعة، فأتوا الرجال شهوة من دون النساء، ولهذا قلب الله سبحانه عليهم ديارهم، فجعل عاليها سافلها، وكذلك قلبوهم ونكسوا في العذاب على رؤوسهم”([42]).

والجزاء من جنس العمل.

4/ الرجم. قال تعالى: }وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ{ ([43])، وقال: }فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ{([44]).

قال ابن القيم رحمه الله –عن قوم لوط-: “وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم، وجمع عليهم أنواعاً من العقوبات: من الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم، والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم. وعذبهم وجعل عذابهم مستمراً فنكل بهم نكالاً لم ينكله بأمة سواهم؛ وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عُملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السماوات والأرض إذا شهدوها؛ خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم، وتعج الأرض إلى ربها تبارك وتعالى، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها.

وقتل المفعول به خير له من وطئه؛ فإنه إذا وطأه الرجل قتله قتلاً لا تُرجي الحياة معه، بخلاف قتله فإنه مظلوم شهيد، وربما ينتفع به في آخرته. قالوا: والدليل على هذا أن الله سبحانه جعل حدَّ القاتل إلى خيرة الولي إن شاء قتل وإن شاء عفى، وحتم قتل اللوطي حداً كما أجمع عليه أصحاب رسول الله e ودلت عليه سنة رسول الله e الصريحة التي لا معارض لها”([45]).

وأما الأحاديث التي تنهى وتزجر وتتوعد من قارف هذه الخيبة فكثيرة، منها:

أنّ النبي e حرَّم ذريعته فقال: «لَا تُبَاشِرْ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا الرَّجُلُ الرَّجُلَ»([46]). “والمباشرة بمعنى المخالطة والملامسة، وأصله من لمس البشرة البشرة، والبشرة ظاهر جلد الإنسان”([47]).

وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ»([48]).

قال النووي رحمه الله: “ففيه تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة، وهذا لا خلاف فيه. وكذلك نظر الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع… وأما قوله e: «ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوبٍ واحد» وكذلك في المرأة مع المرأة، فهو نهي تحريم إذا لم يكن بينهما حائل، وفيه دليل على تحريم لمس عورة غيره بأي موضع من بدنه كان، وهذا متفق عليه”([49]).

ومن الأحاديث ما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ e: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ»([50]). قال المباركفوري رحمه الله: ” أضاف (أفعل) إلى (ما) وهي نكرة موصوفة؛ ليدل على أنه إذا استقصى الأشياء المُخَوَّفَ منهاً شيئاً بعد شيءٍ لم يوجد أخوف من فعل قوم لوط”([51]).

وفي مسند الإمام أحمد مرفوعاً: «إِنَّ مِمَّا أَخْشَى عَلَيْكُمْ شَهَوَاتِ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ، وَمُضِلَّاتِ الْفِتَنِ».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي e قال: «لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ، لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ، لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ»([52]). قال ابن حجر رحمه الله: “اللَّعْن: الدعاء بالإبعاد من رحمة الله تعالى”([53]).

وقال ابن كثير رحمه الله: “وقد لعن النبي e من عمِل عمل قوم لوط ثلاث مرات، ولم يلعن على ذنب ثلاث مرات إلا عليه… وأما اللعنة فهي الطرد والبعد، ومن كان مطروداً مبعداً عن الله وعن رسوله وعن كتابه وعن صالح عباده فلا خير فيه ولا في قربه”([54]).

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا»([55]).

وقد انعقد الإجماع على تحريم هذه الفاحشة، قال ابن قدامة رحمه الله: “أجمع أهل العلم على تحريم اللواط، وقد ذمه الله تعالى في كتابه، وعاب من فعله، وذمه رسول الله e”([56]).

وإنّ مما يترتب على هذا الخزي والعار من البلاء والدّمار فشو الأمراض والطواعين، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ e فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ([57]) -وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ-: لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ»([58]).

وعن بريدة بن الحصيب t قال: قال رسول الله e: « ما نقضَ قومٌ العهدَ قطُّ إلا كان القتلُ بينهم، ولا ظهرت الفاحشةُ في قومٍ قط إلا سلَّط اللهُ عليهم الموتَ، ولا منع قومٌ الزكاةَ إلا حبس الله عنهم القطر»([59]).

وهذه قائمة من الأمراض التي تسببها الفواحش:

يقول الدكتور: أحمد عبد الحميد محمد ندا([60]): ” طلب مني مؤلف الكتاب -حفظه الله- ([61])  أن أكتب تقريراً مصغراً عن الأمراض التي تسببها الفواحش، فوافقت على الفور؛ لأن هذا من باب التعاون على البر والتقوى ونشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة… فأقول:

الأمراض التناسلية في المقام الأول محصلة – أو قد تقول فاتورة – الفوضى الجنسية، وأقصد الاختلاط والتساهل والدعارة والبغاء، تلك البلايا التي تجتاح العالم إلا من رحم الله، ولقد وضعت الشرائع السماوية قوانين وقيماً تحمي بها الإنسان من هذه الفوضى وتحافظ على كرامته، فطوبى لمن يتمسك بالدين، وخير الأديان وأبقاها وأشملها هو ديننا الإسلامي الحنيف، والزواج المبكر يؤدي إلى العفة والبعد عن كل هذه الأمراض، والحلال يجعل العلاقة بين الذكر والأنثى علاقة مرتبة، نظيفة بعيدة عن الاضطرابات، علاقة شرعها الله تعالى، تقوم على التفهم والثقة وعدم الخوف، وكذلك الاحترام المتبادل بين الزوجين.

وعليه، لا تنتشر الأمراض، وإذا أصيب أحد الطرفين فيمكن محاصرة المرض وعلاجه بدون خجل وبالتالي نحافظ على النشء والأجيال المتعاقبة من البشر.

الفواحش والإصابة بالأمراض:

تنتقل الأمراض التناسلية أساساً وبنسبة عالية عن طريق الاتصال الجنسي غير المشروع، ومنها: الإيدز، الزهري، السيلان، التهاب مجرى البول الحاد والمزمن، التهاب البروستاتا الحاد والمزمن، التهاب المهبل والأعضاء التناسلية للأنثى، والهربز، والجرب، وقمل العانة، والفطريات الجلدية.. وغير ذلك.

أولا: الإيدز ( تعريفه – كيفية انتقاله – مضاعفاته )

كلمة الإيدز بالإنجليزية، والسيدا بالفرنسية، وبالعربية: ( متلازمة العوز المناعي المكتسب ) يعني: فقدان جسم الإنسان القدرة على مقاومة الأمراض، ويصبح جسم الإنسان عرضة للإصابة بعديد من الجراثيم والفطريات والأورام.

ويوجد فيروس الإيدز في أنسجة وسوائل الجسم المصاب وخاصة في الدم والمني والإفرازات المهبلية.

أما عن انتقال المرض فعن طريق الاتصال الجنسي المحرم بين الذكور والذكور، وبين الذكور والإناث.

وهناك عوامل وممارسات تزيد من خطر العدوى مثل تعدد قرناء السوء وأماكن البغاء التي يتردد عليها أكثر من شخص ويكون هناك من هو مصاب بينهم فتنتشر العدوى.

وهناك طرق أخرى، مثل استعمال الإبر غير المعقمة أكثر من مرة، ويرتفع معدل العدوى بين مدمني المخدرات الذين يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن بإبر ملوثة، وكذلك تحدث العدوى من الأم للجنين أثناء الحمل أو الولادة أو بعد الولادة.

ونهاية هذا المرض الحتمية هي الموت -بإذن الله تعالى – والوقاية والتمسك بالطرق الشريفة المشروعة ومحاربة الفاحشة هو الحل والعلاج.

ثانيا: الزهري.

وهذا أيضاً مرض خطير ينتج عن ممارسات الجنس الشاذة، ويظهر المرض على مراحل وينتشر في الجسم في المراحل الثانوية، وتظهر بثورات على الجلد وكيس الصفن وقرح كذلك حول الشرج والفم، وخطورة هذا المرض أنه ينتشر في جميع أنحاء الجسم، وإذا لم يشخص في مرحلته الأولى – حيث أنه يتشابه مع بعض الأمراض الجلدية الأخرى العادية – فيعالج على أنه مرض بسيط وإذا به يستفحل وينتقل إلى الكبد ويسبب أوراما، وسرطاناً، ويمتد إلى العمود الفقري ويسبب شللاً، وإلى الأعصاب ويسبب رعشة دائمة في الأطراف وعدم تحكم، وقد ينتشر إلى الرئة والقلب ويؤدي إلى الوفاة، وإن كان هذا المرض قد تراجع كثيراً في انتشاره، بعد التقدم في سبل التشخيص والعلاج.

ثالثاً: الهربز ( هربز جينتالس )

وهذا لا يهدد الحياة، وينتقل عن طريق الاتصال الجنسي المحرم ويصيب الأعضاء التناسلية في الجنسين على القضيب وكيس الصفن والمهبل على شكل بثورات وفقاقيع وقروح وتحدث آلاما مبرحة حتى تنتهي.

رابعاً: السيلان ( أعراضه – كيفية الإصابة به – مضاعفاته )

هذا مرض منتشر في أوساط الفسقة والعاهرات، ويسمى عند البعض باسم (الردة) لأن المرض يرتد ويعاود الشخص المتردد على عمل الفاحشة، بالرغم من العلاج، ويصيب الجهاز البولي والتناسلي للرجل والمرأة، وتنتقل العدوى من المصاب إلى السليم عن طريق اللواط، وعند الزنا ينتقل للمرأة، والمرأة بدورها تنقله إلى زان آخر، ولا تشعر المرأة بأعراضه إلا متأخراً؛ وذلك لطبيعتها الفسيولوجية من حيض وإفرازات مهبلية، أما الرجل فسرعان ما يشعر بالتهاب في القضيب وإفرازات عفنة، وحرقان شديد وكثر الإفرازات وتكون ذات رائحة كريهة، وإذا لم يكتشف المرض ويعالج ويمتنع الشخص من التردد على هذه الفواحش فإن المرض يستفحل وينتقل الميكروب إلى غدة البروستاتا والحويصلات المنوية ومجرى البول والمثانة ويسبب ضيقاً في مجرى البول وأضراراً بالجهاز البولي، وقد يحتاج المريض لعدة عمليات معظمها لا يكلل بالنجاح في أحسن مراكز جراحات المسالك، فضلاً عن العقم والحرمان من الذرية. والطفل الذي يولد وأمه مصابة قد يصاب عند الولادة، وقد يؤثر هذا المرض على المبيض والرحم ويسبب العقم، وهناك مضاعفات أخرى في سائر أنحاء الجسم والمفاصل إذا لم يعالج المريض بسرعة وبحكمة، ويجب ألا يعود ويرتد لفعلته حتى لا تتكرر المشكلة، ويزمن المرض ويكون علاجه صعباً وبلا فائدة.

مضاعفات سلوكية واجتماعية للسيلان:

المصاب بهذا المرض إذا أدمن الفاحشة ترى المروءة والشجاعة قد انعدمت من شخصيته، وتراه يتصرف تصرف الجبناء، ويكذب ولا يفي بوعد، غير طاهر، لا يصلي، لا يصوم، لا يفرق بين حلال وحرام، نفسيته محطمة، يقبل على فعل الجرائم بلا مبالاة، وإن كان متزوجاً ويعول ترى الضياع في أسرته.

خامساً: التهاب البروستاتا الحاد والمزمن

وهذا المرض خاص بالرجال دون النساء حيث أن غدة البروستاتا لا توجد إلا في الرجال، وهذه الغدة هي التي تفرز المادة المنوية وتوجد في بداية مجرى البول وتحيط به، ونرى كثيراً من حالات التهاب البروستاتا المزمن بين الشباب، وتستمر معهم حتى تنتهي الغدة بالتليف وانسداد مجرى البول، وقد تنتهي بفشل كلوي.

العادة السرية ومشاركتها في حدوث المرض:

والتهاب البروستاتا عقاب سماوي للشخص الذي أسرف على نفسه في ممارسة الرذيلة، لواطاً أو زناً أو انغماساً شديداً في العادة السرية.

ونرى كثيراً من الشباب الذين يسافرون إلى بلاد الكفر والإباحية يرجعون مصابين بعدة أمراض، منها التهاب البروستاتا والشعور بحرقان وصعوبة عند التبول، وسلس بولي وآلام شبه مستمرة بالعضو الذكري، وسرعة القذف، وعدم الشعور بتفريغ المثانة كلياً، هذا غير الإفرازات المنفرة، واضمحلال جنسي، وقد يؤدي إلى ارتخاء، وإلى العقم وفقدان الذرية.

وإذا استمرت الإصابة بالمرض لسنين عدة رغم العلاج فإن العامل النفسي يظهر ويؤدي إلى الشعور بالإحباط وعدم السعادة في الحياة، هذا وقد تصاب المثانة ومجرى البول، وقد يتوغل المرض ويصيب الحالبين والمثانة والكليتين وتكون النهاية الفشل الكلوي.

الحالة النفسية الناتجة عن الفواحش:

لقد أصبح الشباب يخاف من الزواج، متردداً، والذي مارس الرذيلة في شبابه وأسرف على نفسه، أصبح يشك في كل امرأة حوله، وأصبح الشعور بعدم الاستقرار والتشتت، ضاعت منه المروءة، وكثر منهم حتى بعد الزواج يعود لأهوائه وأسفاره وشهواته، ويكون الضياع نصيب أسرته بعد ضياعه هو وضعفه الجسدي والعقلي وتشتته النفسي، وتكون النتيجة المحتومة: شباب منغمس في الفاحشة، بيت ضائع لا رقابة عليه، انحراف الزوجة والأبناء، وشابات تهرم ولا تجد الموجه والزوج الصالح، فما هو المصير ؟ يدب الضعف في المجتمع ويكون التقهقر للأمة، وتظهر الجريمة والسرقة والقتل والإدمان.

نداء إلى الأمة الإسلامية:

إن هذه الأمراض كانت ولا تزال نتيجة حتمية لعدم التمسك بالدين واتباع سنن المرسلين، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو على الأقل إهماله، فلو لم يحدث الاختلاط بين الجنسين في المدارس والجامعات والأسواق والمكاتب والمواصلات ما التهبت شهوة الشباب، ولو لم تكن وسائل الإغراء من مجلات خليعة وصور فاضحة وسينما ومسرح وعاهرات وراقصات وملاهي ماجنة ما ضل الشباب والشابات طريقهم وما أعماهم التقليد.

وعالمنا الإسلامي للأسف أصبح يستورد كل ما هو سهل لإشباع رغباته وشهواته وغرائزه، وأصبح عدونا وعدو ديننا من يهود ونصارى ومجوس يصدر إلينا كل ما ينأى بنا عن الفضيلة ويدنو بنا إلى الرذيلة من أفلام خليعة وغناء محرم وآلات الطرب وأحدث ما أنتجته مصانعه من الأشرطة والفيديو ورذائل الأخلاق والموضات والألبسة الفاسقة، وما ينقله إلينا من أشياء تثير الغريزة وتجعل الشباب يهيمون بحثاً عن الفريسة بعد أن رأى ما أثار شهوته. وحظر عنا أعداؤنا العلم النافع كصناعة الأسلحة والأدوية والإلكترونيات، وأصبحت الأمة المسلمة لا حول لها ولا قوة، تتداعى عليها الأمم في كل مكان ومن كل حدب وصوب ونحن نرى فقط ونسمع ولا تنحرك لأننا فقدنا القدرة على الحركة، وإلى متى، وما هو الحل ؟!

الحل: بالرجوع الصحيح العاجل إلى الله تعالى والتمسك بشرائعه قبل أن يفجأنا الجبار بأكثر مما نحن فيه.. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل”.

وفي كلامه –حفظه الله- كفاية لمن كان له قلب..

وقال الذهبي: “وأجمع المسلمون على أن التلوط من الكبائر التي حرم الله تعالى”([62]).

وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: “وأجمعت الأمة على أن من فعل بمملوكه فعل قوم لوط من اللوطية المجرمين الفاسقين الملعونين، فعليه لعنة الله ثم عليه لعنة الله ثم عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وقد فشا ذلك في التجار والمترفين، فاتخذوا حسان المماليك سوداً وبيضاً لذلك، فعليهم أشد اللعنة الدائمة الظاهرة، وأعظم الخزي والبوار والعذاب في الدنيا والآخرة ما داموا على هذه القبائح الشنيعة البشيعة الفظيعة الموجبة للفقر وهلاك الأموال وانمحاق البركات والخيانة في المعاملات والأمانات.

ولذلك تجد أكثرهم قد افتقر من سوء ما جناه وقبيح معاملته لمن أنعم عليه وأعطاه، ولم يرجع إلى بارئه وخالقه وموجده ورازقه، بل بارزه بهذه المبارزة المبنية على خلع جلباب الحياء والمروءة، والتخلي عن سائر صفات أهل الشهامة والفتوة، والتحلي بصفات البهائم، بل بأقبح وأفظع صفة وخلة؛ إذ لا نجد حيواناً ذكراً ينكح مثله، فناهيك برذيلة تعففت عنها الحمير فكيف يليق فعلها بمن هو في صورة رئيس أو كبير، كلا بل هو أسفل من قذره، وأشأم من خبره، وأنتن من الجيف، وأحق بالشرر والسرف، وأخو الخزي والمهانة، وخائن عهد الله وما له عنده من الأمانة، فبعداً له وسحقاً وهلاكاً في جهنم وحرقاً”([63]).

وتأمل معي هذه المقولة بقلب حاضر..

قال الوليد بن عبد الملك: “لولا أنَّ الله ذكر قوم لوط في القرآن ما ظننت أن ذكراً يفعل هذا بذكرٍ”([64]).

قال ابن كثير -معلقاً على هذا-: “فنفى عن نفسه هذه الخصلة القبيحة الشنيعة، والفاحشة المذمومة، التي عذب الله أهلها بأنواع العقوبات، وأحل بهم أنواعاً من المثلات، التي لم يعاقب بها أحداً من الأمم السالفات، وهي فاحشة اللواط التي قد ابتلى بها غالب الملوك، والأمراء، والتجار، والعوام، والكتاب، والفقهاء، والقضاة، ونحوهم، إلا من عصم الله منهم، فإنَّ في اللواط من المفاسد ما يفوت الحصر والتعداد؛ ولهذا تنوعت عقوبات فاعليه، ولأن يُقتل المفعول به خير من أن يُؤتى في دبره، فإنه يفسد فساداً لا يُرجى له بعده صلاح أبداً، إلا أن يشاء الله ويذهب خبر المفعول به. فعلى الرجل حفظ ولده في حال صغره وبعد بلوغه، وأن يجنبه مخالطة هؤلاء الملاعين، الذين لعنهم رسول الله e”([65]).

لله درهم.. ما أنصحَهم لأمَّتهم!

حد اللواط:

أمر النبي e بقتل الفاعل والمفعول به فقال: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»([66]).

قال ابن كثير رحمه الله: “أَمر بقتل الفاعل والمفعول به لأنه لا خير في بقائهما بين الناس؛ لفساد طويتهما، وخبث بواطنهما، فمن كان بهذه المثابة فلا خير للخلق في بقائه، فإذا أراح الله الخلق منهما صلح لهم أمر معاشهم ودينهم”([67]).

وإليك هذا النقل عن ابن القيم رحمه الله الذي يبين لنا فيه أنّ الصحابة لم يختلفوا في قتل الفاعل والمفعول به، إنما اختلفوا في صفة قتله، فأخطأ فهمُ بعضهم وظنه خلافاً في مسألة هل يُقتلان أم لا!

قال رحمه الله: “وحتم قتل اللوطي حداً كما أجمع عليه أصحاب رسول الله ودلت عليه سنة رسول الله الصريحة التي لا معارض لها، بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلاً يُنكح كما تُنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق t فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة رضي الله عنهم، فكان علي بن أبي طالب أشدهم قولاً فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل الله بها، أرى أن يحرق بالنار. فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه. وقال عبد الله بن عباس: أرى أن ينظر أعلى ما في القرية  فيرمى اللوطي منها منكساً ثم يتبع بالحجارة. وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط، وابن عباس هو الذي روى عن النبي e: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» ([68]) … وأطبق أصحاب رسول الله على قتله لم يختلف منهم فيه رجلان وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله فظن بعض الناس ذلك اختلاف منهم في قتله فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة وهي بينهم مسألة النزاع”([69]).

وقال ابن قدامة رحمه الله: “ولأنه([70]) إجماع الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في صفته”([71]).

ويقول الشيخ الدكتور بكر عبد الله أبو زيد رحمه الله: “ووجه الدلالة من هذا الحديث- يعني «فاقتلوا الفاعل والمفعول به» – نَصِّيَّةٌ على قتل الفاعل والمفعول به، وليس فيه تفصيل لمن أحصن أو لم يحصن، فدل بعمومه على قتله مطلقاً” ([72]).

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الجريمة تثبت بأمرين:

1/ أربعة شهود؛ قياساً على الزِّنا .

2/ الإقرار.

وهذا مما لا خلاف فيه.

أنواع اللواط

اللواط نوعان: مع الرجل، ومع الأنثى.

فإنّ من أنواع اللواط التي نص عليها النبي e إتيان المرأة في دبرها، لأن الواجب على الزوج أن يأتي أهله في موضع الحرث، قال تعالى: }نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ{([73]). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: }نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ{ فِي أُنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَتَوْا النَّبِيَّ e فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «ائْتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ إِذَا كَانَ فِي الْفَرْجِ»([74]). وفي رواية: «أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحَيْضَةَ»([75]).

وقد قال النبي e فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا: «هِيَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى»([76]).

ولذا حرمها النبي e في أحاديثَ كثيرةٍ، منها:

عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ، إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ،لا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ»([77]).

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ» ([78]).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا»([79]).

وعن عقبة بن عامر الجهني t قال: قال رسول الله e: « لعَنَ اللهُ الذين يَأتُونَ النِّسَاءَ في محاشِّهنَّ» ([80]).

ومحاشهن: “هي جمع مَحشَّة، وهي الدُّبر”([81]).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t، عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ: «مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ e» ([82]).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «مَنْ أَتَى النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ فَقَدْ كَفَرَ»([83]).

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِي رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ e قَالَ: «اسْتَحْيُوا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ، لاَ يَحِلُّ مَأْتَاكَ النِّسَاءَ فِي حُشُوشِهِنَّ » ([84]).

ومن الآثار فيها:

عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَبِي الْحُبَابِ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: مَا تَقُولُ فِي الْجَوَارِي حِينَ أُحَمِّضُ بِهِنَّ؟ قَالَ: وَمَا التَّحْمِيضُ؟ فَذَكَرْتُ الدُّبُرَ. فَقَالَ: هَلْ يَفْعَلُ ذَاكَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ ([85]). ومن أتى امرأته في دبرها فلا حدَّ عليه وإنما يُعزر. قال ابن قدامة رحمه الله: “فإن وطئ زوجته في دبرها فلا حدَّ عليه؛ لأن له في ذلك شبهة، ويعزر لفعله المحرم، وعليها الغسل؛ لأنه إيلاج فرج في فرج… وإن كان الوطء لأجنبية وجب حد اللوطي”([86]).

قال ابن القيم رحمه في الله –متحدثاً عن آثاره ومفاسده-: “وإذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض([87]) فما الظن بالحش الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل والذريعة القريبة جداً من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان. وأيضاً: فللمرأة حق على الزوج في الوطء، ووطؤها في دبرها يفوت حقها ولا يقضي وطرها ولا يحصل مقصودها. وأيضاً: فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له، وإنما الذي هيئ له الفرج، فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعاً، ولهذا ينهى عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم؛ لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه، والوطء في الدبر لا يعين على اجتذاب جميع الماء ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي. وأيضاً: يضر من وجه آخر وهو إحواجه إلى حركات متعبة جداً لمخالفته للطبيعة. وأيضاً فإنه محل القذر والنجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلابسه. وأيضاً: فإنه يضر بالمرأة جداً لأنه وارد غريب”([88]).

تنبيه:

ليس من حرج على الزوج أن يستمتع بامرأته في أليتيها بلا إيلاج في فتح الشرج. قال في المغني: “ولا بأس بالتلذذ بها ([89]) بين الأليتين من غير إيلاج؛ لأن السنة إنما وردت بتحريم الدبر، فهو مخصوص بذلك، ولأنه حُرِّم لأجل الأذى، وذلك مخصوص بالدبر، فاختصَّ التحريم به”([90]).

علاج اللواط

ليس من داء إلا وله دواء، وقد يصعب على من ابتلي بهذه الفاحشة أن يبرح سبيلها، ولكن من عزم على ذلك أعانه الله، وعلاج هذا البلاء: التوبة الصادقة، وهذه إرشادات نافعات- بإذن الله- تعين على التوبة منه والاستمرار عليها، فمن ذلك:

دعاء الله تبارك وتعالى، والتضرع إليه:

واعلم –وفقك الله وعافاك- أنّ الله لا يرد من أناخ ببابه وطلب معونته بصدق.

واقرأ هذه القصة التي جرت بين شاب كان محباً للفاحشة وبين النبي e..

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ t قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ e فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا. فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ مَهْ. فَقَالَ: «ادْنُهْ». فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، فَجَلَسَ. قَالَ: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ»؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ»؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ»؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: « وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ»؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ». قَالَ: «أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ »؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: «وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ». قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ». فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ ([91]).

وهذا ما يستعمله أطباء الأمراض النفسية؛ من تكريه وتبغيض للمنكر لمن ابتلي به من المرضى، وقد أرشدهم نبينا e إلى هذا الطريق من طرق العلاج، فصلوات الله وتسليماته عليه.

الصدق مع الله:

واقرأ هذه الحادثة لتعلم أثر الصدق مع الله..

عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ t أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ e فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ. فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ e بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ e سَبْيًا فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ -وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ-، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ e، فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ e، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: «قَسَمْتُهُ لَكَ». قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ- بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: «إِنْ تَصْدُقْ اللَّهَ يَصْدُقْكَ». فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ e يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ e: «أَهُوَ هُوَ»؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ». ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ e فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ e([92]). ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ، خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ» ([93]). فما أعظم أن تصدق –أيها المبتلى- مع الله؛ ليزول بلاؤك، ويذهب همك.

البعد عن جميع أسبابها وما يذكر بها:

فابتعد عن الصحبة السيئة التي تزين لك طريقها، وابتعد عمن كنت تفجر معه. وإن كان ما يُذكرك بها صور أو مادة (فيديو)، أو غير ذلك فأعدم ذلك كله.

وحبذا –أخانا الحبيب- لو خلوت بنفسك في ساعة صفاء ذهني، وأمسكت بقلم وورقة، وأثبت بها كل الأسباب التي تدعوك للوقوع في هذه الفاحشة، ثم جعلت لنفسك مقترحاً جاداً تسلكه لتوصد هذه الأبواب التي تلج من خلالها إلى وحل هذه المعصية إيصاداً محكماً.

واعلم أنّ من ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه، قال e: « إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ»([94]).

حراسة الخواطر:

فإذا حدثتك نفسك بها فاطرد الخاطر عنك، واعلم أنّ كل شيء له مراحل لا يُتوصل إليه إلا بسلوك مراحله، والمعصية كذلك، فمن أذهب عن نفسه خواطرها لم يفلح الشيطان في الإيقاع به.

يقول ابن القيم رحمه الله: “الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة؛ فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أكمل منها، وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة، وأما أن تثلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من ثلمه، وأما أن تذهب مالاً بقاؤه خير له من ذهابه، وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه، وأما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة، وأما أن تطرق لوضيع إليك طريقاً لم يكن يجدها قبل ذلك، وإما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة، وإما أن تنسى علماً ذكره ألذ من نيل الشهوة، وإما أن تشمت عدواً وتحزن ولياً، وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة، وإما أن تحدث عيباً يبقى صفة لا تزول فان الأعمال تورث الصفات والأخلاق”([95]).

عمِّر وقتك بالمفيد النافع:

اشغل النفس بالطاعة، وبكل ما هو مفيد؛ من تحصيل علمي أو عمل.. فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية. ومن الحلول الناجعة لمن تاب وعاوده التفكير: أن يكثر من التلاوة، وسماع أشرطة الوعظ، وصحبة الصالحين؛ فإنه يستحي بسببهم أن يفعل معصية.

فكِّر في عاقبة الفعل:

 لحظات من النشوة المحرمة تعقبها منغصات وآلام وندم وقلق. فوالله لو كان هذا الألم مرتب على فعل شيء مباح لكان العقل أن يُترك، فكيف بشيء يمقت الله عليه.

أقبل على قراءة ما كتبه أهل العلم عن خطر هذه المعصية:

 ككتاب الجواب الكافي وإغاثة اللهفان لابن القيم، وبعض المقالات المفيدة بالمواقع الدينية على شبكة (الإنترنت).

زر المقابر:

فلزيارة القبور أثر كبير في إصلاح النفس والسلوك، وقد ندب إليها نبينا e.

انظر في هذه العافية التي تتمتع بها:

ماذا لو سلبك الله إياها وحلت مكانها الأسقام والأمراض التي تسببها الفواحش.

قدِّر أنّ أحداً ممن يحترمك ويحبك رآك على هذا البلاء:

هل أحسست معي ببالغ الحرج الذي سيكتنفك؟ فإذا أدركت ذلك فلا  يكن الله أهون الناظرين إليك.

أكثر من الصوم:

 فإنَّ له أثراً عجيباً في القضاء على هذه المنكرات، بكبح جماح الشهوات.

بادر بالزواج:

 فهو السبيل الأوحد الذي يُشبع الإنسان به رغبته الجنسية.

اخشع في صلاتك:

 وأقبل فيها على ربك؛ فإنها تنهى عن كل فاحشة ومنكر. قال تعالى: } ِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ{([96]).

ابتعد عن الأحداث:

قال ابن تيمية رحمه الله: “أما صحبة المردان([97]) على وجه الاختصاص بأحدهم -كما يفعلونه – مع ما ينضم إلى ذلك من الخلوة بالأمرد الحسن، ومبيته مع الرجل ونحو ذلك. فهذا من أفحش المنكرات عند المسلمين وعند اليهود والنصارى وغيرهم؛ فإنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام ودين سائر الأمم بعد قوم لوط: تحريم الفاحشة اللوطية، ولهذا بين الله في كتابه أنه لم يفعلها قبل قوم لوط أحد من العالمين، وقد عذب الله المستحلين لها بعذاب ما عذبه أحداً من الأمم، حيث طمس أبصارهم، وقلب مدائنهم فجعل عاليها سافلها، وأتبعهم بالحجارة من السماء. ولهذا جاءت الشريعة بأن الفاحشة التي فيها القتل: يقتل صاحبها بالرجم بالحجارة. كما رجم النبي e اليهوديين وماعز بن مالك الأسلمي والغامدية وغيرهم ورجم بعده خلفاؤه الراشدون. والرجم شرعه الله لأهل التوراة والقرآن وفي السنن عن النبي e: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» ([98]). ولهذا اتفق الصحابة على قتلهما جميعاً؛ لكن تنوعوا في صفة القتل، فبعضهم قال: يرجم، وبعضهم قال: يرمى من أعلى جدار في القرية ويتبع بالحجارة، وبعضهم قال: يحرق بالنار؛ ولهذا كان مذهب جمهور السلف والفقهاء أنهما يرجمان بكرين كانا أو ثيبين، حرين كانا أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكاً للآخر. وقد اتفق المسلمون على أن من استحلها بمملوك أو غير مملوك فهو كافر مرتد. وكذلك مقدمات الفاحشة عند التلذذ بقبلة الأمرد ولمسه والنظر إليه هو حرام باتفاق المسلمين، كما هو كذلك في المرأة الأجنبية، كما ثبت في الصحيح عن النبي e أنه قال: «العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» ([99])… ولهذا كان المشايخ العارفون بطريق الله يحذرون من ذلك، كما قال فتح الموصلي: أدركت ثلاثين من الأبدال كل ينهاني عند مفارقتي إياه عن صحبة الأحداث. وقال معروف الكرخي: كانوا ينهون عن ذلك. وقال بعض التابعين: ما أنا على الشاب الناسك من سبع يجلس إليه بأخوف مني عليه من حدث يجلس إليه. وقال سفيان الثوري وبشر الحافي: إنّ مع المرأة شيطاناً ومع الحدث شيطانين. وقال بعضهم: ما سقط عبد من عين الله إلا ابتلاه الله بصحبة هؤلاء الأحداث” ([100]).

تذكر أنّ الله خلقنا وهو أعلم بأنفسنا من أنفسنا:

 وقد قال الله تعالى –عن قوم لوط-: }أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ{([101]).قال ابن كثير رحمه الله في معناها: “لا تعرفون شيئاً لا طبعاً ولا شرعاً” ([102]). فلا يمكن أن يستلذ عاقل بإتيان الرجال، وأما اللذة المتوهمة التي يشعر بها هؤلاء المجرمون فراجعة إلى مسألة، وهي أنّ الشخص إذا مارس الجنس بأسلوب معين وكان هو أول شيء يمارسه في بداية حياته يصبح هذا وكأنه المرجع الذي يلجأ له كلما حاول الابتعاد عنه، بمعنى آخر أنه مارسه في بداية المراهقة، وكل ما يمارس في هذه المرحلة يلقي بظلاله على العملية الجنسية في بقية المراحل العمرية المتقدمة، مثل السلوكيات التي يتعلمها الطفل في بداية طفولته المبكرة تظل راسخة للأبد في الذاكرة ولا يمكن نسيانها بل إنه يلجأ إليها ليستشهد بها في مواقف متعددة ومتباينة. ولذا يتوهم أنّ متعته في هذه الفاحشة، ولو أمعن النظر لعلم أنّها انتكاس للفطرة السليمة ومسخ لها.

الفواحش تميت على سوء الخاتمة:

وإنّ من يعين على الاستمرار في درب التوبة وطريق العلاج: أنْ تعلم أنّ فعل الفاحشة من أسباب الموت على سوء الخاتمة – عياذاً بالله من ذلك -.

قال ابن القيم رحمه الله: “ويروى أن رجلاً عشق شخصاً، فاشتد كلفه به وتمكن حبه من قلبه، حتى وقع ألماً به ولزم الفراش بسببه، وتمنع ذلك الشخص عليه واشتد نفاره عنه. فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده أن يعوده، فأخبر بذلك البائس، ففرح واشتد سروره وانجلى غمه، وجعل ينتظر الميعاد الذي ضربه له. فبينا هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما فقال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق ورجع، فرغبت إليه وكلمته فقال: إنه ذكرني وبرح بي، ولا أدخل مداخل الريب، ولا أعرض نفسي لمواقع التهم. فعاودته فأبى وانصرف، فلما سمع البائس ذلك أسقط في يده وعاد إلى أشد مما كان به، وبدت عليه علائم الموت، فجعل يقول في تلك الحال

 أسلم يا راحة العليــل   ويا شفاء المدنف النحيل

 رضاك أشهى  إلي فؤادي   من  رحمة الخالق الجليل

 فقلت له: يا فلان اتق الله! قال: قد كان. فقمت عنه، فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت. فعياذا بالله من سوء العاقبة، وشؤم الخاتمة”([103]).

وقال ابن كثير رحمه الله: “وقد اختلف الناس: هل يدخل الجنة مفعول به ؟ على قولين، والصحيح في المسألة أن يقال: إن المفعول به إذا تاب توبة صحيحة نصوحاً، ورزق إنابة إلى الله وصلاحاً، وبدل سيئاته بحسنات، وغسل عنه ذلك بأنواع الطاعات، وغض بصره وحفظ فرجه، وأخلص معاملته لربه، فهذا إن شاء الله مغفور له، وهو من أهل الجنة، فإن الله يغفر الذنوب للتائبين إليه، }ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون{([104])، }فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم{([105]). وأما مفعول به صار في كبره شراً منه في صغره فهذا توبته متعذرة، وبعيد أن يؤهل لتوبة صحيحة، أو لعمل صالح يمحو به ما قد سلف، ويخشى عليه من سوء الخاتمة، كما قد وقع ذلك لخلق كثير ماتوا بأدرانهم وأوساخهم لم يتطهروا منها قبل الخروج من الدنيا، وبعضهم ختم له بشر خاتمة، حتى أوقعه عشق الصور في الشرك الذي لا يغفره الله. وفي هذا الباب حكايات كثيرة وقعت للوطية وغيرهم من أصحاب الشهوات يطول هذا الفصل بذكرها.

والمقصود أن الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له. فيجتمع عليه الخذلان مع ضعف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة.

قال الله تعالى: }وكان الشيطان للإنسان خذولاً{([106]). بل قد وقع سوء الخاتمة لخلق لم يفعلوا فاحشة اللواط، وقد كانوا متلبسين بذنوب أهون منها.

وسوء الخاتمة أعاذنا الله منها لا يقع فيها من صلح ظاهره وباطنه مع الله، وصدق في أقواله وأعماله، فإن هذا لم يسمع به كما ذكره عبد الحق الإشبيلي، وإنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه عقداً، وظاهره عملاً، ولمن له جرأة على الكبائر، وإقدام على الجرائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة “ ([107]).

ومما يعينك على الاستقامة بعد التوبة: التفكر في آثار اللواط:

منها الانتقام:

لو فكر الفاعل أنّ هذا الغلام الذي يفجر به سيكبر بعد أعوام قليلة لما تجاسر على ارتكاب هذا الحرام، ولهان عليه تركه. فبعد أن يكبر المفعول به ستكون في موقف محرج، وربما استفحل العداء بينكما وأنت من بذرت بذرته، أو فكَّر في الانتقام منك..

جاء هذا السؤال في موقع الشبكة الإسلامية([108]):

“أنا عندي مشكلة عقدت حياتي.. قصتي كالتالي: عندما كنت صغيراً تعرضت لاغتصاب وقح من طرف عمي([109])، وقتها كان عمري سبع سنوات، لقد كنت ضحية، لم أستطع الدفاع عن نفسي؛ لأنني لم أدر ماذا كان يفعل بالتحديد. الآن عمري تسع وعشرون سنة وأقيم بالخارج، كل هذه السنين أبكي وأتعذب خفية، لا أحد يعلم بالأمر سوى الله سبحانه وتعالى، فكرت في الانتحار، ولكن امتنعت خشية من الله, أنا الآن أفكر في طريقة للانتقام لرد الاعتبار، فهل أنا مخطئ أم محق ؟”.

ومن آثار اللواط:

أنه يؤدي إلى السحاق أو الزنا، فباستغناء الرجال بالرجال يستغني النساء بالنساء! أو ربما لجأت المرأة إلى غير زوجها؛ لتشبع غريزتها.

ومنها: محق البركات، وحلول الغضب والنقم والعذاب والبلاء!

وإذا غضب الله على قوم فأي خير ينتظرون؟ وأي سعادة يرجون. إنه الدمار في الدنيا }ولعذاب الآخرة أشد وأبقى{([110]).

ومنها: تقليل النسل بوأد ماء الحياة، فهو كمن يبذر الحب في أرضٍ كَنود([111]).

ومنها الأمراض الفتاكة التي سبقت الإشارة إليها.

ومنها: شل المجتمع وإهدار طاقاته.

ومنها: مسخ الفطرة وانقلابها، وهو ما يسمى بالانعكاس النفسي، فيشعر بميل إلى بني جنسه، وتتجه أفكاره الخبيثة إلى أعضائهم التناسلية، ولقد أثبتت كتب الطب كثيراً من الوقائع الغريبة التي تتعلق بهذا الشذوذ مما لا يتسع المجال لذكرها هنا.

ومنها: آثار كثيرة سيئة تنعكس على نفسيته، فيبقى –إن بقي- محطماً مكسوراً ذليلاً.

قال ابن القيم رحمه في الله –متحدثاً عن آثاره ومفاسده-: “واللواط يحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول. وأيضاً: فإنه يسود الوجه ويظلم الصدر ويطمس نور القلب ويكسو الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة. وأيضاً: فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بد. وأيضاً فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فساداً لا يكاد يرجى بعده صلاح إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح. وأيضاً: فإنه يذهب بالمحاسن منهما ويكسوهما ضدها كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلهما بها تباغضاً وتلاعناً. وأيضاً: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم؛ فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله وإعراضه عن فاعله وعدم نظره، إليه فأي خير يرجوه بعد هذا؟ وأي شر يأمنه؟ وكيف حياة عبد قد حلت عليه لعنة الله ومقته وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه؟ وأيضاً: فإنه يذهب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده. وأيضاً: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئاً من الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع انتكس القلب والعمل والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره. وأيضاً: فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه. وأيضاً: فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه غيره. وأيضاً: فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء وازدراء الناس له واحتقارهم إياه واستصغارهم له ما هو مشاهد بالحس. فصلاة الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به، وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به” ([112]).

 كيف نقي أبناءنا من هذه الفاحشة؟

بأمور، وهي:

أولاً:

إعطاء الصغير كفايته من العطف والحنان.  وهذا يجب أن يشترك فيه الوالدان.

يقول الدكتور على الزهراني([113]) –في رده على أحد المرضى المنحرفين الشاذين-: “أعود لمشكلتك الجنسية وتعلقك بكبار السن للقيام بالعملية الجنسية، حيث يرى بعض علماء النفس أن الطفل الذي لم يحظ بالحنان الكاف من والده فإن هذا الأمر سيلازمه للأبد بمطاردته لكبار السن بطلب الحنان منهم فهو، أحياناً يجد رغبة في مجامعتهم، لكنه في الواقع يبحث عن الحنان الذي طالما بحث عنه لكنه لم يجده في طفولته، حتى أن بعض العلماء يرى أن يقوم الأب بملامسة جسد الطفل في الصغر لإعطائه الحنان الذي يبحث عنه، وفي المراحل المتقدمة من الطفولة يقوم الأب بممازحة الطفل واللعب معه للتغلب على ظهور مثل هذا الانحراف، بل أن هناك دراسات وجدت أن الانحرافات الجنسية تكثر بين الأطفال الذين عاشوا بدون آباء، إما لانشغالهم المستمر خارج المنزل، أو لسفرهم لفترات طويلة، أو لفقدهم بالموت، أو الانفصال”([114]).

ومن صور هذا الحنان الذي يجب بذله لأبنائنا الإكثار من ملامستهم؛ فيمسك الوالد ولده إذا كانا يسيران في الطريق، ويمسح على رأسه، ويضع يده على كتفه، ويضمه إليه، وإذا أيقظه من نومه مسح على ساقه أو كتفه، فالعناية بهذا تشبع حاجة الطفل إلى الحنان والعطف، وليس بخافٍ تقبيل النبي e للحسن والحسين ومعاملته لهما.

ثانياً:

الحذر من إظهار المواقف الزوجية الحميمية أمامهم. فهذا مما يثير الغريزة، ولربما علقت هذه المشاهد في ذاكرتهم واستجرها بعد أعوام فأوقدت شهوة وأوقعت محنة وبلاءً. وكم في الناس من يذكر أحداثاً مرت أمامه وله من العمر عامان. فيا أيها الآباء: الحياة الخاصة لها أماكنها الخاصة.

ثالثاً:

نصح الأبناء وإرشادهم. فلابد من مصارحة الأب لأبنائه المميزين بالأسلوب الذي يراه مناسباً، وتحذيرهم من هذه الفاحشة. وهذا يراعى فيه المرحلة العمرية التي يمر الطفل بها..

فإذا عقل معنى (العيب) وذلك إذا بلغ العامين أو أكثر أُفهم أن في بدنه أشياء تخصه لا يجوز لأحد أن يعبث بها أو يلمسها أو ينظر إليها. ويكرر ذلك له.

وقد أخبرني أخٌ فاضلٌ أنه لما كان بالمرحلة الابتدائية كان معهم معلم منحرف في سلوكه! فحذره خاله منه. وفي يومٍ اقترب منه هذا المعلم وأمسك بأذنه، فأزاح يده عنه بعنف وهدده بإخبار خاله إن اقترب منه، فلم يفعلها ثانيةً.

فإذا شارف على البلوغ كان الحديث معه صريحاً في التعريف بالفواحش، وما يجب على المسلم حيال شهوته، وكيف رفع النبي e من شأن أهل العفاف، وسبيل ذلك والمدخل إليه: تدريس قصتي لوط ويوسف عليهما السلام.

رابعاً:

تعويدهم على مصارحتنا بكل ما يحدث لهم؛ لنجد منهم المكاشفة إذا حل بساحتهم أمر ينكرونه، فإذا لم يوصل الوالد ولده إلى هذه المرحلة فقد أخفق في تربيته، والموفق من  وفقه الله.

خامساً:

حفظك _أيها الوالد- لحدود الله، سبب لحفظ الله تعالى لولدك.

سادساً:

الدعاء لهم.

سابعاً:

التفريق بينهم في المضاجع.

ثامناً:

توخي الحيطة والحذر، ولندع عنّا العفوية المفرطة، والثقة الزائدة. فليس من معنى لأن نترك أطفالنا مع أناس من الأقارب ونغفل عنهم، وفي بيتهم شباب في سن المراهقة بينهم وبين التدين بون كبير.

وليست هذه دعوة لإشاعة روح الشكوك والريبة والتهم، وإنما هي دعوة للتيقظ.

تاسعاً:

مراقبتهم. فعلينا:

  • مراقبة تصرفاتهم.

  • مراقبتهم مع أصدقائهم.

  • مراقبة ألعابهم، فكم في الألعاب الإلكترونية التي نأتيهم بها من بلاء، ولذا أنصح الوالدين أن يتعلما هذه الألعاب ويقفا على جميع مراحلها؛ لئلا يكون في بعض مراحل اللعبة ما يثير الغريزة ويدعو إلى الفجور.

  • مراقبة نفسياتهم، فالطفل الذي ينزع إلى العزلة والانطوائية بعد أن لم يكن كذلك لابد من التعرف على سبب ذلك عنده.

  • مراقبة ملابسهم بين الحين والآخر.

قال ابن كثير رحمه الله –بعد ذكره لمفاسد اللواط- : “فعلى الرجل حفظ ولده في حال صغره وبعد بلوغه، وأن يجنبه مخالطة هؤلاء الملاعين، الذين لعنهم رسول اللهe”([115]).

أسأل الله بأسمائه وصفاته أن يحفظ أعراضنا، وأن ينعم بالتوبة الصادقة على من شذّ وعصى منَّا.

رب صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

[1] / الموسوعة الفقهية الكويتية: 2/13029

[2] / رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة.

[3] / النمل: ٥٤ – ٥٥

[4] / انظر : تفسير القرآن العظيم (6/200).

[5] / الأعراف : 80 – 84

[6] / انظر :جامع القرطبي (7/246).

[7] / هود: ٦٩ – ٨٣

[8] / انظر: جامع القرطبي (5/359).

[9] / تفسير السعدي ، ص (386).

[10] / انظر : تفسير القرآن العظيم (4/340).

[11] / الحجر: ٥١ – ٧٧

[12] / انظر تفسير القرطبي: (10/38).

[13] / البحر الميت المعروف.

[14] / “وطريقٌ مَهْيَعٌ، كمَقْعَدٍ: بَيِّنٌ”. القاموس المحيط، ص (1004) .

[15] / تفسير ابن كثير (4/544).

[16] / الشعراء: ١٦٠ – ١٧٥

[17] / النمل: ٥٤ – ٥٨

[18] / النمل: ٥٤ – ٥٨

[19] / تفسير القرآن العظيم (6/200).

[20] / العنكبوت: ٢٨ – ٣٥

[21] / الصافات: ١٣٣ – ١٣٨

[22] / تفسير ابن كثير (7/38).

[23] / القمر: ٣٣ – ٤٠

[24] / النجم: ٥٣ – ٥٤

[25] / تفسير القرطبي (17/120).

[26] / الأنبياء: ٧٤ – ٧٥

[27] / فتح القدير (3/197).

[28] /  وليس المراد بقوله تعالى:} ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ{ [التحريم 10]  أنهما زانيتان، تعالى الله أن تزني امرأة نبيه، ولذا لما برأ الله أمَّنا عائشة قال: }وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ{ [النور 16]. قال ابن كثير: “وليس المراد: }فَخَانَتَاهُمَا{ في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة؛ لحرمة الأنبياء”[ تفسير القرآن العظيم (8/171)].

[29] / بتصرف من قصص الأنبياء، للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير، دار القلم ببيروت، تحقيق لجنة من العلماء، ص (192-204).

[30] / الإسراء: ٣٢

[31] / العنكبوت : 28

[32] / شرح ابن بطال على صحيح البخاري (15/464).

[33] / الجواب الكافي، ص(120).

[34] / الأنعام: ١٥١

[35] / الأعراف: ٣٣

[36] / أحكام القرآن (1/458).

[37] / القمر: 37

[38] / تفسير القرآن العظيم (4/543).

[39] / الحجر:  73

[40] / الحجر : 74

[41] / يعني : اللواط

[42] / الجواب الكافي، ص (121).

[43] / الأعراف : 84

[44] / هود: 82 – ٨٣

[45] / الجواب الكافي، ص (120).

[46] / رواه أحمد.

[47] / عون المعبود (6/132).

[48] / رواه مسلم.

[49] / شرح النووي على صحيح مسلم (4/31).

[50] / رواه الترمذي، وابن ماجة.

[51] / تحفة الأحوذي (5/19).

[52] / رواه البيهقي، وابن حبان.

[53] / فتح الباري (1/406).

[54] / البداية والنهاية (9/185).

[55] / رواه الترمذي.

[56] / المغني (10/155).

[57] / الجواب محذوف يُقدر بما يناسب المقام .

[58] / ابن ماجة (4009).

[59] / مستدرك الحاكم (2529).

[60] / استشاري جراحة المسالك البولية والتناسلية بمستشفى أجياد العام – مكة المكرمة.

[61] / كتاب (ولا تقربوا الفواحش) للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد.

[62] / الكبائر ، لمحمد بن عثمان الذهبي ، دار الندوة ببيروت، ص (55).

[63] / الزواجر عن اقتراف الكبائر، ص (88).

[64] / البداية والنهاية، لابن كثير ، مكتبة المعارف ببيروت: (9/184).

[65] / المصدر السابق.

[66] / مسند الإمام أحمد (2591)، وسنن أبي داود (3869 )، وجامع الترمذي (1376 )، وسنن ابن ماجة (2551) .

[67] / البداية والنهاية (9/185) .

[68] / سبق تخريجه قريباً، أراد ابن القيم بذلك أنّ الراوي أدرى بمروِيِّه من غيره.

[69] / الجواب الكافي، ص (120).

[70] / أي : قتل الفاعل والمفعول به سواء كانا محصنين أم غير محصنين.

[71] / المغني (10/155).

[72] / الحدود والتعزيرات عند ابن القيم، ص (179).

[73] / البقرة: ٢٢٣

[74] / رواه الإمام أحمد.

[75] / رواه الترمذي.

[76] / رواه الإمام أحمد.

[77] / رواه ابن ماجة.

[78] / رواه الترمذي.

[79] / رواه أبو داود.

[80] / رواه الطبراني في المعجم الأوسط.

[81] / النهاية في غريب الأثر والحديث (1/969).

[82] / رواه  الترمذي، وابن ماجة.

[83] / رواه الطبراني في المعجم الأوسط.

[84] / رواه  الدارقطني.

[85] / رواه  الدارِمي.

[86] / المغني (8/132).

[87] / يريد : الحيض.

[88] / زاد المعاد (4/241).

[89] / أي: بزوجته.

[90] / المغني (8/132).

[91] / رواه الإمام أحمد.

[92] / فائدة هذا التكرار لئلا يُتوهم أنها جبة الشهيد t.

[93] / رواه النسائي.

[94] / رواه الإمام أحمد.

[95] / الفوائد، لابن قيم الجوزية، ص (149).

[96] / العنكبوت: ٤٥

[97] / قال في القاموس: “والأَمْرَدُ الشَّابُّ طَرَّ شارِبُهُ ولم تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ” ص  (407). وطرّ : نبت.

[98] / رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.

[99] / رواه البخاري ومسلم.

[100] / الفتاوى لابن تيمية (11/545).

[101] / النمل: 55

[102] / تفسير القرآن العظيم (6/200).

[103] / الجواب الكافي ، ص (117).

[104] / الحجرات: 11.

[105] / المائدة: ٣٩.

[106] / الفرقان: ٢٩

[107] / البداية والنهاية (9/184).

[108] / موقع الشبكة الإسلامية، فتوى رقم (79149) ، رابط الفتوى :

http://www.islamweb.net/ver2/Fatwa/PrintFatwa.php?lang=A&Id=79149

[109] /  !!!

[110] / طه: ١٢٧.

[111] / الكنود: الأرض التي لا تنبت.

[112] / زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم (4/241-242).

[113] / استشاري الطب النفسي بالمملكة العربية السعودية.

error: